«كلب اندلسي» مع سلفادور دالي، كان أول افلامه عام 1929، ولن نعدد افلامه التسجيلية والروائية الثلاثين، بل.. سنذكر منها الذي ما يزال في الذاكرة السينمائية والانسانية: «المنسيون» ـ 1950، جائزة افضل إخراج ـ مهرجان كان، «صعود الى السماء ـ 1952» افضل فيلم طليعي ـ مهرجان كان، «روبنسون كروزو ـ 1952»، «نازارين ـ 1958» الجائزة الكبرى بمهرجان كان عام 1959، «فيريديانا ـ 1961» السعفة الذهبية لمهرجان كان، «سمعان العمودي ـ 1965»، «سحر البرجوازية الخفي ـ 1972» اوسكار افضل فيلم اجنبي لنفس العام، واخر افلامه «هذا الشيء الغامض للرغبة ـ 1977». بونويل.. مهندس الأحلام في اولى مقالات هذا الكتاب، يكتب براين بابكسياك: «اشتهر بونويل كصانع افلام غزير الانتاج، واضعا اسمه بجانب ايزنشتاين ـ شابلن ـ فيلليني، وكانت السخرية اللاذعة والصور السريالية هي وسيلته في تعرية قيم المجتمع ومؤسساته التي اعتادها الناس». ويرى بعض النقاد ان بونويل هو «هيتشكوك السريالية» حيث كان يرى في السريالية حركة ثورية وشعورية وأخلاقية من مزايانا ـ يكتب بونويل عن السرياليين ـ اننا رفعنا من شأن العاطفة والتصوف والسخرية السوداء ونداء العدم. لكن المتابع لافلام بونويل سيرى فيها «حساسية غير عقلانية» متأتية من معالجته الخاصة للصور والمونتاج والصوت، مما يمنح افلامه خصائص الحلم، حيث كانت اكثر صوره ـ تكثيفا هي التي تثير اما الضحك أو الغموض، وقد رأى بونويل في الغموض عنصرا اساسيا في أي فن، حيث الكون كله شيء غامض. سيناريوهات مشتركة في تسعة سيناريوهات مع بونويل، يتاح لجان كلود كاريير ان يعرف الرجل عن قرب: «لا يعلق بونويل على أي من أفلامه، ولا يتحدث عن شبابه او علاقاته العاطفية، وفور ان ينتهي من فيلمه، يسلمه للمنتج ويعود للاعتكاف في منزله بالمكسيك، ممتنعا عن حضور العرض الأول، او الاشتراك في أية دعاية له، حيث يتمكن صحفيون قلائل من انتزاع بضع كلمات منه، فقد كان يرى انه تجب مشاهدة الافلام في ذاتها دون طرح اسئلة سطحية على صناعها». يروي بونويل دائما هذه الحكاية: «ثمة نحات أخذ يعمل في كتلة من الصخر، ويراقبه طفل حتى يظهر شكل حصان منحوت، عندها يسأل الطفل: ـ كيف علمت بوجود حصان في هذه الصخرة؟! هل كانت يد تلك المرأة ترفو جرح العين بعد خمسين عاما على طعنة الشفرة المزمنة لها؟ أنا ـ والكلب ـ والسريالية في الكتاب الذي أعده القاص والسيناريست السوري محمود عبدالواحد، عن «لويس بونويل» ضمن سلسلة الفن السابع من منشورات وزارة الثقافة السورية، يفرد المعد فصلا من مذكرات بونويل يسرد فيه بونويل علاقته بالسريالية مناخا وأشخاصا واعمالا ابداعية.. وهو فصل ممتع وطويل، اقتطف منه ملابسات عرض فيلم كلب اندلسي كما رواها بونويل: «جرى تنظيم ذلك العرض الأول بحضور نخبة باريس الارستقراطية، وكتاب ورسامين شهيرين: بيكاسو ـ لوكور ـ بوزييه ـ كوكتو ـ كريستان بيرار ـ جورج اوريك» وبالطبع مجموعة السرياليين بكاملها: ماكس ارنست ـ بريتون ـ ايلوار ـ اراجون ـ تريستان تسارا ـ رينيه شار ـ بير اونيك ـ هانز آرب واخرون. وكنت قد وضعت بعض الحجارة في جيبي لاقذف بها الجمهور لو فشل الفيلم، مما كاد ينتهي حتى سمعت دوي التصفيق، وفي العروض الجماهيرية للفيلم، وصلت الى البوليس اربعون او خمسون شكوى من اشخاص يطلبون فيها منع هذا الفيلم القذر والقاسي، ثم بدأت سلسلة من الشتائم والتهديدات لم تنقطع حتى شيخوختي.. كان من جملة ما حصل اثناء العروض: اجهاضان، لكن الفيلم لم يمنع، وكان يمكن لي الحصول على أي انتاج لافلام تجارية، لكني اردت ان اظل سيرياليا مهما كلف الامر.. وفي الفيلم الثاني «العصر الذهبي» الذي كان بالنسبة لي فيلما عن حب مجنون، عن قوة دفع لا تقاوم، بين رجل وامرأة لا يمكن لهما ان يلتقيا على الاطلاق، وحين جرى عرض الفيلم، استقبل بهجوم الصحافة اليمينية عليه، ثم قام اعضاء في تنظيمات يمينية متطرفة بمهاجمة صالة السينما، محطمين أيضا لوحات المعرض السيريالي، المقام في الرواق، كما القوا بالمتفجرات على الشاشة وكسروا المقاعد، بعد ذلك باسبوع قام مدير البوليس بمنع الفيلم، وهو منع استمر خمسين عاما، حتى عاد عرضه الى باريس مرة اخرى عام 1981. ضحك بونويل ويأسه يلتقط ف. سيلوناس في مقالته، من بين كل المقالات، جوهر تأثر بونويل بالهزات التي اصابت العالم في القرن العشرين، ففي فيلم «الحمى وصلت الى ايل باور» يرينا بونويل جزيرة استوائية رائعة وقد تحول قسم منها الى معسكر اعتقال. وفي فيلمه «تريستانا» نرى مشاهد مروعة عن التنكيل بالمتظاهرين، وفي «سحر البرجوازية الخفي» نرى كيف يتفنن الشرطي في تعذيب الموقوفين، وهو بذلك لا يكتفي بتوثيق اشكال العنف، بل يبدو فنه تعبيراً عن جوع عارم لازالة الظلم، حيث يخوض بونويل جدالا لا ينتهي مع ذاته: هل يمكن الرد على العنف بشيء آخر غير العنف؟ هل يتحول التوق الى الحرية ـ فانتازيا الحرية ـ الى واقع حي للممارسة الفعلية، ام انه ليس سوى حلم عابث وشبحي؟! اما افلام بونويل الاخيرة ـ سحر البرجوازية الخفي ـ شبح الحرية فتذكرنا بالعاب كرنفال من نوع خاص، حيث يرفض المخرج عن وعي الاشتراك فيه، في الوقت الذي يجهل بقية المشاركين فيه انهم جزء من هذا الكرنفال. لقد عم الوباء ـ حسبما يؤكد بونويل ـ حتى النظام البورجوازي، اذ يمكن ان يظهر فيه ـ فاشيون عاديون ـ من مثل ذلك الشرطي المولع بشتى فنون التعذيب، حتى ان «المساعد الدموي» في فيلم «سحر البرجوازية الخفي» هو انسان محبوب لدى زملائه، رغم انه قد حطم جهودهم لاجتذاب حب الشعب! ان لا طبيعية ما هو طبيعي ـ كما في لوحات غويا ـ يصير عند بونويل ضحكاً متجاوراَ مع الشؤم، اذ نرى في مقدمة وخاتمة فيلم «شبح الحرية» دبابات تخرج الى الشارع بحثاً عن الثعالب، ونسمع هتافاً مدوياً يردد: ـ فلتحيا الاصفاد وهو الشعار الذي هتفت به الجماهير الاسبانية بعد ان طردت نابليون عن اراضيها، مرحبة بعودة طاغيتها الاكبر فرديناند السابع نجم الدين سمان