سيمون شسترمان المشرف على تحرير هذا الكتاب هو احد الاعضاء الرئيسيين في «اكاديمية السلام الدولية». وكان قد عمل لفترة في اطار نشاطات «المحكمة الجنائية الدولية» بخصوص جرائم الحرب في رواندة بافريقيا وفي مكتب تنسيق الشئون الانسانية في يوغسلافيا «السابقة». وهو مؤلف كتاب «حرب عادلة ام سلام عادل؟ التدخل الانساني والقانون الدولي». المدنيون والحرب، هذا هو موضوع هذا الكتاب ولكن ماذا تقول الاحصائيات؟ كانت نسبة ضحايا المدنيين في الحرب العالمية الاولى 5% فقط من مجموع الضحايا، وارتفعت هذه النسبة الى 50% اثناء الحرب العالمية الثانية لتصل الى 90% في الحروب التي شهدتها سنوات التسعينيات من القرن العشرين. ومجازر رواندة وبروندي والبوسنة وكوسوفو ليست سوى الامثلة الأكثر جلاء للحالة الأخيرة. هذا وكانت اتفاقية جنيف لعام 1949 والخاصة بحماية المدنيين في فترات الحروب قد حاولت ان تحد من نسبة الضحايا من غير المقاتلين اثر الصدمة التي احدثتها الحرب العالمية الثانية وخاصة سقوط الاف الضحايا المدنيين في مدينة هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين في مطلع شهر اغسطس من عام 1945 عندما ألقت الطائرات الامريكية قنابلها النووية عليهما... ولكن اتفاقية جنيف تلك لم تكن سوى «حبر على ورق». ان مساهمات هذا الكتاب تركز اهتمامها على نزاعات العقد الأخير من القرن العشرين باعتبارها «الأكثر فتكاً» في المدنيين. وبالوقت نفسه على الجهود التي تبذلها مختلف المنظمات الدولية، الحكومية منها وغير الحكومية، من اجل حماية المدنيين في زمن الحرب. ويتعرض كل مساهم بين المساهمين الثلاثة عشر لمسألة محددة تتعلق بالموضوع، وقد تم تقسيم محتويات الكتاب بين اربعة اقسام رئيسية تبحث في «القانون الانساني الدولي في السياق الراهن» و«ادخال مفهوم الحماية» و«تعزيز اجراءات الحماية» واخيراً، اعادة تقييم اجراءات الحماية. وتتسم هذه المساهمات كلها بروح نقدية لواقع ما يتعرض له المدنيون من عدم احترام القوى المتصارعة لبنود الاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاقية جنيف لعام 1949.. كما يركز المساهمون، كل من زاوية اهتمامه، على محاولة فتح صفحة جديدة في ميدان احترام حقوق المدنيين في أية حروب قادمة وبحيث تتحمل المجموعة الدولية مسئوليتها في عدم تكرار مجازر مثل تلك التي شهدتها منطقة البحيرات الافريقية الكبرى، وخاصة رواندة وبروندي، في منتصف عقد التسعينيات الماضي وذهب ضحيتها حوالي مليون شخص جلّهم تقريباً من المدنيين. ويعيد «سيمون شسترمان» اصول «القانون الدولي الانساني الحديث» الى الحرب الايطالية ـ النمساوية عام 1859. فاثناء معركة «سولفيرينو» والشهيرة في تلك الحرب ساقت الاقدار رجل اعمال سويسري يحمل اسم «جان هنري دونان» لرؤية ما عرفته تلك المعركة من اهوال لم تكن معهودة في الحروب انذاك بما تركته من آثار بؤس فما كان منه إلا ان بادر بعد نهاية المعارك بتشكيل مجموعة لتقديم الخدمات الطبية لسكان المدينة، كما كتب «شهادته» عن شراسة المعارك. واقترح بالوقت نفسه تبني نوع من «المباديء الدولية» كأساس لدعم الجمعيات ـ المجموعات ـ التي حددت هدفها في التخفيض من آلام المدنيين اثناء الحروب. وكانت هذه الافكار والاقتراحات والممارسات بمثابة «البذرة» التي أدت الى قيام «الصليب الاحمر الدولي» ثم الى صياغة القوانين الانسانية الدولية عبر التوصل الى اتفاقيات ومعاهدات خاصة بـ «القوانين» التي ينبغي احترامها اثناء الحروب. ان القسم الاول من هذا الكتاب مكرّس لدراسة السياق التاريخي والسياسي التي تمّت ضمن اطاره صياغة القوانين والمواثيق الدولية الخاصة بحماية حقوق المدنيين اثناء الحروب. وتبدأ الباحثة «كرمة نابلسي»، التي عملت في اطار نشاطات منظمة التحرير الفلسطينية ما بين عام 1978 و1990 في كل من بيروت ونيويورك وتونس ولندن، ومؤلفة كتاب «تقاليد الحرب: الاحتلال والمقاومة والقانون». انها تبحث في مساهمتها عن تطور مفاهيم المدنيين والمقاتلين بعد مئة عام من مؤتمر السلام في هاج. وهي تشير الى الدلالة الجديدة التي اكتساها مفهوم «المدنيين» بالقياس الى «المقاتلين» في السياق الدولي الحالي لاسيما وان «رجال القانون، الاعضاء في المنظمات الانسانية الدولية والوكالات الدولية وصانعي السياسة، بل والجمهور العريض اصبحوا جميعاً على قناعة تامة بمدى الحاح تأمين حماية غير المقاتلين» في زمن الحرب. لكن «المعايير» المطلوبة لمثل هذه الحماية لها «تاريخيتها» الطويلة و«المتغيرة» بحيث انها كانت باستمرار ذات صلة بـ «الايديولوجيات» وبـ «التكنولوجيات» التي تستجد خلال مسيرة التطور الانساني. ومن الثابت ان المفاهيم الخاصة بتحديد «المقاتلين» و«المدنيين» كانت قد برزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وخاصة من خلال اتفاقية جنيف لعام 1864 حول «سجناء ـ اسرى ـ الحرب» وايضاً من خلال «اعلان بطرسبورج» لعام 1868. وتؤكد الكاتبة بان العديد من المشاكل المتعلقة بحماية المدنيين اثناء الحرب انما ترتبط بمسألة «تطبيق» القوانين الدولية المختصة وبالموقف الايديولوجي للاطراف المعنية بها. كما ان مفهوم «الهيمنة» الذي تمارسه بعض القوى له آثاره ايضاً على صعيد «مرونة» و«تكييف» قوانين حماية المدنيين وتطبيق الاتفاقيات الدولية الخاصة بذلك. ويتحدث «جي لامب»، الباحث في «مركز فض النزاعات» التابع لجامعة «كيب تاون» في جنوب افريقيا، فإنه يدرس حالتي «ناميبيا» و«انجولا» في افريقيا من زاوية العوامل والدوافع البنيوية والتي كانت وراء استهداف المدنيين في النزاعات التي شهدها هذان البلدان. وفي مقدمة هذه العوامل الواقع الجغرافي الذي لعب دوراً مهماً في الكثير من التجرؤ على خرق جميع الحقوق في مناطق نائية مثل «كاسينجا» و«لوبانجو» في انجولا حين تم القيام بعمليات عنف وفظاعات اخرى في ظل غياب قوات الأمن. والعامل الثاني هو «غياب ثقافة حقوق الانسان مما شجع وجود سياق ملائم لممارسة كل اشكال خرق هذه الحقوق. وهناك عامل اخر هو عدم تعرض اولئك الذين خرقوا حدود الانسان لأي شكل من اشكال العقاب الا في حالات نادرة جدا. ويضيف الكاتب عاملاً آخراً يتمثل في الطبيعة النخبوية لحركتي «يونيتا». و«سوابو» في ناميبيا وانجولا اللتين كانتا تمثلان القوتين السياسيتين الرئيستين واللتين عرفتا صراعات كبيرة على الزعامة مع درجة عالية من الفساد البنيوي. هذه العوامل كلها دفعت نحو عدم احترام «قوانين الحرب». ويتم التركيز في القسم الثاني من هذا الكتاب على دراسة المعضلات التي تواجه المنظمات الدولية المهتمة بحماية حقوق الانسانية، وخاصة حماية المدنيين لاسيما عندما تكون النزاعات بين مجموعات مقاتلة وليست بين دول. هكذا تبحث «ماري جويل زاهار» الباحثة في جامعة تورنتو، في العلاقات بين «العسكريين والمدنيين» في الصراعات الدولية، وذلك من خلال ثلاثة نزاعات عرفت درجة عالية من العنف في لبنان والبوسنة والهرسك حيث سقط الكثير من المدنيين. وتحاول الكاتبة في نتيجة تحليلاتها ودراستها تحديد الخطوط العريضة لـ «نمطية عامة» في العلاقات بين المقاتلين والمدنيين في زمن الحروب.. وذلك على ضوء مختلف اتفاقيات جنيف بهذا الخصوص.. وتؤكد الكاتبة على أهمية العامل الاقتصادي في تحديد العلاقات المدنية ـ العسكرية «المقاتلين». لكن أهمية هذا العامل تختلف تبعاً «لبنية» المجموعات المعنية بها. وضمن الاطار نفسه يبحث «بيير جاسمان» الذي تولى مهمات عديدة في اطار نشاطات الصليب الاحمر الدولي في افريقيا واسيا واوروبا الوسطى وامريكا اللاتينية، في آليات محاولة «اقناع» المقاتلين في كولومبيا بضرورة الانصياع، الى هذه الدرجة وتلك، مع «المعايير الدولية» الخاصة بحماية المدنيين. وكانت هذه البلاد قد عرفت فورات متعاقبة من اشكال العنف السياسي وحيث كانت الدولة باستمرار موضوعاً للصراع بين الطبقات الحاكمة. كما ان المنظومة القضائية غير فاعلة فـ «90% من الجرائم المقترفة تبقى دون عقاب». والمؤسسات تفتقر بغالبيتها العظمى للمصداقية. لكن تضافرت كل المساعي مؤخراً من أجل تأمين الحد الأدنى من امكانية العيش بسلام. ومن اهم المداخلات التي يحتويها القسم الثالث من الكتاب الذي يبحث في سبل تعزيز احترام القوانين الانسانية الدولية الخاصة بحماية المدنيين، تلك المساهمة التي كتبها «نافانتيم بيلاي» التي كانت أول امرأة سوداء تحتل منصب قاض في جنوب افريقيا، وتتحدث فيها عن «العنف الجنسي اثناء النزاعات المسلحة» وهي تتعرض لموضوعها على ضوء التشريعات الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية حول مجازر رواندة.. وتقوم الكاتبة بعملية توصيف دقيقة لمفهوم «العنف الجنسي» في القانون الدولي. مساهمتا القسم الرابع والأخير من هذا الكتاب تمثلان نوعاً من اعادة النظر «اعادة التقييم» في مجال حماية المدنيين خلال فترات الحرب، المساهمة الاولى التي تحمل عنوان «نهاية البراءة: الحماية الانسانية في القرن الحادي والعشرين. كتبها «مكود برودرلاين» مدير برنامج السياسة الانسانية وابحاث الحرب في جامعة هارفارد. وكان قد عمل خلال سنوات 1990 ـ 1995 ضمن اطار الصليب الاحمر الدولي في الاراضي المحتلة ومنطقة الخليج. ويشير اولا الى ما اثبتته الاحداث القريبة في سيراليون والجمهورية الشيشانية وتيمور الشرقية وكوسوفو من «محدودية» الامكانيات التي تمتلكها المجموعة الدولية في ميدان تقديم اجابات مناسبة للازمات الانسانية الكبرى. بالمقابل يركز الكاتب على اهمية دور المجموعات والمنظمات غير الحكومية.. وعلى ضرورة «حماية البراءة» عبر تبني استراتيجيات جديدة لضمان تطبيق القوانين الانسانية الدولية وتجاور مختلف الصيغ التقليدية لتأمين حماية اكبر مستقبلاً. اما المساهمة الاخيرة في هذا الكتاب فإنها تحمل تساؤلاً يقول «من الفوضى الى الاتساق» ان مثل هذا التساؤل يحمل بطياته نوعاً من التفاؤل لاسيما عندما تليه الجملة التالية «نحو منظومة لحماية المدنيين اثناء الحرب». ويؤكد كاتب هذه المساهمة «شارل كاثر» احد مؤلفي كتاب «السلام في البوسنة» و«بروس جونز» الذي عمل في اطار تنسيق نشاطات الامم المتحدة في مجال الشئون الانسانية بإنه قد تم تحقيق تقدم كبير على صعيد ايجاد «معايير كونية» حول حماية المدنيين اثناء الحروب مع تطوير «شبكة فعلية» يمكنها ان تساهم فعلياً في تقديم اجابات «واقعية» على خرق حقوق المدنيين، على شاكلة الرد الاطلسي على صربيا «يوغسلافيا» اثناء حرب كوسوفو الاخيرة.