دافيد كيزر مؤلف هذا الكتاب هو استاذ الاستراتيجية والعلوم السياسية في معهد الحرب البحرية. سبق له ونشر كتاباً معروفاً تحت عنوان: «السياسات والحرب: الصراع الاوروبي من فيليب الثاني حتى هتلر». وله ايضاً عدة كتب اخرى من بينها: «الدبلوماسية الاقتصادية واصول الحرب العالمية الثانية»، و«معطيات جديدة في قضية ساكو وفنزيتي». ساكو وفنزيتي هما عاملان مهاجران ايطاليان الى الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين، وجدا نفسيهما وسط قضية سياسية كبرى». عاشت امريكا، كما يؤكد جميع مراقبي السياسة الخارجية الدولية عقدة كبيرة اثر «هزيمتها» في نهاية الحرب الفيتنامية. هذه «العقدة» يطلق عليها مؤلف هذا الكتاب تسمية «المأساة الامريكية»، وهو يدرس فيه الاصول البعيدة للحرب الفيتنامية كما يدرس خلفية مختلف القرارات السياسية التي اتخذتها ادارة الرئيسين جون كندي ولندون جونسون حيال هذه الحرب وحيث عرفت الولايات المتحدة بعد نهايتها عدة عقود من انحسار سياستها الخارجية بل وموقعها في العالم. ان الآراء تتفق بان بوادر التخلص من هذه «العقدة ـ المأساة» قد بدأت فعلاً في عهد الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان و«ثورته المحافظة». ان أول ما يلفت الانتباه في عمل «دافيد كيزر» هو استخدامه لعدد كبير من الوثائق التي يتم نشرها للمرة الاولى، وخاصة فيما يتعلق بقرارات التدخل في الحرب وآليات اتخاذها. وهو يشرح عبر ذلك آليات عمل الادارة الامريكية ذاتها والدوافع السياسية والاقتصادية التي تحركها. ويرى بان الادارة الامريكية كانت تمتلك في بداية عقد الستينيات من القرن الماضي «العشرين» بموقع عالمي متميز على صعيد السياسة الخارجية لم تكن قد عرفته طيلة القرن وذلك كثمرة لحركة «الاصلاحات الجديدة» التي قامت بها وكذلك للدور الذي لعبته أثناء الحرب العالمية الثانية وخاصة عملية الانزال التي قام بها جنودها على شواطيء النورماندي الفرنسية وتبدأ الدور الاساسي في الحاق الهزيمة النهائية بالمشروع النازي.. ثم كانت هي وراء استخدام السلاح النووي للمرة الاولى في التاريخ ضد مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين ودفع اليابان الى رفع رايات الاستسلام. كذلك كانت الادارة الامريكية في بداية رئاسة جون كندي تحظى بنوع من الالتفاف شبه الكامل للرأي العام حولها ولاسيما حول السياسة المتبعة آنذاك في التصدي للشيوعية والحد من توسعها. وعلى هذه القاعدة بدأ التطلع صوب منطقتي جنوب شرق اسيا والتفكير بدعم جنوب فيتنام ضد التهديد الشيوعي الذي كان يمثله الخصوم في فيتنام الشمالية. ومنذ اتفاقية جنيف عام 1954 التي أنهت الوجود الفرنسي في فيتنام اثر الهزيمة الكبيرة التي مني بها الفرنسيون على يد قوات الجنرال «جيّاب» في معركة «ديان بيان فو» الشهيرة اصبحت الولايات المتحدة أكثر «تورطاً» في شئون الهند الصينية اذ انها لم تقبل التوقيع على اتفاقية جنيف والتي تم على اساسها اعلان استقلال «لاوس» و«كمبوديا» وتقسيم الفيتنام الى بلدين: فيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية على جانبي خط العرض 17 وذلك في افق اجراء انتخابات عامة بعد عامين فقط بحيث تتم اعادة توحيد الشطرين. لقد قامت في الاقليم «الشمالي الجمهورية الديمقراطية الفيتنامية ذات الصلة الوطيدة مع الاتحاد السوفييتي ومع الصين الشعبية بقيادة ماوتسي تونج انذاك. ترأس فيتنام الشمالية «هو شي منه». اما في الجنوب فقد قام حكم دكتاتوري حقيقي توجه اكثر فأكثر نحو الولايات المتحدة الامريكية. على قاعدة هذه المقدمة التاريخية يرى مؤلف هذا الكتاب بان الادارة الامريكية برئاسة جون كندي وجدت نفسها في وضع كان لابد لها من تقديم دعم اكبر لفيتنام الجنوبية في مواجهة ثوار «الفييتكونج» المدعومين من فيتنام الشمالية وبالتالي من البلدين الاساسيين للمعسكر الشيوعي آنذاك اي الاتحاد السوفييتي السابق والصين الشعبية. وهكذا قبل الرئيس الامريكي انذاك جون كندي ان يزيد من عدد «المستشارين» العسكريين الامريكيين في سايجون عاصمة جنوب فيتنام وقد كان ذلك في عام 1961. وفي عام 1964 بدأت عمليات القصف الجوي الامريكي لفيتنام الشمالية. كان ذلك بعد مقتل جون كندي وتولي لندون جونسون للسلطة. وقد ازدادت حدة القصف في السنوات التالية كما ازداد عدد الجنود الامريكيين المتواجدين في فيتنام من 75000 مقاتل عام 1965 الى 530000 مقاتل عام 1968. لكن، ورغم هذا الوجود العسكري الكبير للقوات الامريكية، ورغم تشكيل جيش فيتنامي جنوبي كبير، استطاع الفيتناميون الشماليون ان يقوموا بهجوم كبير على عدد من مدن الجنوب في شهر يناير من عام 1968.. وهي المعركة المعروفة باسم «تين». في هذا السياق من عدم امكانية فرض الارادة الامريكية بالقوة، وفي اطار تزايد رفض الرأي العام الامريكي للحرب الفيتنامية قرر الرئيس جونسون نفسه الذي كان وراء قرار تصعيد الحرب، ان يبدأ بمفاوضات مع «هانوي» عاصمة الشمال مما أدّى الى الوقف الكامل للعمليات العسكرية في شهر اكتوبر من السنة نفسها 1968. ان الرئيس الامريكي لندون جونسون رفض ان يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية الامريكية لدورة ثانية عام 1968، وقرر التنحي عن المسرح السياسي. وما ان وصل خليفته ريتشارد نيكسون الى السلطة حتى بدأ مباشرة بتقليص عدد الجنود الامريكيين في الفيتنام في عام 1969. ولكنه قرر في عام 1972 استئناف عمليات القصف الجوي وضرب حصار بحري على موانيء فيتنام الشمالية. ولكن استطاع مؤتمر باريس عام 1972 ان يضع حدا نهائيا فعليا للعمليات العسكرية.. مما اعلن نهاية الحرب الفيتنامية وبداية «المأساة الامريكية» على خلفية الهزيمة. لقد اعيد توحيد فيتنام عام 1975 بعد الانتصار النهائي لشيوعيي الشمال ولكن هذه حكاية اخرى لم يتطرق لها هذا الكتاب. ويعتبر المؤلف بان ما عرفه الامريكيون في فيتنام شكل «أكبر هزيمة في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية» وانها كانت ايضاً «اكبر خطأ في التقديرات السياسية في تاريخ السياسة الخارجية الامريكية». بل وانه يذهب ابعد من ذلك حيث يقارن بين «الاخطاء السياسية» الكبيرة التي اقترفتها المانيا خلال عامي 1914 و1939، اي عندما أشعلت الحربين الكونيتين الاولى والثانية وبين الخطأ الامريكي في فيتنام، وذلك من منظور «الاثار السياسية والاجتماعية التي لاتزال قائمة حتى الان». يقول المؤلف: «ان الحرب الفيتنامية شكلت الحدث المركزي في التاريخ الامريكي، وذلك ليس بسبب نتائجها على صعيد السياسات الدولية، وانما اكثر من ذلك بسبب انها وضعت حداً لحقبة من التاريخ الامريكي ـ حقبة اجماع ما بعد الحرب ـ انكسرت فجأة وبشكل مأساوي». ويقارن «دافيد كيزر» بين الحرب الامريكية في الفيتنام وبين حرب «البيلوبينيز» التي تحدث عنها المؤرخ الآثيني ـ اليوناني ـ توسيديد قبل ألفين واربعمئة سنة. وذلك من زاوية التمييز بين الاسباب البعيدة والاسباب المباشرة، ويرى بان الاسباب البعيدة للتدخل العسكري الامريكي في فيتنام تجد جذورها في ادارة الرئيس الامريكي الاسبق ايزنهاور، وذلك عندما قرر التصدي عسكرياً لاي تقدم تحققه الشيوعية في أي مكان من العالم. وكانت الولايات المتحدة قد اتخذت خلال فترة 1954 ـ 1956 وبقرار «سري» من الرئيس ايزنهاور حيال اي «اعتداء شيوعي» وخاصة في منطقة جنوب شرق اسيا. وكان تزامن الازمة الكوبية 1960 ـ 1961 والتي شهدت ذروتها عام 1962 والازمة في الفيتنام ولاوس سبباً في تزايد الاحساس الامريكي بـ «شبح الحرب» يقترب ومعه «شبح الشيوعية». واذا كان الرئيس الامريكي الاسبق جون كندي قد نجح في ارغام السوفييت على سحب صواريخهم التي كانوا قد نصبوها في كوبا، فإنه اراد ان يكبح ايضا التقدم الشيوعي في منطقة الهند الصينية مما دفعه الى اتخاذ قرار تزايد المساعدات والحضور الامريكي في فيتنام ودعم حكومة جنوب فيتنام في مواجهة ثوار الفييتكونج. ان هذا الكتاب قد يكون الاول من بين الكتب الكثيرة التي تعرّضت لموضوع الحرب الفيتنامية من حيث انه يبحث في السنوات الاولى للحرب 1961 ـ 1965 بالاعتماد على كم هائل من الوثائق المنشورة وغير المنشورة، وخاصة تلك التي سمح «البنتاجون» برفع حظر «السرّية» عنها مؤخراً. كما ان المؤلف قد اطلع على الاف الوثائق غير المنشورة في المكتبتين الخاصتين بالرئيسين جون كندي ولندون جونسون. ولعل هذا من الكتاب الاول الذي يربط مؤلفه بين السياق العالمي والمحلي الذي دعا الولايات المتحدة للدخول في المغامرة الفيتنامية، رغم ان فيتنام لم تكن تبدو من اولويات الادارة الامريكية انذاك قياساً مع الوضع في المانيا «برلين» وفي كوبا وحيال العلاقات مع الاتحاد السوفييتي. كتاب عن الحرب الفيتنامية.. اصولها وآليات اتخاذ القرارات الامريكية حيالها. لقد كانت تعبيراً عن «تاريخ رديء وحرب خاطئة» كما يشرح المؤلف في الصفحات الأخيرة من الكتاب.