يبدو أفجيني بود كلتنوف بكامل قواه العقلية، ولا يمكن لأحد ان يتهمه بالجنون حتى وهو يمسك القرص فائقة الناقلية، الذي يقول انه استخدمه لتقليص تأثير الجاذبية الارضية. ولقد أثار ادعاء هذا المهاجر الروسي الذي يعيش في مدينة تامبير بفنلندا عاصفة جعلته يخسر عمله في جامعة تامبير للتقنية قبل خمسة أعوام. ويعمل بود كلتنوف الآن كباحث في المواد فائقة الناقلية بجامعة تامبير المجاورة لكنه لن يتنازل عن سعيه الدؤوب لجعل الاوساط العلمية تأخذه على محمل الجد. يقول بودكلتنوف ان علماء آخرين اعادوا تجربته بنجاح كبير، وفي الوقت الراهن على الأقل، فإن العلماء المتنفذين في العالم بدأوا يبرئون ساحته لفقدان الأدلة على ادانته بارتكاب خطأ علمي جسيم. كما ان الباحثين في جامعة تورنتو الكندية ووكالة الابحاث الفرنسية وحتي في شركة بوينج الامريكية جميعهم يريدون منه تكرار تجربته المثيرة للجدل على حد قوله. وربما أهم من ذلك كله ان وكالة الفضاء الامريكية «ناسا» أعربت عن استعدادها لاختبار الفكرة بنفسها. بعد تأخير دام عامين سيتسلم رون كوكزور وزملاؤه في مركز مارشال للطيران الفضائي التابع لـ «ناسا» قريبا آلة يعتقد كوكزور انها بامكانها تحصين المادة من الجاذبية. لقد اقنع كوكزور وكالة «ناسا» بدفع 600 الف دولار لشركة المكونات فائقة الناقلية «اس.سي.آي» في أوهايو مقابل بناء نسخة في جهاز بود كلتنوف واذا عملت هذه النسخة فعلا، كما ادعى العالم الروسي فإنها ستغير طريقة تفاعلنا مع قوة أساسية في الطبيعة، ألا وهي الجاذبية الأرضية. وذلك كما يقول كوكزور، سوف يغير كل شيء آخر، إذ انه سيجلب نهاية صواريخ الفضاء ومحركات الاحتراق الداخلي ويعلن ميلاد مركبات فضائية وسيارات وطائرات تقتصد في استهلاك الطاقة وتسير على قوة الجاذبية وانبثاق فرع جديد في الفيزياء النظرية. يعي كوكزور تماما ما سيقوله النقاد، لكنه يعتقد ان هناك اشارات خفية الى ان التجربة قد تنجح، وهو مصمم على ابقاء ذهنه مفتوحا على كل الامكانات والافكار، مهما كانت غريبة. هذا النوع من التحري العلمي يقع في صلب اهتمامات مركز مارشال الذي يبحث عن مصادر غريبة وجديدة للوضع، وبطبيعة الحال فإن المردود المحتمل في هذه الجهود هائل لدرجة ان الأمر يستحق بذل بعض الجهد لمتابعة فكرة بود كلتنوف حتى النهاية كما يقول كوكزور. ادعاءات بودكلتنوف لكن ذلك «الجهد» هو في جوهره ليس سوى رهان على ادعاءات بودكلتنوف. ففي عام 1992 نشر هذا الباحث ورقة بحث يصف فيها كيف اكتشف بمحض المصادفة تأثير «حجب الجاذبية» بينما كان ليجري اختبارا روتينيا على أحد نماذج الموصلات الفائقة قيد التطوير. ولم يورد بودكلتنوف تفاصيل وافية عن اكتشافه، لكنه أجمل الأساسيات فيما يلي: أولا يتم صنع قرص فائق الناقلية بقطر 145 ملليمترا وسماكة 6 ملليمترات، وفقا لوصفة كيماوية لم يفصح عنها بودكلتنوف. ثم يتم تبريد القرص الى درجة 233 تحت الصفر وبعد ذلك يصار الى جعله يطفو في الهواء تحت تأثير مجال مغناطيسي. وأخيرا يطبق عليه تيار كهربائي بتردد 155 كيلوهرتز على أسلاك تحيط بالقرص. التيار الكهربائي يدور حول نفسه في المجال المغناطيسي المتغير باستمرار، وكأنه محرك كهربائي. الى الآن ليس هناك ما يدعو للاستغراب والاستهجان. لكن بودكلتنوف ادعى انه عندما كان القرص يلف حول نفسه بسرعة 5000 دورة بالدقيقة كانت الاجسام التي توضع عليه تفقد نحو 1% من وزنها وبزيادة سرعة الدوران، كان الوزن ينقص أكثر. وقال انه شهد في تجارب لاحقة انخفاض وزن الاجسام الموضوعة فوق القرص بنسبة وصلت الى 2%. وخلص بودكلتنوف الى ان هذا الجهاز يستطيع بطريقة أو بأخرى تقليص قوة جاذبية الارض لأي جسم موضوع فوقه، وارتأى ان يسميه بجهاز «حجب الجاذبية». وبتثبيت نسخة أقوى من هذا الجهاز في أسفل مركبة فضائية يمكن الحصول على دفع صاروخي يصنع التاريخ من جديد، إذ ان المركبة لن تحتاج عندها لأكثر من دفع بدائي ضئيل للغاية حتى ترتفع عن الأرض شاقة طريقها الى الفضاء. وكذلك ستطال الثورة التي قد تنجم عن مثل هذا الجهاز النقل الأرضي ايضا فصول كبيرة في الفيزياء النظرية. وفي حين تحاول أطراف علمية اخرى عديةد في انحاء مختلفة من العالم تجريب هذه الفكرة المثيرة التي تبدو جنونية للوهلة الأولى، يعكف بودكلتنوف على متابعة أبحاثه بصمت ويقول: «أنا لست رجلا ثريا، لكن لدي مصادر تمويل مشروعات اخرى. ولا أتردد في انفاق كل ما أملك على أبحاث الجاذبية، انها حلم حياتي وهوايتي وغايتي القصوى». شوط جديد ويقول انه أحرز شوطا جيدا من التقدم وانه بمساعدة اصدقاء له في مختبر كان يتبع في يوم لمعهد موسكو لدرجات الحرارة العالية استطاع ان يبني «مولد جاذبية دافعة» يطلق موجات نابضة ـ ناتجة عن قرص فائق الناقلية يدور محملا بشحنة قوية ـ قادرة على اسقاط كتاب موضوع على طرفه على بعد أكثر من كيلو متر. تتميز الموجة النابضة بنفس خاصيات حقل الجاذبية على حد قول بودكلتنوف، فهي تشق طريقها حتى عبر صفيحة فولاذية سماكتها انش، والقوة المتأتية عنها تتغير فقط وفقا لكتلة الجسم المستهدف، وليس وفقا لمادته المكونة أو خصائصه الكيماوية الكهرومغناطيسية. ويعتقد بودكلتنوف ان هذا الجهاز قد يستخدم في يوم ما لتوفير قوة الدفع الضئيلة اللازمة لرفع القمر الصناعي من مدار الى آخر أو حتى حرف الصواريخ المقبلة عن مسارها. ويقول «انه جهاز قوي للغاية وأنا الآن بصدد التحضير لمشروع مستقبلي يخص «مولد الجاذبية» مع شركات اوروبية جادة، لكنه لم يكشف عن اسماء هذه الشركات قائلا: انه وقع معها اتفاقات تلزم الطرفين بحماية سرية المشروع». ولا تعرف ناسا الى الآن ما اذا كانت قد اندفعت في نفق مسدود متأثرة بحماس بودكلتنوف لكن كوكزور يعتقد انه سيحصل على الاجابة على هذا السؤال قريبا. ويقول: «ان اجراء التجربة بكافة مراحلها سيستغرق ستة أشهر كحد أقصى وبعدها سنحصل على النتيجة، فإذا فشلت التجربة في اثبات مصداقية تجربة بودكلتنوف ستكون تلك نهاية الأمر برمته، لكن اذا نجحت التجربة واستطاع الباحثون تخفيف قوة الجاذبية، عندها لا يمكن حتى حصر امكانات المستقبل، من يدري؟ ربما نشاهد الاغنام تطير في نهاية المطاف. علي محمد عن «نيو ساينتست»
