إذا كانت الذاكرة هي تذكر الحياة وإحياؤها، فإن النسيان يحول الذكريات، ويجعلها تفقد شكلها الذي حدثت فيه بالفعل، وعليه يأتي التذكر كشرط لإعادة بناء الحياة. وفي هذا السياق يقدم فيصل دراج في كتابه «ذاكرة المغلوبين» سلسلة دراسات في الذاكرة الثقافية الفلسطينية، ليقتفي أثر الوطن في أحواله المهددة، من خلال رصد ما استعصى على النسيان من الأسماء، ومستقياً ما أمكن من الوقائع الفلسطينية كما جاءت على أقلام المثقفين، مع علمه أن الأسماء تتفارق في احتضانها للذاكرة، وفي احتضان الذاكرة الوطنية لها. وعلى الرغم من أن الذاكرة توحي بكل ما فارق الحاضر وارتحل، لكنها تبدو في الحالة الفلسطينية رحماً دافئاً وجليلاً، أو بيتاً قديماً من بيوت القرى الفلسطينية التي حفرت عميقاً في الذاكرة، ولم يمح صورها العدوان الصهيوني المتواصل ولا التشرد واللجوء. وعليه فإن الذاكرة الوطنية الفلسطينية تمتدّ منذ بدء الصراع الفلسطيني - الصهيوني إلى زمن لا يزال مفتوحاً على المستقبل. وذاكرة كهذه، نشأت في الصراع، فحفر فيها، وحضرت فيه، وشهدت عليه، فهي بالتالي ذاكرة تاريخية، مما خلقها محاصرة وطليقة، مشخصة ومتغيرة بتغير أثار الصراع، ويمتدّ عمرها إلى أبعد من عمر الاعتداء الصهيوني على فلسطين. ويتناول دراج كتابات عدد من المثقفين الفلسطينيين، تلك التي كتبوها في المراحل المختلفة للصراع مع الصهيونية، وحضرت فيها صورة فلسطين التي تنتمي إلى زمن وتقاتل زمناً آخر، وصورة الصهيونية التي تتحصن بالأساطير التوراتية وبآخر المدافع الاستعمارية. فيقدم إضاءة أولى للمثقف الفلسطيني وقراءة الصهيونية، من خلال القراءة التي قدمها المثقفون الرواد روحي الخالدي، وخليل السكاكيني، ونجيب نصار، حيث يرى أن القراءة الوطنية الفلسطينية للمشروع الصهيوني تميزت بسمات ثلاث: فهي صادرة، أولاً، عن نخبة مثقفة متعددة الميول، ينتمي فيها الأديب - الدبلوماسي روحي الخالدي (1913-1864 )، والمحامي - الصحفي نجيب نصار (1948-1865)، والمربي اللغوي خليل السكاكيني (1953-1878 )، والمؤرخ - الموظف محمد عزة دروزة (1948-1888 )، والأديب الصحفي المناضل غسان كنفاني ) (1972-1936. وهي ثانياً تتعين بارتباك فكري، من حيث أنها أخذت بأدوات تحليل غير متجانسة، مما جعلها تعجز نسبياً عن تحديد الزمن التاريخي للصهيونية، وعن وعي الصهيونية في علاقاتها كلها. أما السمة الثالثة فتجيء من ألوية الممارسة الوطنية على التحليل النظري. ويتناول دراج الهزيمة والصهيونية في الخطاب الثقافي الفلسطيني في قسمين رئيسيين، يركز في أولهما على الخطاب الأدبي في أعمال كل من جبرا إبراهيم جبرا، وغسان كنفاني، وإميل حبيبي، ومعين بسيسو. وفي ثانيهما يركز على الخطاب الفكري في أعمال إسحاق موسى الحسيني، ومحمد عزة دروزة، وخليل السكاكيني، ونجيب نصّار، وروحي الخالدي. ويبدأ القسم الأدبي، من خلال تلمس صورة الفلسطيني الذي لا يهزم في الثقافة الرسولية كما تجلت في أعمال جبرا إبراهيم جبرا، خصوصاً في رواياته: البئر الأولى، وصيادون في شارع ضيق، وصراخ في ليل طويل، والسفينة، والبحث عن وليد مسعود. وفيها يبدأ جبرا بفلسطين، ويستولد منها الفلسطيني الذي يشاء، ثم يصوغ فلسطينيّه بمقولات الجمال الخالد والمتعالي، مما ينشأ عن هذا تنقلاً غامضاً، يصل بين الفلسطيني والسماء وبين الفلسطيني والإله، وتنتقل بناء عليه فلسطين من صفحات التاريخ والجغرافيا إلى صفحات اللاهوت والميتافيزيقا. لكن غسان كنفاني قدم في نصه صورة الفلسطيني المقاتل وفتنة المنتصر، رغم الوجوه المتعددة لنص كنفاني، فهو النص التحريضي الذي يستنهض المغلوب للوقوف من جديد، وهو النص الوطني المشدود على الدوام إلى فلسطين الضائعة، وهو نص المهزوم الحائر الباحث عن نصر يصل ولا يصل، وهو القول الباحث الوعي السياسي الجديد. ويلاحظ دراج أن كنفاني الذي جاء مشدوداً إلى أزمة السؤال، أخذ في طور من وعيه بأشياء من الوعي التقليدي، فجعل اليهودي معلقاً في فضاء الشر، واستراح إلى عودة وشيكة، لكنه كان مشدوداً إلى معنى الإنسان وإلى وجود بدا ناقصاً. وأخذ وهو مسكون بالقلق يكتب ويمحي ما يكتب، باحثاً عن بندقية غامضة، دعاها في إحدى قصصه بـ العروس، ثم دفعه القلق إلى مساواة الوطن بالإرادة المتمردة في مسرحيته الباب، ودفعه كذلك في ما تبقى لكم إلى نص يحتفي بالموت إلى حدود الغناء وهو ينشد التحريض والدعوة إلى الحياة. إذا سعى كنفاني في كتاباته إلى هدف قلق، يحتضن الذاكرة والهوية معاً، لكن ذاكرة المهزوم شرطاً للهوية ومتكأ لها، وتحققها يحتاج إلى ما هو أكثر من ذاكرة. وقد كتب كنفاني عن زيتون فلسطين المزهر في كل الفصول، وعن الفلاح الطاهر الذي يمشي فوق الجمر، وعن اليهودي الذي يحرق القلوب والبيوت ويلطم طفلاً احتمى بظل أمه، وكتب عن أشياء كثيرة في الذاكرة الفلسطينية، لكن دراج يقول: لا يستمر التاريخ السقيم حين يكون حاضراً في الذاكرة، وقد أخذ غسان بهذا القول، من دون أن ينسى التاريخ المعافى الذي كان، والذي طغى عليه التاريخ السقيم وهزمه. لكن ما قال به غسان أفكار كثيرة، سواء في الذاكرة التي تشكلت أو في تلك التي تقف على أبواب التشكل. لكن الذاكرة الفلسطينية ليست واحدة، بل متعددة ومتلونة، وتتنوع ألوان الذاكرة الفلسطينية حين تتجاور فيها ذاكرة المهزوم وفتنة النصر عند كنفاني مع ذاكرة المخذول وكتابة اليأس عند إميل حبيبي، ففيما عاش كنفاني تجربة الشتات والمنفى، عاش حبيبي تجربة وطن ينطفئ أمام عينيه. وأخذ حبيبي باستراتيجية الحكاية حاملاً لأعماله الأدبية، ويعزو ذلك دراج إلى تشبع حبيبي بالثقافة التقليدية العربية ومهنته الصحفية التي تستدعي المقالة، وتتجسد هذه الاستراتيجية في سداسية الأيام الستة والمتشائل، لكن الحكاية لديه تتكسر لتتكشف فيها السيرة الذاتية الذي يعبر عن فردية واضحة بالمعنى الروائي. وتعلن السيرة الذاتية للإنسان المقهور عن ذاكرة لا تقبل الانطفاء، لذا فقد تضمنت السيرة الذاتية التي كتبها حبيبي كل ما يرد إلى الذاكرة ومشتقاتها ونقائضها وأطوارها المحتملة، فهي تتحدث عن النسيان والتناسي والمنسي والتذكر والاستذكار والماضي والتماس اليقين. وعليه تعبّر السيرة الذاتية عن ما يسميه دراج أدب الهوية وتحرر المنظور، حيث تعيد السيرة الذاتية تعريف الهوية لذات مضطهدة وتدافع عنها، وهو ما جسده حبيبي في جلّ كتاباته. أما شعرياً فيستقرأ دراج فلسطين في الوعي الإيماني «الإيديولوجي» في حالة الشاعر معين بسيسو، الشاعر الذي عاش تجربة الشعر في ثنائية لا تنتهي، حيث كتب الشاعر القصيدة، وتحدث عن الشعر أكثر، عاش أيضاً شيوعية قشيبة، كان فيها شيوعياً يغني لكل النجوم الحمراء في العالم. وقد اشتق بسيسو، كغيره، فلسطين من المنفى، كما تقول معظم قصائده، والمنفي يترك لمنفاه صياغة صورة الوطن من جديد، ليعود أكثر جمالاً مما كان. ومع الزمن يستحيل المنفى لدى المنفي إلها جديداً يعيد صياغة وتكوين ما خلقه الإله الأول ويزيده بهاء. ويلاحق دراج صورة فلسطين في الأعمال الشعرية الكاملة لبسيسو وفي الأعمال المسرحية وكتبه النثرية، فيكشف عن صورة فلسطين فردوساً والفلسطيني حارساً للجنة، في قصيدة شفافة، تصفق للإنسان الذي لا يهزم، وتنشد التاريخ الذي يعرف مصبه المرغوب، وعليه يتعين التاريخ في تصور إطلاقي، الذي يعين بدوره معنى القصيدة، فالتاريخ يختصر إلى حكاية سعيدة، والقصيدة التي تروي التاريخ هي بدورها حكاية أخرى، وتتوالد فلسطين في الحكايا - القصائد، حيث يختصر الفضاء الشعري إلى حيز لغوي - حكائي، ليتساوى فيها لهب القصيدة وحماسها بلهب الإيمان بالانتصار. أما في القسم الفكري، فإن دراج يستقرأ فيه هامش فلسطين في عالم الأكاديمي السعيد، كما جسده إسحاق موسى الحسيني، ليجترح مقولة المتعلم التي أنتجها زمن السيطرة الاستعمارية، ويردّها إلى الإدارة من حيث أنها تعيّن المعرفة ملكية خاصة ومستوى اجتماعياً ، وفي الوقت نفسه اختصاصاً ضيقاً ينحصر مرجعه فيه ولا ينفتح على ما هو خارجه. هذا المفهوم يسوقه دراج على حالة الحسيني، متلمساً مركباته في كتبه: مذكرات دجاجة والأخوان المسلمين وأزمة الفكر العربي وقضايا عربية معاصرة، ويرفع فيها الحسيني راية الاختصاص وينشرها فوق الحقول جميعاً، فعلم اللغة اختصاص لا يرد إلى السياسة، والكتابة اختصاص يستدعي المعرفة ولا يتطلب موقفاً سياسياً، والوعي العربي اختصاص يحسنه من يحسن سبر آماد العروبة. وفي ذلك كله تسيطر فلسفة الاختصاص الأكاديمي على المتعلم الذي يرى في المراتب الاجتماعية ضرورة مطلقة، وفي الظواهر الاجتماعية علاقات منفصلة، ليؤثر العيش الانكفاء على ذاته وتأمل العالم في زمن مضطرب ومتجدد الاضطراب كالزمن الفلسطيني. ومن جانب التاريخ يكتب محمد عزت دروزة في مذكراته عن فلسطين المنتصرة في الأصل المنتصر، محولاً الوقائع إلى كلمات والأفكار إلى سطور والقضايا إلى كتب، لكن التراجيديا الفلسطينية كما يلاحظ دراج خلقت زعامات لا تعرف معنى التاريخ، وآلهة استعمارية أوربية معجزاتها البارود والمدافع والوعود الكاذبة، فالقوة تعطي لصاحبها حق الكذب بلا رقيب، وتملي على الضعيف أن يرى في الكذب صواباً. وكان على المؤرخ دروزة، الذي حلم بفلسطين منتصرة؛ أن يجيب على سؤال كئيب: كيف يكتب المهزوم هزيمته؟. لقد أنتج الصراع في فلسطين حدثاً تاريخياً أفضى في الخطاب النظري التاريخي إلى تجسد المشروع الصهيوني في وطن قومي وصار الصهاينة يعيشون داخل التاريخ، فيما فقد الفلسطينيون أرضهم، وهم بذلك يقفون خارج التاريخ. عمر كوش