جان هارولد برونفاند، مؤلف هذا الكتاب هو استاذ فخري في جامعة «يوتا» بالولايات المتحدة الامريكية. وهو مؤلف العديد من الكتب من بينها «موسوعة الفلكلور الامريكي» و«دراسات حول الفلكلور الامريكي» و«الطفل المكسيكي المدلل» و«الحقيقة لا تقف ابدا في طريق القصة الجيدة».. الخ. هذا كتاب يجد مكانه في رأس قائمة الكتب الأكثر انتشاراً في الولايات المتحدة الامريكية لعام 2001 بعد ان اعيدت طباعته وأعيد النظر فيه. ان مؤلفه جمع على مدى صفحاته الخمسمئة تقريباً كماً كبيراً من الحكايات الطريفة التي سمع بها او أرسلها له بعض اولئك الذين قرأوا له بعض اعماله المماثلة التي كان قد نشرها منذ مطلع عقد الثمانينيات. وكما يقول المؤلف نفسه فان هذه الحكايات تتسم بغرابة شديدة حيث ان «حبكتها» تجعلها في بعض الاحيان غير قابلة للتصديق. ولذلك فهو يشير الى ان عدداً منها تروي احداثاً حقيقية جرت بالفعل في حين ان ما تبقّى هو محض خيال بحيث انه يندرج في اطار «الحواديت» الفلكلورية. واذا لم يكن هناك من يعرف بدقة كيف بدأت الحكايات المعنية او آليات تشكلها فإن الجميع يتفقون ـ وبمن فيهم مؤلف هذا الكتاب ـ بان الحكاية تبدأ ثم يضاف لها بعض التفاصيل عبر تناقلها كي تصبح أكثر اثارة. يقوم مؤلف هذا الكتاب بجمع «حكاياته» في 21 فصلاً ثمّ توزيعها تبعاً لطبيعتها حيث يتعلق بعضها بـ «الطبيعة الانسانية» والاخر بـ «الفكر الاجرامي» وثالث بـ «التكنولوجيا» او بـ «عالم رجال الاعمال» او «عالم الاعمال اليومية» او بـ «جنون العظمة».. الخ. تنضوي «حكايات» الفصل الاولى تحت عنوان «القفز الى النتائج» وحيث يبدو ان الناس قد يكونون مأخوذين بالميل لـ «القفز الى النتائج» دون اي تفكير وحتى لو كانت النتائج التي يتوصلون اليها بعيدة تماماً عن التصديق. ولعلّ افضل ما يمكن ان «يقدم» محتوى هذا الكتاب هو تقديم نماذج من «حكاياته». وتحت عنوان «معجزة في لورد» يروي المؤلف بان سيدة ايرلندية سافرت الى مدينة «لورد» بفرنسا.. حيث يوجد ضريح للعذراء اذ يقال بان له قدرة كبيرة في شفاء الامراض المستعصية. وبسبب الاجهاد الذي اصاب المرأة الايرلندية من الوقوف طويلاً جلست في كرسي متحرك «للمقعدين» تصادف وجوده بالقرب منها. وعندما اقترب احد القساوسة لمباركتها هبّت واقفة لاستقباله. لكن ما ان فعلت ذلك حتى صاح الجميع وهللوا «للمعجزة» التي حدثت وجعلت امرأة مقعدة ـ بنظرهم ـ تهب واقفة بعد ان باركها القسيس. ومع اندفاع الناس نحوها سقطت على الارض وكسرت رجلها بحيث عادت الى ايرلندة برجل مكسورة. وقصة اخرى تحمل عنوان «الكاديلاك الاسمنتية» حيث يروي المؤلف حكاية سائق لوري لنقل الاسمنت المعد للاستعمال والذي رأى اثناء مروره في الشارع الذي يقطن فيه سيارة كاديلاك مكشوفة امام منزله ورأى زوجته بالداخل تتحدث مع رجل.. تبادر الى ذهنه مباشرة ان زوجته تخونه فما كان منه الا ان افرغ شحنة الاسمنت السائل داخل سيارة الكاديلاك.. لكنه صعق عندما عرف فيما بعد بان تلك السيارة كانت هدية زوجته له في عيد ميلاده. ان المؤلف وفي سياق تحليله لانتشار هذه القصة يؤكد تواجدها في اماكن كثيرة من الولايات المتحدة منذ عقد الاربعينيات وان كانت تتغير بعض التفاصيل الخاصة بـ «ماركة» السيارة او ربح الزوجة لها باحد العاب الحظ «اللوتو» او ان «اللوري» كان يحمل نفايات وليس اسمنتاً. ان مؤلف هذا الكتاب لا يقوم بمجرد تقديم مجموعة من الحكايات بقصد «التسلية» و«الترفيه» عن القاريء، ولكنه يحاول تحديد السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي شاهد ظهورها ثم يدرس آليات انتشارها.. وذلك في محاولة لدراسته الذهنية التي تأسست عليها.. انه يقوم في الواقع بنوع من الدراسة الشبيهة بما كان عالم الاثنولوجيا ومؤسس البنيوية قد فعله عند دراسته للاسطورة لدى القبائل البدائية في بلاد مثل البرازيل. هكذا تبدو بعض الحكايات مرتبطة بمناسبات محددة مثل الاحتفالات باعياد رأس السنة مثل قصة تلك السيدة الامريكية التي سرقت كيساً معتقدة بانه يحتوي على هدايا رأس السنة بينما لم يكن فيه في الواقع سوى «قطة ميتة» ويحدد المؤلف بان هذه الحكاية ترجع الى عام 1906 وانها تظهر من حين لآخر في اعياد رأس السنة وان لها اصداء متفرقة في الولايات المتحدة. وهناك حكايات تشترك فيها عدة شعوب وأمم.. مثل قصة تلك الاسرة الامريكية التي سافرت بعربة صغيرة الى اسبانيا. وخلال الرحلة وافت المنية الجدّة التي كانت تجلس في المقعد الخلفي للسيارة مع احفادها الذين اصيبوا بالهلع من وجود جثمان الجدّة بينهم. وخلال البحث عن هاتف للاتصال بالسفارة الامريكية قرر الأب وضع الجدّة داخل قطعة قماشية كبيرة وتثبيتها فوق ظهر السيارة. وعند الوصول الى محطة وقود ترك الجميع السيارة للاتصال بالهاتف تاركين مفاتيحها بها. وعندما عادوا لم يجدوا عربتهم التي تمت سرقتها وجثمان الجدّة فوق سقفها. ويقول المؤلف ان القصة نفسها معروفة في المانيا وابطالها المانيون من فرانكفورت ذهبوا ايضا الى اسبانيا.. وهي معروفة أيضاً الى اسبانيا.. وهي معروفة ايضاً، مع بعض التعديل في تفاصيلها، بدول شمال اوروبا الاسكندنافية.. ويميل المؤلف الى الاعتقاد بان هذه الحكاية تجد جذورها في اوروبا. وتحديداً خلال الحرب العالمية الثانية. ومن نماذج الحكايات التي يسوقها المؤلف تحت عنوان «صدق او لا تصدق» يروى قصة اعلان عن بيع سيارة مرسيدس فخمة مقابل 750 دولار امريكي فقط. ورغم عدم تصديق قارئي الاعلانات وثقتهم بان في الأمر «خطأ مطبعي» ما، الا ان احدهم قام بالاتصال برقم الهاتف للتأكد من السعر فأجابته المتحدثة بالتأكيد على صحة ما قرأه في الاعلان.. وبعد اتمام الصفقة ودفع الثمن لم يستطع الشاري ان يمنع نفسه من سؤال البائعة عن سر هذا السعر، وكان جوابها انها قد تزوجت منذ خمس سنوات الرجل المثالي بنظرها لكنه وقع بعد ذلك في غرام جارة لها وهرب معها. ومنذ اسبوع اتصل بها مرة اخرى ليعتذر لها عمّا فعله وطلب منها خدمة اخيرة هي ان تقوم ببيع سيارة المرسيدس وارسال نصف ثمنها له. ويشير المؤلف هنا الى ان هذه الحكاية متداولة في انحاء عديدة من الولايات المتحدة وفي بريطانيا ايضاً، اما الاختلاف الوحيد فهو في «ماركة» السيارة حيث تصبح احياناً كاديلاك او فولفو او رولز رويس. وفي اطار «باب الانتقام» يروي المؤلف قصة امرأة ثرية عجوز امضت وقتاً طويلاً في موقع قريب من احد المراكز التجارية الكبرى بحثاً عن موقف لسيارتها الفخمة.. وفي الوقت الذي كانت تتأهب فيه لتضع سيارتها «أخيراً» مكان سيارة خرج بها صاحبها للتو اندفعت سيارة اخرى رياضية يقودها شاب في مقتبل العمر وأخذت المكان الخالي. ولم تفلح صرخات السيدة العجوز في ثني الشاب عن عزمه.. حيث قال لها بكل بساطة «عفواً سيدتي.. هذا هو الحال عندما يكون المرء شاباً وسريعاً». فما كان من السيدة الثرية العجوز الا ان قادت سيارتها بسرعة كي تصدم السيارة الرياضية وتهشمها لتلتفت نحو الشاب وتقول له: «وهذا هو الحال عندما يكون المرء عجوزاً وثرياً». ما يؤكده المؤلف هنا هو وجود قصص شبيهة لهذه القصة في اوروبا. بل انها وردت في احد الافلام السينمائية خلال مطلع الستينيات من القرن الماضي. ومن «الانتقام» الى «الرعب» وقصة سمعها المؤلف من احد اصدقائه كان قد أكد له صدقها، وحيث كان لهذا الصديق زميل عالم مثله نشأ في يوغسلافيا السابقة. وخلال الحرب العالمية الثانية كان بعض اقاربه يبعثون له ببعض المواد الغذائية للتخفيف من وطأة نقص المواد الغذائية. وذات مرة تناولت الاسرة في يوغسلافيا محتويات احدى العلب بعد اعتبارها من صنف المؤونة القادمة من امريكا لكنها في الواقع لم تكن تحتوي سوى على رماد جثة الجدة بعد وفاتها في الولايات المتحدة حيث كانت قد أوصت بارسال ذلك الرماد الى بلادها. هذه القصة تتردد ايضا بأشكال مختلفة وصلت احداها الى القارة الاسترالية.. لكنها وبكل الحالات تخص مسألة نقص المواد الغذائية زمن الحروب. وتخص احدى حكايات هذا الكتاب قصة احد ابناء الشرق الاوسط الاثرياء والذي كان يكمل دراساته في الولايات المتحدة الامريكية.. وحدث ذات مرة ان اشترى سيارة «فان» مجهزة تجهيزاً كاملاً بكل ما يحتاجه المسافر وحتى الثلاجة والهاتف.. وفي احد الايام رأى المارة السيارة تندفع بسرعة لتصطدم باحدى الاشجار.. ولدى سؤال صاحبها عن سبب وقوع ذلك الحادث خاصة وان الشارع مستقيم وليس فيه اية عقبات فاجأهم برده الغريب وبانه وضع مفتاح السرعة الثابتة وعاد لخلف السيارة كي يعد لنفسه شراباً مرطباً. وعشرات الحكايات الاخرى.. و«صدق او لا تصدق».. بكل الحالات هكذا «تتسلى» الشعوب بأكثر من 200 حكاية