أثبتت الاكتشافات الحديثة التي حققها علماء الاثار وهم ينقبون في حوض الامازون بأن تلك الغابات المطيرة كانت ابعد ما تكون عن البدائية حيث ترسم هذه المكتشفات صورة لمجتمع متطور بقدر واسع من المدنية. وليس هذا فحسب، بل مكتشفات الامازون يمكن ان تعلم ابناء اليوم طرقا جديدة للحفاظ على الغابات المطيرة وحمايتها. علماء الاثار متأكدون حاليا من ان حوض نهر الامازون وروافده كان يوما ما موطنا لمجتمعات يبلغ تعداد سكانها 6 ملايين نسمة. وقد تحدثت التقارير التي ارسلها اوائل المستعمرين البرتغاليين عن بلدان ومدن تمتد لأميال على طول الانهار. لكن الامراض الغريبة التي اتى بها الاوروبيون وحربهم الشعواء التي شنوها عليهم وتجارة الرقيق قد أدت الى فناء هذه المجتمعات كلها. و هكذا ماتت المدن والبلدان وغطت عليها ادغال الامازون. بقايا هؤلاء الاقوام تثبت انهم كانوا اطول قامة من الهنود الحمر وانهم عرفوا المجتمعات المتطورة، كما ان النساء لعبت في تلك المجتمعات بين الحين والاخر دورا قياديا، وبشكل مستمر يعثر علماء الاثار على سواتر العورة مثلثة الشكل التي كانوا يصنعونها من السيراميك ويثبتونها على اجسادهم بالخيوط. اولئك القوم، كانوا يكتبون وهذا ما يزيد صعوبة عمل الدارسين لحضارتهم. والتراث الشفهي للهنود الحمر المتبقين في الامازون لا يسرد الاحداث بتسلل زمني. ولهذا فهو لا يبين الفواصل بين عوالمهم المادية والروحية. كما انه من غير الثابت حتى اليوم اذا ما كان الهنود الحمر اليوم هم من نسل اولئك الذين بنوا البلدان وزرعوا الغابة على امتداد الامازون في ازمان قد تعود الى ما قبل ثمانية الاف سنة من الآن واستمرت حتى اتاها بلاء الاستعمار الاوروبي في القرن السادس عشر. ومن المحتمل ايضا ان حضارات الجبال المتطورة التي عرفتها امريكا اللاتينية مثل الانكا قد بدأت فعلا في اراضي الانهار والغابات الكثيفة داخل حوض الامازون مثل ان يخرج مؤسسوها الى الاراضي المفتوحة ليستثمروا معابر التجارة بين الجبال وعبر الانهار. ومعنى ذلك ان حوض الامازون هو مهد حضارات امريكا اللاتينية. لكن النقطة المهمة الآن هي ان الملايين من اولئك البشر قد عاشوا وعملوا وبنوا مدنهم داخل الغابة دون ان يتسببوا لها بأي ضرر. فهل يعلمنا ذلك شيئا؟! بالكاد بدأ منقبو الامازون حاليا بتجميع الصورة المجزأة الضخمة لمجتمعات منفصلة وتعيش حالة من الرخاء النسبي. وعمل هؤلاء ليس بالشيء اليسير. فان تكن منقبا في الامازون يعتبر عملا بالغ الصعوبة لاتساع الارض وكثرة المخاطر. وفي العام الماضي كان ادواردونيفيز وهو احد كبار علماء الاثار في البرازيل على وشك الموت حينما لدغته افعى. وخبراء الاثار على الرغم من هذه المخاطر فانهم يتابعون عملهم بدون اكتراث. وهذا التناقض بين الحياة الاكاديمية والاثار على نمط بطلة فيلم انديان جونز يجعل من الاخيرة مجرد شيء واه. لكن معايير السياحة البرازيلية قد حولت شكل الامازون في بعض المناطق. فعلى امتداد النهر يعثر المرء على مزارع وبعض المنتجعات ايضا حيث يمارس السياح رياضة التزلج بالدراجات المائية فوق مياه النهر. كما ان الدروب تحولت الى طرق معبدة. وستظهر الفنادق في تلك المناطق قريبا. ومع ان الامر يبدو وكأنه إساءة لهذه الطبيعة البكر الا انه سيجلب معه فرص العمل والمال لابناء الامازون كما انه سيفرض الحفاظ على هذه الغابات لأنها بالضبط ما يريد السياح رؤيته اصلا حين يأتون للمكان. يقول نيفيز ان الحضارات القديمة هي المفتاح لحوض الامازون والسياحة فيه. وحتى الآن تعرف مدنيات مثل ماراجوارا وماراكا قرب مصب النهر العظيم حيث اكتشفت مقابرهم وبقايا منازلهم من قدور وفخار وغيره. كما برزت للضوء مؤخرا مصنوعاتهم الاكثر تقدما مثل السيراميك المزخرف في منطقة سانتاريم. وما يشد نيفيز وزملاءه من داخل البرازيل ومن الباحثين الدوليين للمنطقة حاليا هو الأمل بكشف المجتمعات البائدة الاخرى عند اعالي النهر. ومع أن هؤلاء الاقوام كانوا ينتشرون بكثافة سكانية نسبيا على جوانب النهر الا انهم كانوا يزرعون تربة الغابة المطيرة الفقيرة ويتمكنون من تحسين غلال محاصيلهم دون الاضرار بالغابة. وهناك ادلة حاضرة على مقدرتهم على تحسين طبيعة التربة. بل ان التربة الجيدة هي الدليل اليوم على وجود بلدة قديمة تحتها فحالما يعثر المستكشف على تربة سوداء اللون يعني انه عثر على بلدة. ذلك ان تربة الغابة الرملية صفراء اللون تربة فقيرة لا يمكن ان تعطي الحياة الا لنباتات عشبية هزيلة. وحالما تفقد الاشجار التي فوقها فانها تنجرف فورا لتظهر تحتها تربة سوداء اللون وغنية بالمخصبات وهو ما يدعوه عالم الحضارات الانجليزي كولين ماكيوان الذي يعمل حاليا في الامازون «تركيبة عجيبة للتربة». ومزارعو اليوم يعرفون خصوبة هذه التربة السوداء ولذلك فهم يسرعون لوضع اليد عليها وزراعتها. كما انها مليئة بالبقايا الفخارية لمن زرعوها قبلهم. وكل ما عليهم هو العثور على هذه البقايا وتنظيفها من الرمل لتظهر بين ايديهم نماذج عن فنون حضارة الهنود الحمر. وبغض النظر عن كيفية اندثار تلك الحضارات امام غزو الأوروبيين وما تبقى خلفهم من اثار شاهدة عليهم فان الخبراء يعتبرون ان اهم ما تركوه وراءهم هو الدرس المهم حول استثمار المكان دون تخريبه. جلال الخليل