ـ ايان راسيل ماكوين روائي وقاص وكاتب سيناريو بريطاني من مواليد سنة 1948. ـ قدم نفسه كأحد أهم كتّاب القصة القصيرة والرواية البريطانية في منتصف السبعينيات وبعد تخرجه من جامعة سسكس في 1970 وحصوله على الماجستير من جامعة ايست انجليا سنة 1971 واشتهرت أعماله في تلك المرحلة بتركيزها الشديد على الفكاهة الفجة التي ميزت أسلوبه الروائي والقصصي في البداية وظهرت في أعمال مثل «حديقة الاسمنت» سنة 1978 و«علم الهندسة الأصم» سنة 1979. ـ تمثل أعمال روائية له منها «الطفل الذي أتى في الوقت المناسب» (1987)، و«البريء» (1990) توجها مختلفا لديه نحو تبني أسلوب أكثر دفئا وأكثر ابرازاً لموضوعاته الانسانية. ـ حصل على جائزة بوكر البريطانية للأدب المكتوب باللغة الانجليزية في 1998 عن روايته «امستردام». ـ نشرت له الى الآن تسعة أعمال قصصية روائية منها مجموعتان قصصيتان هما «الحب الأول.. الطقوس الأخيرة» (1975) و«ما بين الصفحات» (1979). ـ من أعماله الروائية هي «حديقة الاسمنت»، «عزاء الغرباء» سنة 1981، «الطفل الذي أتى في الوقت المناسب»، «البريء»، «الكلاب السوداء» سنة 1992، «الحالم» سنة 1994، «الحب الخالد» سنة 1998، «امستردام» و«التوبة» 2001. حسب اجماع العديد من النقاد، ينظر الى رواية ماكوين «التوبة» على انها أفضل أعماله الروائية والقصصية على الاطلاق. وكانت هذه الرواية قد وضعت اسمه على القائمة النهائية للمرشحين للحصول على جائزة بوكر 2001 التي فاز بها الروائي الاسترالي «بيتر كاري» عن روايته التاريخية «التاريخ الحقيقي لعصابة كلي». ورواية ماكوين الاخيرة هي في الاساس ملحمة عائلية، تستحوذ على التفكير، مؤسسة باسطورية على تجربة والده الحقيقية أثناء مشاركته كجندي في صفوف القوات البريطانية في الحرب العالمية الثانية. وفي هذه الرواية يأخذ المؤلف القارئ في جولة تستغرق عمر بطلتها، تبدأ في الثلاثينيات مع بوادر انطلاق الحرب العالمية الثانية، وتنتهي في 2001 عندما تبدأ ذاكرة البطلة أو الراوية، بريوني تاليس، بالاضمحلال. بسبب حالة الاستمتاع والألم التي يعبر عنها سعي تاليس الى اضفاء نوع من اللمسات الفنية والجمالية على حياتها التعيسة، الكريهة في بعض تفاصيلها، التي تبدأ من مرحلة الطفولة وعدم القدرة على اصدار احكام حقيقية موضوعية على الأشياء التي تحيط بها تستقطب الرواية الاهتمام بشدة. بالاضافة الى تعبيرها عن المأساة الشخصية التي تعيشها بطلتها، فان الرواية تسلط في الوقت ذاته الأضواء على ما يطلق عليه ماكوين الرواية القومية الحقيقية التي يسعى من خلال سردها الى تبديد بعض نواحي الغموض والروايات الخيالية الملفقة التي أحاطت بوقائع انسحاب القوات البريطانية من دنكرك ابان الحرب العالمية الثانية. لعل أكثر ما يمنح رواية «التوبة» أهميتها هو حبكتها التي تنحو في النهاية الى الكشف عن ان عنوان الرواية هو بالفعل عنوان الرواية التي كانت تاليس تعتزم نشرها أو التي بدأت في كتابتها في الواقع في 1940 وهو ما يعطي العمل بعدا حقيقيا مميزا يتمحور حوله النقاش حول خصائص رواية القرن الحادي والعشرين الى جانب القائها الضوء على مستقبل الرواية الخيالية، كما يدعي ماكوين. رواية ماكوين مليئة بالشخصيات التي تراقب بعضها طوال الوقت من النوافذ والممرات بنوع من سوء الفهم هذه التقنية الروائية التي لا تساهم فقط في رسم حبكة الرواية ودفعها الى الأمام وانما في فتح الجدل الواسع حول الرواية الحداثية وعلاقتها بالواقع أو كما يقول: هذه روايتي الحضرية المفضلة، رواية جين أوستن التي أحبها أحد نهاراتي الحارة، وكل ذلك يأتي في عمل مقسم الى ثلاثة أجزاء واضحة المعالم، من حيث الفاصل التاريخي بينها، هي مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى ومرحلة الحرب والحاضر. يجمع ماكوين في روايته بين عناصر الخيال والذاكرة المتيقظة والواقعية الشديدة، وهنا يكتشف القارئ الحضور القوي لشخصيات تلعب دورا رئيسيا مهما يأتي متوازيا مع دور شخصيات حقيقية كوالده ووالدته المصابة بمرض عقلي يبدو اسقاطه واضحا على بريوني تاليس ولعبه دورا رئيسيا فيما يتعلق بتطور شخصيتها الدرامية. يدور الموضوع الرئيسي لرواية «التوبة» حول سيرة حياة بطلتها تاليس، التي يلتقي بها القارئ وهي فتاة صغيرة في الثالثة عشرة في صيف 1935 في أثناء سعيها الى التحول الى كاتبة روايته من خلال نشر أول عمل روائي «محاكمات أرابيلا» التي ترحب فيها بعودة اخيها الأكبر الذي تحبه بافراط الى البيت وتستمر في سردها لدراما عائلية تنتهي بكشف أسرار كل واحدة من شخصياتها وتغير مجرى حياتها. من جهة أخرى تذكر هذه المقدمة التي يقدم فيها ماكوين مشهدا يتعلق بحياة الطبقة المتوسطة البرجوازية في المجتمع البريطاني في الفترة ما قبل وأثناء الحرب بتقنيات روائية مشابهة يجدها القارئ في أعمال فرجينيا ولف أو هنري جرين. لكن صوت ماكوين، على الرغم من مقدمته هذه، يظهر واضحا وحتى ذاتيا الى حد بعيد وبالدرجة الأولى فان روايته تعنى بالكتابة وبكونها مصدرا للشعور بالمتعة والشعور بالألم والخطورة والأكثر من ذلك ما تمثله من تحد لدى الكاتب من حيث قدرته على السيطرة على كتابته وعلى مشاعر قرائه ومع ذلك تبدو لك الاحتمالات الكثيرة لهذا العمل بالاضافة الى اسلوب مؤلفه وتقنيته السردية وكأنها تمنح مؤلفها ضمانا بأنها تستحق الاشادة بها. في 1998، عندما فازت روايته «أمستردام» بجائزة بوكر البريطانية للأدب أكد النقاد على ان فوز هذا العمل بالجائزة جاء استنادا الى كونه المحصلة النهائية لظهوره بمستواه الابداعي الناضج بغض النظر عن مضمونه القصصي الاخلاقي المعاصر. ويروي هذا العمل قصة موت امرأة في منتصف العمر لسبب غير معروف والتفسيرات وسوء الفهم والاعترافات ومحاسبة الذات التي يبدأ عدد من أصدقائها ومحبيها بممارستها في اللحظة التي يتبعون فيها جنازتها، الدراما التي تشبه في مضمونها وقائع القتل الرحيم التي ينزلها الانسان بنفسه في حالة من اليأس ومن هذا المنطلق يبدأ المؤلف بشغل ذهن القارئ حول من سيقتل من. الواقع ان كل روايات ماكوين تبدو بالفعل تعاطيا حقيقي مع مسألة الحب من زوايا مختلفة وابعاد أخلاقية وفكرية واجتماعية متعددة تبدو وكأنها توفر نظرة واقعية والى الطريقة التي تسير بها الامور سواء كان المقصود بها تاريخنا المعاصر أو الماضي وابطاله في كل هذه الاعمال الروائية هم أناس عاديون محبون لهم علاقات اجتماعية عادية وانجازات بسيطة في الحياة لكنهم يتعرضون بسبب طموحهم وتفانيهم في حب غيرهم أو حب الخير لواقعهم الى انتكاسات غير متوقعة، كما يحدث لجو روز بطل رواية «الحب الخالد» الذي ما يكاد أن يلتقي بحبيبته ويحتفل بعودتها الى الوطن حتى تحل بهما كارثة غير متوقعة بسبب فشل تجربة الطيران بالمنطاد التي يفاجئ بها حبيبته وتقود الى موت احد المشاركين فيها وشعوره المتناقض بمزيج من الخجل وتأنيب الضمير والانتصار والبهجة. في سنة 1995 نشر ماكوين روايته السادسة «الحالم». وللمرة الأولى تخاطب هذه الرواية مستويين مختلفين من التفكير فهي تخاطب القارئ العادي والقارئ الأصغر سنا (الطفل) عبر موضوعاتها القصصية الخيالية السبعة التي يكشف من خلالها بطلها بيتر النقاب عن أسرار رحلاته الغريبة ومغامراته وانسلاخه وتحوله الى أشكال لكائنات مختلفة انسانية وحيوانية وغيرها في قالب روائي ممتع باعث على الاسترخاء رغم سوداويته وتقنيته القصصية الشديدة الاحكام.