يلقي ايان ماكوين في حوار مع جون سترلاند، المحرر الثقافي بصحيفة «جارديان» الكندية الضوء على جوانب البحث والتاريخ في روايته الاخيرة «التوبة» بالاضافة الى تطرقه لعدد من الجوانب المتعلقة بالحياة الادبية العالمية اليوم . ـ الموضوعان اللذان استهل بهما لقائي هذا معك هما، اولا عما اذا كنت تود ان تحدثنا عن الرواية وثانيا عما اذا كانت لديك فكرة عن العلاقة بين الكتاب وما يمكن ان نسميه ـ ان جاز التعبير ـ الاحداث العالمية.؟ ـ اعتقد ان احداث 11 سبتمبر لم تكن عادية بمعنى الكلمة، وقد شعرنا جميعا بالصدمة تجاه ما حدث، وبالنسبة لي على وجه الخصوص كانت مفاجأة وفي تلك الاثناء كنت متزوجا من صحافية في جريدة «جارديان»وعندما طلبت مني ان اكتب شيئا للتعليق على ماحدث ترددت وكان ذلك قد منحني الفرصة للتفكير، فأنا لن اكتب رواية مثلا، والشي الوحيد الذي يدور ببالي هو الاستجابة لهذا التحدي، وبالفعل فقد جلست في اليوم نفسه لأكتب مثلما فعل عدد من الكتاب الاخرين ومثلهم ايضا كانت تعليقاتي مختصرة ومحددة ومستندة الى ما كنا نشاهده على شاشات التلفزيون، ومن ناحية فان من السهل على اي روائي ان يعثر على اللحظة التي يبدأ فيها بالكتابة، اللحظة الواقعة مابين نقطة الانصهار والتفكير والشعور ويبدو ان هذا الحدث كان قد حرص على التفكير فيما سيترتب عليه في القريب العاجل لقد كنا مأخوذين بالاحداث المتسارعة والعواطف المترتبة على حجم الكارثة. ـ مع احترامي لك لكنك لست معروفا ككاتب عاطفي؟ ـ دعني ارد على هذا الادعاء! اعتقد بأنني امضيت وقتا طويلا في التفكير والكتابة عن العواطف. ـ دفاعا عما تقول اقول لك بأن الكثيرين من الامريكيين كانوا قد تأثروا بما كتبته في «الجارديان» ومع ذلك فإن روايتك لا تحرك عواطف الكثيرين؟. ـ هذا لا يمكن ان يكون مقياسا حقيقيا. ـ سأبين لك هذا من زاوية اخرى، يقولون بأن الرواية وحدها القادرة على التعبير عن الواقع ومع ذلك فان الرواية التي تكتبها تكاد تكون عادية جدا ولاتهدف الا الى تسلية القاريء وامتاعه ومن جهة تعالج روايتك الاخيرة «التوبة» قضية كبرى «الحرب العالمية الثانية» التي لم تكن بحكم سنك قادرا على المشاركة في احداثها، اتساءل عما اذا كنت تعتقد بأن الرواية تبدو على هذا الدرجة من الاهمية وكلنا قرأنا الهجوم الذي شنته صحيفة «ايفننج ستاندر» على الرواية البريطانية ومقارنتها بالرواية الامريكية وكيف ان جائزة بوكر يجب ان تفتح ابوابها للكتاب الكبار من امثال الامريكي فيليب روك. ـ اعتقد بأن هناك اسباب تحول دون مشاركة الروائيين الامريكيين في جائزة بوكر واتصور ان روايات دوك الاربع الاخيرة كانت ستفوز كلها بالجائزة، رواية الوصمة الانسانية على وجه الخصوص اعتقد بأنها رواية مدهشة ومن ناحية لايوجد من الكتاب من تمكن مقارنته بروك ومع ذلك فأنا اتصور ان كل الاعمال الروائية لابد وان تكون هامة الى هذا الحد وكما تقول جين اوستن فإن اهمية اي عمل روائي لا يمكن ان تقاس بكمية ما تحتوي عليه من صخب. ـ هذه ليست مقولة اوستن انها مقولة شارلوت برونتي؟ ـ فعلا، لكن اوستن تعتقد بأن الرواية يمكنها ان تعبر عن الواقع من خلال بحثها في عدد قليل من العلاقات الانسانية في قرية صغيرة واتصور ان هنري جيمس يشير في كتابه فن الرواية الى ان العلاقة بين القاريء وبين الكاتب يتحكم فيها الموضوع وانه ما على القاريء سوى ان يحكم على معالجة الكاتب له. ـ روايتك «التوبة» عمل متميز ولكنني اتصور بأنها لا تذكرني بأوستن وانما بوالتر سكوت مؤلف رواية «ويفرلي» التي افتتح بها عهدا جديدا في تاريخ الرواية البريطانية مازال تأثيره موجودا الى اليوم وبالنسبة لسكوت فان الرواية التاريخية ما هي الا الماضي الذي كنا قد عايشناه، ما هي الا عمر الانسان وبالتالي فإن رواية «التوبة» يمكن تصنيفها على هذا النحو، لقد ولدت انا في الثلاثينيات وفي تلك المرحلة كانت الرواية شديدة الواقعية بالنسبة لي ليس بسبب وعيي للمرحلة وانما بسبب العلاقة التي كانت تربطني بها .. هذه هي الرواية التاريخية أليس كذلك؟ ـ نعم ولكنه التاريخ الذي يمكنه ان يبقى في ذهن كاتب واحد، امرأة واحدة، التاريخ الذي يبدأ في سنة 1935 وتكتب نهايته في سنة 1999 حجر الاساس لكل هذا البناء الدرامي، ان بعض التحرك الى الوراء الى سنة 1940 الى مستشفى سانت توماس واماكن اخرى كان في غاية الاهمية وأنا اقوم بعملية البحث عن الاشياء. لكن الاغرب هو ان احداث النصف الاول من الرواية تقع في منزل ريفي في سنة 1935 ولم يكن لدي ما أقوله عن تلك المرحلة وقد تصورت في حينها ان شخصية مثل بريوني تاليس (الراوية) يجب الا تنساق لتعيش في نفس الاجواء الحضارية التي نعيشها اليوم وبالطبع فإن هذه الجزئية من البناء الروائي كانت متخيلة اكثر منها تركيزا على ماهو موجود في الارشيف. ـ هل زرت المتحف الحربي؟ ـ اجل قمت بزيارته وبالمناسبة فهو مصدر معلومات في غاية الأهمية، لقد حصلت على الكثير من المعلومات من هذا المكان، من الكتب التي تحتوي على رسائل قديمة كتبها الجنود البريطانيون وتبدو من خلالها الحياة باعثة على الشعور بالمتعة الى مصادر خرافية مليئة بتفاصيل الحياة اليومية التي لا يمكنك ان تعثر عليها في كتب التاريخ. ـ واين عثرت على المعلومات التي تتعلق بالجانب العملي لمهنة التمريض كما كانوا يعرفونها في الاربعينيات وابان الحرب العالمية الثانية؟ ـ معظم الفتيات اللاتي كن يمارسن هذه المهنة كن يحملن مؤهلات علمية جيدة كما كن ينتمين في الاساس الى عائلات من الطبقة المتوسطة البرجوازية وكن يكتبن رسائلهن التي تحمل الكثير من الحنين الى الوطن اسبوعيا. ـ ولابد انك كنت تقرأ صحيفة «ديلي تلجراف» تقرأ لجان دالي؟ ـ أجل قرأت، ولكن في حدود تلك العلاقة التي تربطني بالمجتمع الانساني، اما علاقتي العاطفية بهذا فهي ان والدي كان من بين 320000 جندي كانوا موجودين في دنكيرك في طريقهم الى الشاطيء، والواقع انني لم اكن متأكدا من معلوماتي حول رتب الضباط في الجيش الى ان قرأت مذكرات هؤلاء الرجال الذين كانوا يمشون على اقدامهم لمدة يومين. ـ من المذهل ايضا ان يصف روائي حداثي ساعة الاحتضار الاخيرة هذا المشهد الذي لا تراه الا في الأدب الفكتوري الكلاسيكي القديم، كيف يتلاءم هذا المشهد الصعب مع الشكل الحداثي للرواية؟ ـ القصه الرئيسية، قصة الحب لا تتعلق بالراوية،بريوني، وانما بأختها وبرجل آخر لقد كنت اشعر بأن مالم يكن هناك نوع من الفوران العاطفي لديها فانه لن تتوفر لدي معلومات عن حياتها العاطفية. وهناك مشهد تقف خلاله على جسر وستمنستر فيمر ضابطان شابان ويخفق قلبهما في هذه اللحظة التي تشعر فيها بأن حياتها تضيع بين جدران المستشفى التي تعمل فيها تحت وطأة الروتين وشعورها بأنها تفتقد شيئا هاما في حياتها. وبالنسبة للمشهد العاطفي في البداية قلت لنفسي حسنا انا لم اقم بكتابة مثل هذا المشهد فهذا لا اكتبه الآن وبالطبع فهذه المشاهد هي الاصعب لاسيما وان من تتحدث عنها هي امرأة في السابعة والسبعين من عمرها، ان الكتابة عن مشاهد الحب تبدو لي اكثر صعوبة من الكتابة عن مشاهد الموت والاحتضار. ـ في المشهد الافتتاحي تبدو كما لو انها رواية يدور موضوعها حول الايذاء الجنسي الذي يتعرض له الاطفال، الا انها تبتعد بسرعة عن هذا المعنى، هل انت مغرم بهذا المشهد على وجه الخصوص؟ ـ انه مجرد مشهد محفز، فهناك شيئان اكثر اهمية من هذا المشهد، احد هذين الشيئين يتعلق ببريوني التي كانت في الثالثة عشرة من عمرها في ذلك الوقت التي تراه فتسيء فهمه وهذه كما اراها بداية التعامل مع الاشياء في حياتنا اليومية والآخر له علاقة قوية بجين اوستن، فبطلة اوستن في رواية نورثانجر آبي فتاة شابة مهووسة بالروايات القوطية وتقع في الخطأ نفسه عندما تسيء فهم احد المواقف المشابهة بالاضافة الى ان انغماس بريوني في متابعة انماط ادبية مشابهة هو احد الاسباب التي تقودها الى سوء الفهم. كما انها تريد للاشياء ان تتطابق مع التصورات الموجودة في ذهنها، الرواية لا تتحدث عن القصة التي قامت بكتابتها وانما عن القصة التي تزمع كتابتها دون ان تعرف انها ستمضي حياتها كلها في كتابتها وان هذه القصة ستكون بمثابة التوبة ومع ذلك فهي تفعل ما نفعله كلنا بشكل او بآخر، كما انني كنت مستمتعا بهذه الفكرة في اثناء كتابتي رواية «الحب الخالد» والواقع اننا نؤمن بما نراه واذا كنت تفكر بطريقة معينة فلابد وان ترى الاشياء وفق الطريقة التي تفكر بها، اما بريوني فقد اتخذت قرارا بأن هذا الرجل وليس غيره هو الذي ارتكب تلك الجريمة وبالتالي فهو ليس الجريمة في حد ذاتها وانما كيف تم فهمها من خلالها وولعها بالادب وطموحها المتأجج بأن تصبح كاتبة. ـ هل اطلعت على ادب مرحلة الحرب العالمية الثانية والاولى بالطبع؟ ـ اليزابيث بوين وروزاموند ليمان وفرجينيا ولف كتبوا في هذه المرحلة. ـ تحدثت عن فيليب روث وعما اذا كانت الرواية البريطانية ستنجب كاتبا في حجمي. فهل تعتقد بأن ما تعاني منه الرواية البريطانية من مشكلات تعود الى اسباب فنية تتعلق باللغة او لاسباب اخرى تتعلق بالنشر؟ ـ لا يوجد لدي ما اقوله عن النشر فأنا لا اعرف عنه شيئا، ولكنني عندما بدأت الكتابة في اوائل السعبينيات اصابتني الصدمة من المستوى الذي ظهر عليه طموح الكتاب الامريكيين من امثال وليام برف ونورمان ميللر وجون ابدايك وروث وكنت اعتقد ان ذلك ربما كان يعود الى طبيعة المجتمع الامريكي التي تميل الى التحرر من القيود والتي اتاحت لكاتب مثل شاؤول بيلو ثان يكتب للناس العاديين ويكون مثقفا شجويا جريئا في الوقت ذاته. وثمة ما يمكنني قوله عن الرواية البريطانية وعن الكتابة في بريطانيا شيء يتعلق بالتركيبة الاجتماعية وبنظامنا التعليمي وبعدم قدرتنا على التعبير عن مجتمع بأكمله. الكتابة في هذا البلد اصبحت اكثر فجاجة واصبحت تعاني من الفوضى التي ولدتها الدماء الجديدة الوافدة الينا بلغتها الانجليزية ومع ذلك فأنا أشعر بأن من الصعب بمكان على الروائي البريطاني ان يجمع بين كونه مثقفا نخبويا وكونه كاتبا يخاطب الناس العاديين اعتقد بأن للطبقية والتركيبة الاجتماعية دورا هاما في ذلك. مريم جمعة فرج