الياس صنبر هو مؤرخ فلسطيني ورئيس تحرير مجلة «دراسات فلسطينية» سبق له ونشر عدة كتب باللغة الفرنسية من بينها: «الفلسطينيون في القرن العشرين» و«فلسطين البلاد القادمة» و«القدس، المقدس والسياسي» وهذا الكتاب الاخير بالاشتراك مع فاروق مردم بك. عاش الياس صنبر «الغياب» و«المنفى» عن بلاده فلسطين.. ومن هذا الموقع البعيد ـ القريب كان «حضورها» دائما ومستمرا عبر حكايات واحداث ومعارك صغيرة وكبيرة واشياء كثيرة تصنع كلها «الذاكرة الحية» لشعب ولكل انسان فيه. ولعل اهم ما يبحث عنه «الياس صنبر» هو تأكيد هذه «الذاكرة الحية» ولكن بعيدا عن «اوهام الحنين» وهذا لا سيما وان الحنين قيد وتحديد. لكن زيتون فلسطين ونخلها لا يزالان عالقان في ذاكرته «الشابة» انه يعود الى سنوات الاحلام المورقة باستمرار خلال سنوات الطفولة. ثم يتقدم «صعودا» المسيرة التاريخية لفلسطين، بل ولقضية الشرق الاوسط برمتها وحيث تم تجريد الشعب الفلسطيني من أرضه وممتلكاته. هكذا تجتمع في هذا الكتاب عدة ابعاد من السيرة الذاتية للمؤلف الى عالم السياسة ومرورا بمأساة شعب كامل. الياس صنبر من مواليد حيفا عام 1947 لكنه غادر بعد «النكبة» ارض مولده في اول مراحل المنفى التي قادته الى بيروت برفقة اسرته التي كان الاسرائيليون قد استولوا على كل ممتلكاتها. ولقد امضى اغلبية سنوات شبابه في العاصمة اللبنانية لم تكن فلسطين في «الجوار» فقط وانما كانت ايضا في احلام كل الايام. ان الياس صنبر يكتب عن هذه المرحلة من حياته، والتي تأخذ حيزا كبيرا من هذا الكتاب، بكثير من الشعر وحيث يتنحى «المؤرخ» جانبا. ولعل من اجمل صفحات هذا الكتاب تلك التي يتحدث فيها الياس صنبر عن الشاعر والكاتب الفرنسي «جان جينيه» حيث كان جينيه قد برز كأحد الادباء الكبار الذين ابدوا تعاطفهم مع عدالة القضية الفلسطينية وهذا ما ظهر بوضوح في العديد من كتاباته اللاحقة وخاصة شهادته عن مجازر صبرا وشاتيلا. يروي الياس صنبر انه خلال اللقاء الاول مع جان جينيه ثم تقديمه له بصفة «الختيار» التي كانت تدل آنذاك، بل ومنذ ذاك، تطلق على ياسر عرفات الذي لم يكن قد تجاوز الاربعين، لكن الشباب الصغار في السن الذين كانوا يشكلون السواد الاعظم من قوات المقاومة كانوا يطلقون عليه لقب «الختيار» بمعنى رب الاسرة، وفي نهاية ذلك اللقاء اصطحب الياس صنبر الكاتب الفرنسي جان جينيه الى فندقه.. اذ كانت من عاداته ان ينام مبكرا جدا ويستيقظ في حوالي منتصف الليل. وعندما اجتاز الياس صنبر احد الشوارع من رصيف الى اخر «متسللا» بين السيارات لم يتبعه جينيه بل فاجأه بالقول: «ذات يوم ستموت مسحوقا تحت عجلات سيارة. فما معنى ان نقيم الثورة كي نموت مثل مشاة حمقى. هذا امر مذهل. ان لا تعرف تقدير الخطر وتزعم انك تريد العودة الى فلسطين؟ انك لن تتعلم ابدا ماذا تعني المدينة.. ومن المفروض منعك من التحرك والانتقال خارج الصحراء». ومن هذا الحدث البسيط ولدت صداقة مع جينيه «الذي كان يجيد فن اثارة ما هو غير متوقع وفي اقل اللحظات ترقبا لذلك». وعندما كانت بيروت في ظل الحصار الاسرائيلي قرر جان جينيه ان يذهب اليها برفقة ليلى شهيد، التي كانت آنذاك احد اعضاء فريق العاملين بمجلة «دراسات فلسطينية» وايضا برفقة زوجة الياس صنبر التي كانت هي الاخرى قد قررت العودة الى بيروت اذ انها «لم تكن تستطيع تحمل خراب المدينة التي ولدت فيها من بعيد».. يقول الياس صنبر «وبقية ما شهدته رحلة جان جينيه اصبح معروفا اليوم. لقد كان شاهدا على سقوط بيروت ودخول الغزاة الى ما كان يشكل عرين المقاومة الفلسطينية. وقد كان احد الاشخاص الذين دخلوا الى مخيمي صبرا وشاتيلا آنذاك اذ ان هيئته كعجوز ابعدت الشكوك عنه؟ وكان من اول الشهود على الحملة التي كان اللاجئون ضحاياها» وكان جينيه قد كتب نصه الشهير «اربع ساعات في صبرا وشاتيلا حول هذه التجربة». لقد انطلقت شهادة جينيه من الجثث المكدسة في الازقة الضيقة كي تصعد الزمن وتسجل في صفحاته جمال المقاومة والمقاومين قبل عشر سنوات». وعندما قابل الياس صنبر الكاتب الفرنسي بعد ذلك في باريس بدا عمق تأثير المجزرة «وملاقاة الموت» عليه. وبعد ايام فقط تلقى جزءا من شهادته للنشر في «دراسات فلسطينية» يقول الياس صنبر: «من الصعب اليوم، ومن غير اللائق خاصة ان اصف الحالة التي اصابتني بعد القراءة الاولى لتلك الصفحات من «اربع ساعات في شاتيلا» لكن لم يكن يكفي الهلع وانما كان من الملح النشر، نشر تلك الشهادة» ولقد قبل جينيه «الرقابة» على احد مقاطع النص، وكان مقطعا خاصا بـ «الكتائب» انذاك.. واضاف موجها حديثه لمؤلف هذا الكتاب: «ستكون بذلك الشخص الوحيد الذي فرض الرقابة علي». ان هذا الكتاب هو في المحصلة كتاب «ذكريات» ولكنه يحيل في الوقت نفسه الى الواقع الراهن.. والى فلسطين «الحلم» كما قالت ذات يوم والدة المؤلف السينمائي الفرنسي «جان بوك غودار» الذي كان قد ذهب الى المنطقة كي ينجز فيلما عن فلسطين، ولقد اراد الياس صنبر ان يجعل هذا الحلم «مسموعا» ولكن على خلفية سحابة من اليأس بسبب الاوضاع السائدة من جراء نزاع «دام» لا يبدو الخروج منه وشيكا. انها «المأساة» التي تثبت اقدامها حيث ترتسم في الافق صورة يرى الياس صنبر بأنها جديرة بالمقارنة مع ما عرفه الهنود الحمر سكان القارة الامريكية الاصليون على يد «الرجل الابيض»، هكذا تكتسي روايته لقصة وطنه في ظل الاحتلال ووطنه في المنفى «نكهة» خاصة تمتزج فيها حلاوة الحلم وشفافية الذكريات وتوثيق الذكرى مع مرارة الواقع. وتتمثل قمة الحلو ـ المر في عودة الياس صنبر ذات يوم من شهر ديسمبر 1945 الى حيفا التي كان قد غادرها «منفيا» وعمره خمسة عشر شهرا. كانت «عودته» تلك بعد سبعة واربعين عاما. وبالطبع احتفظ الطفل في ذاكرته بالصورة التي رسمتها في مخيلته حكايات الاهل وبعض الوثائق لحيفا ولحي المنزلة. لذلك بالطبع لم يتعرف على منزله، اذ ان المعالم كلها قد تغيرت. يقول: «لقد جبت الشارع الذي يقع فيه منزلنا مرتين لكنني لم اتوصل الى العثور عليه وكنت مع ذلك قد حفظت في ذاكرتي كل تفاصيله. لكن بدا لي ان كل شيء قد اصبح اكثر صغرا واكثر انكماشا من الصورة التي كانت في رأسي له» ثم يضيف الياس صنبر متسائلا: «ماذا اتيت افعل هنا؟!». في احد الفصول الاخيرة من هذا الكتاب والذي يحمل عنوان: «لقد عادوا، اما انا فلا» فيستعرض «الياس صنبر» قصة «عودة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والعديد من رفاقه الى فلسطين، كان ذلك في صباح الاول من شهر يوليو عام 1994، اما مؤلف هذا الكتاب فقد عاد للمرة الاولى بعد اكثر من عام على هذا التاريخ بعد ان كان قد اتخذ في فجر احد ايام شهر ديسمبر من عام 1995. «ما الذي جرى في تلك الليلة؟ انني لا اتذكر اي شيء منه. لكن النداء الذي كنت اتمناه واخشاه كان حاضرا» يقول الياس صنبر ثم يشير الى جملة قرأها للشاعر «اوكتافيو باز» وجاء فيها: «عما يبحث المسافر في بلاده؟ عن مكان ولادته ام عن مكان نهايته؟ ربما انه يبحث عن مصيره». عندما كان المؤلف يهم بالصعود الى الطائرة التي تقله الى «وطنه» اقتربت منه سيدة واخرجت من محفظتها كتابه الاخير كي تؤكد له بأنه قد ساعدها على تحضير رحلتها للتعرف على «بلاده» يقول: «هذه المسافرة سوف تكتشف بلادي بواسطة كلماتي. هل تعرف ان كل حظي منها انني قد ولدت بها، ولم تطأها قدماي بعد ذلك ابدا؟» هكذا كان وطنه «غائبا» باستمرار ولكنه كان «حاضرا» باستمرار ايضا. ويرى ان اباه الذي كان احد المشاركين بفاعلية في ثورة 1936 بفلسطين قد حزم حقائبه عشية هزيمة 1967 من اجل «العودة الى الوطن» كان احساسه بأن هذا الوطن قد اصبح قاب قوسين أو ادنى. وكان واقع الهزيمة اكبر من ان يتحمله، وهكذا توقف قلبه عن الخفقان بعد خمسة عشر يوما فقط. كان ذلك الاب قد رحل قسرا عن ارضه بعد «النكبة» ورحل عن العالم بعد «الهزيمة». «مُلك الغائبين» هو ذلك البيت في حيفا حيث عاش الجد والاب.. وولد الابن.. وكتاب عن «الذاكرة الحية» الفلسطينية.