مساء الخميس الماضي رحل المفكر الفرنسي وعالم الاجتماع المعروف بيير بورديو عن عمر يناهز الـ 71 عاماً اثر معاناة طويلة مع مرض السرطان. نقلت الخبر على صفحتها الاولى جريدة الليبراسيون الفرنسية، احدى اكبر الصحف واكثرها توزيعاً حيث نشرت عنواناً عريضاً عن رحيل بورديو الى جانب صورة كبيرة له ساردة خبر الرحيل مشيرة الى صفحات داخلية اخرى في ملف عن رجل رفض العولمة من موقعه كمثقف اصيل، كما رفض الانسياق وراء ما هو مجاني ومبتذل وبقي مع العاملين في خنادق النضال ضد طغيان الاخر وتسيده وفرض ثقافته وسلوكاته على البشر. بيير بورديو لم يكن مفكراً عادياً، انه من ذلك الجيل الذي انخرط بكليته في التحليل والتنقيب متخذاً من علم الاجتماع طريقاً ليضيء فيه شمعته، فهو من جيل جاك دريدا اخر حاملي البنادق دفاعاً عن الخصوصية والهوية الفردية للانسان، وقد كان بورديو واحداً ممن تخطت مبيعات كتبهم مئات الاف من النسخ، حيث بيع من كتابه «بؤس العالم» 150 الف نسخة ومن كتابه «وسائل الاعلام» 130 الف نسخة ومن «مسائل في علم الاجتماع» بيع 120 الف نسخة، ولا تزال كتبه الاكثر مبيعاً منذ سنوات ليس في فرنسا وحدها بل ينسحب الامر على جميع اللغات التي ترجم اليها. لقد تساوت اهمية بورديو في بلده الى تلك الدرجة التي يوصف بها الفقدان بـ «خسارة وطنية» حيث نعاه الرئيس جاك شيراك قائلاً: لقد كان مفكراً مناضلاً، ومناضلاً في ميدان الفكر. كما نعاه ليونيل جوسبان رئيس الوزراء مشيراً الى ان بورديو هو احد المثقفين الاكثر موهبة والاكثر اعترافاً في عصرنا الحاضر. كما تألم لرحيله سياسيون ومفكرون فرنسيون وعالميون ونقلت الليبراسيون كثيراً من الاقوال والشهادات عن رجل استحق كل هذا الاحترام وهذا التقدير. وكنا في «بيان الكتب» قد عرضنا اكثر من كتاب لبورديو محاولين تقريب المسافة بين عالم كبير وبين قاريء يبحث عما هو متميز من الكتب ولعل كتابه بؤس العالم الذي ترجم الى العربية مؤخراً هو مفتاح لفهم طريقته في التفكير واسلوبه في التحليل ولعله ايضاً كان مفتاحاً ليطلق عليه في الاوساط الثقافية لقب «فيلسوف بؤس العالم». نعم ان العالم يصاب بالبؤس عندما يرحل احد كبار مفكريه.