تعمل مؤلفة هذا الكتاب استاذة للعلوم الاجتماعية في جامعة «كورنل» بالولايات المتحدة الامريكية، هذا هو كتابها الاول لكن سبق لها ونشرت عدة دراسات في مجال السياسة الدولية عامة والسياسة الخارجية الامريكية بشكل خاص. تقدم المؤلفة في الصفحات الاولى من هذا الكتاب المخاطرة في السياسة الدولية عدة تعريفات لمفهوم «المخاطرة» الذي ترى بانه يشكل احد معالم حياتنا اليومية، ان الجميع يخاطرون في كثير من الاحيان ولكن ان يدركوا بشكل واع تماما بان مايقومون به هو نوع من المخاطرة وتحدد روز ماكديرموث موقفين اساسيين للبشر امام المخاطرة، فاما انهم يبالغون في تقدير الحجم الحقيقي لـ «المخاطرة» التي يقومون بها او على العكس تماما لايدركون حقيقة المدى الذي تمثله المخاطرة التي هم بصدد خوضها فنحن عادة لا نفكر في حجم المخاطرة اثناء قيادة سيارة او المشاركة في بعض النشاطات الرياضية، ولكننا بالمقابل قد نبدي باستمرار مخاوفنا من المواد الحافظة التي تضاف للمأكولات دون ركوب الطائرة، اضف الى هذا واقع البشر الذين قد لا يمتلكون في بعض الحالات الخبرة الكافية لتقدير ما اذا كانت مخاطر معينة مقبولة او غير مقبولة. وتقوم المؤلفة في سياق البحث بمفهوم «المخاطرة» بطرح عدد من الاسئلة عما يميز المخاطر التي يخشاها الناس من تلك التي يجهلونها؟ ثم لماذا تتباين قدرات الخبراء فيما يتعلق بتقييمهم للمخاطر عن القدرات التي يمتلكها البشر العاديون. وفي معرض محاولة تقديم الاجابة عن مثل هذه التساؤلات ترى مؤلفة هذا الكتاب ان مصدر غالبية مظاهر التناقض في تحليل المخاطر بين الخبير والرجل العادي انما هو موجود في الاختلاف نفسه بين تقييم المخاطر ومفهومها، ان معظم الخبراء يستخدمون في تقييمهم للمخاطر نماذجا عقلانيا لتحديد المخاطرة المقبولة. وهذا يعني قيامهم بتحليل المخاطرة على ضوء الاحصائيات المقدمة حول نتائجها سنويا في بقعة جغرافية معينة مثل الولايات المتحدة الامريكية او في اطار مجموعة لها خصوصياتها مثل النساء او اية شريحة اجتماعية اخرى. وقد يتضمن تقييم الخبراء ايضا في بعض الاحيان تقديرا للخسائر التي قد تلحق بالاجيال القادمة كما هو الحال بالنسبة للتعرض للاشعاعات وتأثيرها على المواليد في الاجيال القادمة، لكن هناك مخاطر لا تطالها اية «خبرة» اذ على الرغم من كل الجهود المبذولة والتأكيد على اهمية التخطيط السليم فانه يبقى من المستحيل تحديد الاجراءات التي ينبغي اتخاذها من اجل خفض عدد الوفيات الناجمة عن الاخطار الطبيعية او الكوارث التي يكون الانسان سببا لها. ولكن ماذا تعني المخاطر بالنسبة للانسان العادي؟ ان تقييم المخاطرة ومداها يوفر اساسا عقلانيا يستطيع صانع القرار من خلاله صياغة خياراته لكن في الوقت نفسه لا شك بان معظم الناس يرون المخاطرة ويفكرون بها من منظور مغاير او لا عقلاني بتعبير آخر وباسلوب يتماشى مع نمط ادراكها الخاص اكثر مما يتماشى مع نماذج التقييم المنهجية المرسومة مسبقا. بعد هذا البحث النظري حول مفهوم «المخاطرة» وفهم البشر لها تحاول مؤلفة هذا الكتاب تطبيق الاراء المقدمة على السياسة الامريكية من خلال التعرض لبعض الاحداث الكبرى التي تركت بصماتها على التاريخ السياسي للولايات المتحدة الامريكية. وفي مقدمة هذه الاحداث المحاولة التي قامت بها الادارة الامريكية في عهد جيمي كارتر من اجل انقاذ الرهائن الامريكيين الذين كان الطلبة الايرانيون قد احتجزوهم بعد فترة قصيرة من قيامها. لقد فشلت محاولة انقاذ الرهائن الامريكيين في ايران خلال شهر ابريل عام 1980 .. وقد اظهر ذلك الفشل حجم الكارثة التي حلت بالولايات المتحدة الامريكية وبالادارة الامريكية بشكل خاص بسبب سوء تخطيط عملية الانقاذ وسوء تنفيذها .. ولذلك اصدر الرئيس الامريكي آنذاك جيمي كارتر بيانا اكد فيه بانه يتحمل كافة المسئولية في مسألة محاولة انقاذ الرهائن، ثم اصدر في نفس اليوم بيانا آخر موجها للشعب الامريكي شرح فيه معرفته المسبقة بالمخاطر المحيطة بتلك العملية الى جانب آماله الكبيرة في امكانية نجاحها، وضمن نفس الاطار خاطب الرئيس كارتر الكونجرس مركزا على الاهمية التي كان يوليها لاطلاق الرهائن . لقد زاد فشل محاولة انقاذ الرهائن الامريكيين في ايران من هشاشة موقع الرئيس كارتر الذي تعرض لهجوم ضار من قبل الصحافة ودفع لذلك ثمنا غاليا على الصعيد السياسي .. كما وجه ذلك الفشل ضربة كبيرة لهيبة الولايات المتحدة على المسرح السياسي الدولي، ان هذا الوضع كله كان لابد وان يكون مختلفا تماما لو ان مهمة الانقاذ قد نجحت وكان من المرجح ان يعاد انتخاب جيمي كارتر في الانتخابات الرئاسية على قاعدة الشعبية التي كان سينالها بسبب قراره «الشجاع» بالتدخل لانقاذ الرهائن. باختصار كان اختيار قرار التدخل لانقاذ الرهائن هو اكثر الخيارات مخاطرة. وتؤكد المؤلفة في هذا السياق بان وزير الخارجية الامريكية آنذاك «سيروس فانس» كان قد اقترح على الرئيس كارتر عدم التدخل حيث ان الايرانيين كانوا سيطلقون سراح الرهائن عندما يشعرون بانهم لم يعودوا يوفرون لهم اية مزايا في اطار الصراع الداخلي في ايران ولكن كارتر رفض النصيحة وفضل اللجوء الى الحل الاكثر مخاطرة على امل ان نجاح العملية سيعوضه عن كل خسائره واخطائه السابقة. وكان الرهان العسكري هو القرار الخاطيء الذي فضله الرئيس كارتر على خيار فرض العقوبات على ايران او اللجوء الى الخيار السياسي. وترى مؤلفة هذا الكتاب بانه كان من العسير على المشاركين في صناعة القرار تقدير مدى التوازن بين المخاطر المتعلقة باللجوء الى الحل السياسي وتلك المتعلقة بالحل العسكري، وذلك نظرا لتداخل المصالح القومية الامريكية والمصالح الدولية للولايات المتحدة ولكن بالنتيجة اتخذ كارتر القرار الاكثر مخاطرة على الرغم من وجود خيارات عسكرية اخرى اكثر امانا . وبهذا المعنى اتخذ الرئيس الامريكي جيمي كارتر القرار الاكثر بعدا عن العقلانية، بكل الحالات يقدم هذا القرار افضل مثال على سلوك المخاطرة في السياسات الدولية. وضمن السياق نفسه ناقشت المؤلفة مثالا آخر له صلة مباشرة بالموضوع نفسه وهو قرار السماح لشاه ايران الاستقرار في الولايات المتحدة وكانت ادارة كارتر قد رفضت في البداية وبشكل قاطع طلب الشاه واصرت على رفضها رغم نصيحة مستشار الامن القومي الامريكي آنذاك بريجنسكي وآخرين بمنح الشاه حق اللجوء غير ان هذا القرار تغير في شهر اكتوبر 1979 بعد ان احيطت الادارة علما بخطورة مرض الشاه وسمحت له بدخول البلاد لاسباب انسانية تتعلق بالعلاج. وكان كارتر يواجه في الوقت نفسه صعوبات داخلية مع الحزب الجمهوري الذي كان ينتقد من جهته التخلي عن الحليف السابق للولايات المتحدة. وبعد تلقي العلاج تم الطلب من الشاة مغادرة البلاد نظرا لان كارتر كان يعتقد باستحالة اطلاق سراح الرهائن طالما ان الشاه في الولايات المتحدة «ذهب الشاه الى مصر رغم ما كان يمثله ذلك من مخاطرة» من قبل الرئيس السادات خاصة بعد اتفاقيات كامب ديفيد. كان رفض الطلب الاول لدخول الشاه الى امريكا مبني على اساس ان الظروف كلها كانت انذاك في صالح كارتر، فالانتخابات بعيدة. وكانت امريكا قد نجحت في عقد اتفاقيات «باناما» وكانت اتفاقيات «كامب ديفيد» تسير بشكل جيد، كما كانت اتفاقية «سالت» لنزع السلاح النووي لا تزال سارية المفعول. ومفاوضات تطبيع العلاقات مع الصين تتقدم. هذه الامور كلها دفعت الادارة الامريكية آنذاك الى القناعة بأن السماح لشاه ايران دخول الولايات المتحدة لن يضيف «شيئا لمكاسب الرئيس كارتر، بل على العكس ربما كان سوف يعقد الامور بالنسبة لمشكلة الرهائن الامريكيين في الجمهورية الاسلامية بايران. هكذا اتخذ جيمي كارتر قراره منع الشاه من دخول امريكا في فترة كان يمتلك بيديه الكثير من الاوراق الرابحة في حين ان قرار السماح للشاه بدخول البلاد قد تم في وقت كان فيه الرئيس الامريكي يواجه العديد من المصاعب مما ادى في النهاية الى تعرضه، وتعرض ادواته ايضا للمزيد من الخسائر. وتورد المؤلفة مثالا آخر تحلله باسهاب على ضوء مقياس «المخاطرة» وهو يتعلق باسقاط السوفييت لطائرة امريكية من طراز يو ـ 2 وما ترتب عليه من اعتراف الادارة الامريكية ولاول مرة ليس فقط بأنها تقوم بعمليات تجسس تستهدف الاتحاد السوفييتي بعد نفيها لذلك في البداية، وكان لذلك تداعياته المعقدة على الرئيس الامريكي وعلى الولايات المتحدة نفسها، اذ ان ذلك الحادث ادى الى انهيار قمة باريس التي كان انعقادها مقرراً في 16 مايو 1960، وذلك على الرغم من تشكيك الولايات المتحدة بأن اسقاط تلك الطائرة كان هو سبب فشل عقد القمة. وادى ذلك الحادث ايضا الى الغاء الرئيس الامريكي ايزنهاور لرحلة كان يزمع القيام بها الى اليابان وذلك بسبب المظاهرات التي شهدتها طوكيو للتنديد بالممارسات الامريكية مما ارغم رئيس الوزراء اليابان آنذاك الى الغاء دعوة الرئيس الامريكي لزيارة اليابان وايضا الى تقديم استقالته. وفي امريكا نفسها قامت الدوائر الاعلامية بشن حملة نقد عنيفة ضد الرئيس ايزنهاور ذلك ان حادث اسقاط الطائرة زاد من حدة الحرب الباردة، بينما كانت ترتسم آنذاك في الافق آمال في تحقيق تقدم مع السوفييت بشأن برلين ونزع السلاح وقد زاد الطين بلة كذب الرئيس الامريكي ايزنهاور في البداية وانكاره عملية التجسس من اصلها. وقد كان قرار الرئيس الامريكي ينفي قيام الولايات المتحدة بعمليات تجسس محفوفا بالمخاطر. وكان قد اتخذه على أمل تعويض خسائر واحراز تقدم في مسيرة السلام، غير انه أخفق في محاولته وتعرض لانتقادات شديدة خاصة بعد ان عاد واعترف بعمليات التجسس. ولعل المثال الآخر المهم و«الأخير» الذي تحلل المؤلفة آيات «المخاطرة» فيه يتعلق بأزمة السويس عام 1956 والتي قامت خلالها كل من اسرائيل وبريطانيا وفرنسا بحملة عسكرية ضد مصر بعد قرار تأميم قناة السويس وتحدي جمال عبدالناصر لقوى الغرب. وترى المؤلفة ان العامل الحاسم في انهاء هذه الأزمة وحمل القوات البريطانية والفرنسية والاسرائيلية على الانسحاب من الأراضي المصرية إنما تمثل في قرار الرئيس الامريكي ايزنهاور عدم الانضمام الى الحملة العسكرية ضد عبدالناصر مما كان يعني في واقع الأمر دفع الاوروبيين للقبول بتأميم قناة السويس. كان الخيار الأول الخاص بامكانية انضمام القوات الامريكية الى القوات الحليفة لدحر القوات المصرية بعيدا عن قناة السويس غير مستحب من قبل الرأي العام الامريكي لما دلت عليه عدة مؤشرات وهذا يعني ان المخاطرة باتخاذ أي قرار معاكس قد يكون له آثاره الانتخابية. أضف الى هذا اعتقاد الرئيس الامريكي ايزنهاور بأن عدوانا امبرياليا ضد زعيم محبوب مثل جمال عبدالناصر الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة في المنطقة، قد يدفع الدول العربية الى الالتفاف حوله اكثر فأكثر مما قد يشجعه في قيادة الشعوب العربية باتجاه الوقوع تحت نفوذ السوفييت الذين كانوا يتطلعون اصلا لتثبيت حضورهم أكثر فأكثر في المنطقة. ولذلك رأى بأن تأييد القوات المتحالفة ضد دولة تقوم بعملية مشروعة وتمارس حقها في السيادة انما هو غير صائب. ولم يكن ايزنهاور يشاطر البريطانيين والفرنسيين الرأي القائل بان مصر سوف لن تسمح مستقبلا بمرور سفن الغرب في قناة السويس او ان المصريين لن ينجحوا في ادارة قناة السويس اذ انه كان على ثقة تامة بأن مصر ستقوم بتشغيل القناة على احسن وجه.. وقد كان ايزنهاور مصيبا في تقييمه للموقف كما تؤكد المؤلفة فطالما ان مصر ستدفع تعويضات عن الممتلكات التي صادرتها وتجعل القناة مفتوحة امام الجميع فلن يكون من حق اية دولة ان تقوم بعمل عسكري ضدها. وكان الخيار الثاني امام ايزنهاور هو اقناع حلفائه بقبول تأميم قناة السويس وبالتالي عدم اللجوء الى استخدام القوة العسكرية هذا في الوقت الذي يعزز فيه مثل هذا الخيار النفوذ الامريكي في المنطقة ويقلص من فرص تغلغل السوفييت في الشرق الاوسط.. وكان هذا هو خيار ايزنهاور لكن جهودهم لم تفلح في منع نشوب الحرب.. ومن المعروف عنه، كما تؤكد مؤلفة هذا الكتاب، هو انه قد غضب كثيرا عندما سمع ببدء العمليات العسكرية، بل وأعلن مساندته للمصريين. وقد اتخذت الضغوط الأمريكية على البريطانيين والفرنسيين والاسرائيليين صيغة منع تزويدهم بالنفط الذي يحتاجونه بل ومنع أية قروض دولية عنهم. وأسفر ذلك عن اذعان البريطانيين والفرنسيين بينما قاوم الاسرائيليون ذلك إذ ان حاجتهم للنفط كانت أقل.. وهكذا تأخر انسحاب القوات الاسرائيلية من الأراضي المصرية لبعض الوقت. ولم تغفل المؤلفة دور السوفييت في انهاء أزمة السويس. واذا كانت قد اعتبرت بأن تهديد بولغانين بالتدخل قد أثار مخاوف الغرب فإنها قد قللت كثيرا من هذا الدور واعتبرت بأن تدخل ايزنهاور وضغطه على حلفائه هما وراء وضع حد لتلك الأزمة. مما أكسبه شعبية كبيرة في بلاده لانه اتخذ قرارا سليما و«أخلاقيا»، وذلك على خلاف القرار الخاطئ الذي اتخذه حلفاؤه وعلى رأسهم «غي موليه» و«انطوني ايدن».