كليمان. م. هنري هو استاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس. له عدة مؤلفات من بينها: «البحر المتوسط: دراسة مقارنة حول العملة والسلطة في الجزائر ومصر والمغرب وتونس وتركيا» وله كتاب اخر بالاشتراك مع «كيت جيلسبي» تحت عنوان: «النفط في النظام الدولي الجديد». وروبير سبرنجبورج هو مدير مركز الابحاث الامريكي في مصر. وحتى عام 1999 كان استاذ سياسات الشرق الاوسط في جامعة «ماكواري». ومن اخر اصداراته مع «عبدو بعقليني وجيلين دونو» كتاب بعنوان: «سياسات التشريع في العالم العربي». ومن كتبه الاخرى: «السياسات في الشرق الاوسط بالاشتراك مع جيمس بيل، والكتاب منشور عام 1993 وقد عرف حتى الان طبعته الخامسة. «العولمة وسياسات التنمية في الشرق الاوسط» كتاب يبحث في مسألة تحدد الى حد كبير مدى اندماج الشرق الاوسط، وأفق هذا الاندماج، في العالم المعاصر، انها مسألة التنمية في اطار «عالمية الاقتصاد» التي انتجها النظام الدولي الجديد وسيادة اقتصاد السوق. ويحاول مؤلفا هذا الكتاب، الخبيران بالشرق الاوسط وسياساته وتوجهاته الاقتصادية ان يقدّما توصيفاً دقيقاً للتحديات التي تواجهها سياسات التنمية تحديداً. تجدر الاشارة هنا الى انه يتم تعبير الشرق الاوسط في هذا الكتاب بمعنى يشمل بلدان شمال افريقيا العربية، اي المغرب والجزائر وتونس وايضاً ليبيا. ومن خلال البحث في بنى الدولة والمجتمع المدني والنظم المالية السائدة يؤكد المؤلفان على مدى التلازم «العضوي» بين الازدهار الاقتصادي على المدى الطويل وبين ولوج طريق الديمقراطية. وبمعنى آخر بمقدار ما يتم تبني سياسة مفتوحة وليبرالية يمكن للآليات الاقتصادية ان تستجيب أكثر فأكثر لمستلزمات العولمة. وعلى ضوء هذه المقولة تتم دراسة طبيعة الانظمة السياسية السائدة في منطقة الشرق الاوسط وحيث يتم الوصول الى نتيجة أساسية مؤداها بانه لابد من تبني سياسات اصلاحية والتأكيد على دور المجتمع المدني في منظور الاندماج اكثر مع منظومة «العولمة». المقولة الاساسية التي ينطلق منها مؤلف هذا الكتاب هي ان السياسة هي التي توجه التنمية الاقتصادية كما ان العقبة الرئيسية امام التنمية في الشرق الاوسط هي ذات طبيعة سياسية اكثر مما هي اقتصادية او ثقافية. ثم ان العوامل السياسية وليس الاقتصادية هي التي أعاقت اندماج اقتصادات المنطقة في اقتصاد العولمة والانخراط في بنيته. ثم ان هذه العوامل السياسية تتعلق بالدرجة الاولى بالنخب القائمة على السلطة في مختلف البلدان والتي حددت استراتيجياتها تبعاً لمفاهيمها حول «الحداثة» و«التحديث».. وفي احيان كثيرة ظل الانفتاح «محدودا» و«محسوباً» ولا يخضع تماما لـ «ديالكتيك» العولمة.. هذا لاسيما وان هذه العولمة تبدو بمثابة استمرار للديالكتيك الاستعماري، في نظر قسم كبير من النخب المحلية.. هكذا بدت العولمة بمثابة «نزعة استعمارية جديدة» تبحث عن تأمين استمرارية السيطرة الغربية وهيمنة الرأسمالية الامريكية ـ الانجليزية. بالمقابل يبدو «الارث الاستعماري» قوياً في المنطقة اذ ومنذ القرن التاسع عشر أدخل الاوروبيون عدة مكونات من النمط الاقتصادي الرأسمالي. هكذا عرفت المنطقة بعض «الانتقائية» في اختيار النموذج البريطاني في ميدان آليات الانتاج والألماني فيما يخص القطاع المصرفي والفرنسي بشأن تدخل الدولة في اسواق رأس المال. كذلك يبدو بوضوح تأثير النموذج الاداري الفرنسي في بلدان مثل الجزائر وتونس وسوريا.. ويتميز هذا النموذج الفرنسي الرأسمالي بالميل نحو اعطاء دور كبير للدولة في ميدان الاقتصاد بينما يتميز النموذج الانكلور امريكي بقدر اكبر «تاريخياً» من حرية التبادل والنشاط الاقتصادي بعيداً عن تدخل الدولة المفرط.. اي انه نموذج يتماشى اكثر مع الاطروحات «الليبرالية الجديدة» التي يقول بها اقتصاد السوق في ظل العولمة. لكن وهنا ايضاً لعبت السياسة والايديولوجيات دوراً كبيراً في تحديد توجهات الخيارات التنموية. ومن هنا تأتي الاجابات المتنوعة حيال العولمة والاقتصاد الجديد.. كما ان أية فوضى سياسية كان لابد وان تؤدي الى الجمود والكساد الاقتصادي. ويعد المؤلفان في طليعة التحديات التي تفرضها العولمة مسألة المساعدات الخارجية لبلدان المنطقة من جهة ومبيعات السلاح من جهة اخرى. ان التحليلات المقدّمة تؤكد على فكرة تتكرر بأشكال مختلفة وتقول بان نهاية الحرب الباردة تركت آثارها على الشرق الاوسط وشمال افريقيا اكثر مما تركتها على أية منطقة اخرى من العالم الثالث. وهذا ما يدل عليه بوضوح مدى الهشاشة التي شهدتها المنطقة كما تدل الحرب التي اندلعت عام 1991 وأدّت الى التدخل الامريكي بمساعدة قوى خارجية اخرى. وكانت منطقة الشرق الاوسط طيلة فترة الحرب الباردة اكبر مستورد للاسلحة من الاتحاد السوفييتي «السابق» والولايات المتحدة الامريكية. لكن هذه الصورة تغيرت خلال عقد التسعينيات الماضي اذ تم التوجه نحو اسواق اخرى وهكذا كانت حصة الشرق الاوسط، بما في ذلك منطقة الخليج. من سوق السلاح الدولي هي 40% خلال عام 1996 مما يؤكد على انها احد أكثر مناطق العالم توتراً. وفي اطار بحث مقومات التنمية في ظل العولمة يبحث مؤلفا هذا الكتاب في عدة عوامل اساسية تتمثل في النفط الذي ترتبط به اقتصادات عدة بلدان وحيث يمكن لاسعار هذه المادة الاستراتيجية ان تكون ذات اثر حاسم على سياسات التنمية وعلى ميزان التجارة الدولية للبلدان البترولية. ثم ان النقص في العائدات النفطية لعدد من البلدان لابد وان يكون له آثاره المباشرة على عامل اخر من عوامل التنمية والاندماج مع دورة الاقتصاد العالمي المفتوحة اكثر فأكثر في ظل العولمة وهو عامل التجارة التي لابد وان تتأثر اذا «تقلّصت» ميزانية الدول ان الارقام المقدّمة في العديد من الاحصائيات تؤكد مثل هذا الواقع. كما ان قدرة بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا على المنافسة ترتبط بمدى اندماجها في الاسواق المالية العالمية. وتشكل مسألة السيولة النقدية عاملاً اساسياً في هذا الاطار وحيث من المطلوب ان يساهم رأس المال الخاص بفعالية اكبر في مجال التمويل من اجل تأمين كفاءة اكبر على صعيد المنافسة في اسواق رأس المال. وهنا ايضاً يبرز عامل اخر له أهمية على صعيد الاندماج في الاسواق المالية العالمية ويتمثل في مشكلة الديون التي تعاني منها اغلبية بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وبما في ذلك بعض البلدان النفطية حيث يمكن البرهان على ذلك من خلال المثال الجزائري. ان النتيجة الاساسية التي يصل لها مؤلف هذا الكتاب في هذا السياق تتمثل في التأكيد على الحاح القيام باصلاحات بنيوية في الاقتصاد لتأمين درجة مقبولة من الاندماج في منظومة العولمة. وتتم الاشارة هنا الى ان جميع بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا تتجه «ضمناً» او فعلياً الى تبني قوانين جديدة ترمي الى اجتذاب الاستثمارات الخارجية. لكنها بالوقت نفسه «تتردد» في الاعتماد على «اقتصاديين جديين» وعلى «خطط» تتكيف مع احتياجاتها الحقيقية لتحقيق التنمية في ظل اقتصاد السوق.. ذلك ان العولمة تحتاج «لاشكال جديدة من المواجهة الثقافية» غير تلك التي عرفها «الديالكتيك» الاستعماري.. المطلوب هو الانتماء الى الاسواق العالمية بفعالية اكبر وعدم الاكتفاء باستيراد المنتوجات الاستهلاكية الغربية. وتتمثل الخطوة الاولى في اندماج اغلبية دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا في الاقتصاد العالمي عبر ارتباطها اكثر فأكثر في التجارة الخارجية. لكن هذه الدول تختلف من حيث قدرتها على تعبئة الموارد العامة واستخدامها بشكل فعلي وفعّال في سبيل التنمية والاندماج مع دورة السوق العالمية. ويعتمد المؤلفان في هذا السياق على مقولات ابن خلدون في القرن الرابع عشر حول دور الدولة في «جباية الضرائب والرسوم»، هذا ويتم الالحاح في بحث دور الدولة على مسألة «الشفافية» فيما يتعلق خاصة بالمنظومات المصرفية ونشاط السوق والتجارة في افق تحقيق عمل جماعي فعلي. ويبقى التشخيص الذي يقدمه مؤلفا هذا الكتاب بالنسبة للدول التي تعاني من صعوبات اكثر من غيرها للتأقلم مع العولمة بانها تمثلت على قطاع خاص صغير ومنظومة مصرفية متضخمة تابعة للدولة. ولا يتردد المؤلفان في هذا السياق، في اعتبار ان الانظمة الملكية في العالم العربي هي التي تمتلك الامتيازات، بالقياس لغيرها، فيما يخص الاندماج باقتصاد العولمة. في الفصل الاخير يتحدث المؤلفان عن «الديمقراطيات المجزوءة» وبصيغة الاستفهام: «هل توجد ديمقراطيات حقيقية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا؟»