لم تقلق لدميلا كثيرا حينما قيل لها انها تحتاج لجراحة لإزالة ورم على غدتها الكظرية، فقد شعرت العالمة البالغة من عمرها 47 عاما بأنها محظوظة لكونها وفرت بعض المال لوقت الصيف الضيق وستتمكن من اجراء الجراحة لدى جراح اوكراني ماهر. وبعد خضوعها للجراحة وافاقتها من التخدير كانت لدميلا وهي ام لفتاتين مراهقتين واعية لاصابع الاطباء الضاغطة بقوة على بطنها الى حد آلمها لكنها كانت ضعيفة لدرجة لم تقو معها على سؤالهم عما كانوا يفعلون. وفي وقت متأخر من مساء اليوم التالي خضعت لدميلا لسلسلة اخرى من الفحوصات والمزيد من الضغط على البطن ومرة اخرى دون تقديم اي تفسير. ثم لاحظت لدميلا ان الدكتور ايجور بافلوفسكي ابن جراحها البروفيسور ميخائيل بافلوفسكي اختفى في الغرفة المجاورة ثم اجرى المكالمة الهاتفية التي كانت ستدمر حياتها. فقد سمعت لدميلا الدكتور ايجور يقول لشخص ما بأنه يشك في انها، اي لدميلا ستعيش حتى الصباح، ولذا فإنهم سيضطرون الآن لاستئصالها، اصيبت لدميلا بحالة من الارتباك الشديد اذ انها لم تكن تشعر ان ساعة وفاتها قريبة بل على العكس من ذلك احست بأنها بدأت تتعافى. عاد الطبيب وابلغها بأنها تواجه بعض المشاكل وانها بحاجة للخضوع فوراً للمزيد من الجراحة وشرح لها ان احدى كليتيها تدعو للقلق، ورغم انها لم تكن تشعر بشيء فقد اقنعها الطبيب بأن كليتها تنزف بشكل سيء عقب الجراحة. وتتذكر لدميلا كيف كان الدكتور ايجور مصراً على ضرورة اجراء الجراحة، وكونها عالمة فقد ارادت تفسيراً علميا للمشكلة لكن هذا هو الرجل الذي سمعته يتحدث عن وفاتها فكيف تستطيع الجدال معه؟ وافقت لدميلا على اجراء جراحة اخرى على مضض، وتم تحديد تاريخ 8 مارس في العام الماضي الذي يصادف ايضا الذكرى العشرين لوفاة والدها الامر الذي اشعرها بالتشاؤم فتوسلت الى الطبيب لكي يؤجل الجراحة حتى اليوم التالي، وهكذا بعض مضي عشرين دقيقة على منتصف الليل في التاسع من مارس نقلت لدميلا الى غرفة العمليات وعندما افاقت من المخدر شعرت لدميلا انها في غاية السقم لكن الدكتور ايجور ووالده ميخائيل طمأناها بأن كل شيء على ما يرام فقد تم تصحيح مشكلة كليتها واكد لها بانها سرعان ما ستشعر بالتحسن لكن ذلك لم يحدث عقب عدة أيام من الجراحة خضعت لدميلا لفحص من قبل طبيبة اخبرتها بأنها ليست مرتاحة لنتائج فحوصاتها ونصحتها بمراجعة مختص في المسالك البولية. امضت لدميلا شهراً في المستشفى وبعد ستة اسابيع من الجراحة تلقت مكالمة هاتفية جلبت معها صدمة حول حقيقة ما جرى لها في غرفة العمليات في عيادة بمدينة لفوف غرب اوكرانيا فقد خابرتها امرأة لتقول لها: هل تعرفين انهم استأصلوا كليتك؟ وقبل ان تجد لدميلا وقتاً للرد اغلقت المتصلة الهاتف. تقول لدميلا انها ذهلت لما سمعته وسارعت بالذهاب الى طبيب العائلة الذي ضحك وقال انه من المستحيل ان يحدث شيء كهذا دون ان يذكر في ملفها الطبي، وشعر بأن الفكرة غاية في السخف والحمق الى حد انه لم يكن مقتنعا باجراء فحص الموجات فوق الصوتية. حاولت لدميلا مواصلة حياتها بصورة طبيعية لكن صحتها ظلت معتلة. لم تفارق الشكوك نفسها فلو كانت العملية الجراحية الثانية ضرورية وملحة الى ذلك الحد فلماذا سمحوا لها باقناعهم بتأجيلها لما بعد ذكرى وفاة والدها؟ عادت لدميلا الى طبيبها واصرت على اجراء فحص الموجات الصوتية وتأكد ما ابلغته بها المتصلة الغامضة فكليتها اليسرى والسليمة كانت مفقودة. توجهت لدميلا في الحال الى قسم الشرطة للابلاغ عن الحادثة وفي رسالة مدهشة تلقتها من البروفيسور بافلوفسكي الاب اعترف بما حدث واعتذر حتى عن عدم اخبارها عن كليتها مبرراً ذلك بالقول بأنه حاول مراعاة مشاعرها عقب الجراحة سيما وانها كانت تتألم بشدة. ذهلت لدميلا ووجدت صعوبة في تصديق مدى الاساءة التي خضعت لها على يدي بافلوفسكي الاب والابن وتقول بنبرة غاضبة لقد اعترفا باستئصال كليتي دون علم مني ألا يعرف ان الاشخاص الذين يعيشون على كلية واحدة يحتاجون عناية خاصة وإلا فإنهم يمكن ان يموتوا؟ اين الكلية؟ ولدميلا لن تعرف على الارجح ما حدث لكليتها، لكن في ابريل من العام الماضي بدأت الشرطة تحقيقات في قضية الاتجار بالاعضاء البشرية متورط فيها اطباء بعصابات مافيا ويقول فلاديمير كوتشير رئيس قسم الجريمة المنظمة في مركز شرطة لفوف ان حالة لدميلا التي تم خلالها استئصال كلية بدون علمها نادرة فنحن على علم بمخططات اخرى كأن يتعرض احد ما لحادث سيارة ويؤخذ في حالة غيبوبة الى قسم الطواريء في المستشفى نفسه الذي تعاملت معه لدميلا ويتم فحص الكلى فاذا ما وجدتا في حالة سليمة يسجل الطبيب المصاب ميتا ثم تزال اعضاؤه وبالطبع فإن المريض يتوفى مباشرة عقب ذلك. والسوق السوداء في اعضاء الجسم تنمو بشكل مقلق في هذا الجزء من أوروبا حيث يبلغ متوسط الاجر الاسبوعي للفرد خمسة جنيهات استرلينية. وتقدم العصابات اغراءات للنساء تتراوح بين 2000 و7000 جنيه استرليني لبيع كلاهن ويتم بعدها بيعها الى زبائن اثرياء بمبالغ قد تصل الى اكثر من مئة الف جنيه استرليني. ويضيف كوتشير انه يتصور انهم يتعاملون مع عصابات منظمة فسلسلة المجرمين تتألف من اطباء واداريين في مستشفى لفوف المركزي الذي اجرت فيه لدميلا عمليتها. وينفي بافلوفسكي الاب والابن ارتكابهما لأي خطأ ويعترفان بأنهما كان ينبغي ان يبلغا لدميلا انهما استأصلا كليتها لكنهما يصران على انهما فعلا ذلك من اجل انقاذ حياتها. لكن المدعي العام ايفان شبيرا اكتشف 23 تعارضا في سردهما لتفاصيل قصة العملية وهو يشتبه على وجه اخص في امر اختفاء الكلية وعدم وجود تفسير للامر آنذاك وتشتكي لدميلا انها وضعت ثقتها في الدكتور بافلوفسكي وانها دفعت له اجراً عالياً لكنه اساء اليها بشكل بالغ الى حد انها باتت تشعر بأن سرقة كليتها دون استئذان تم بيعها بهدف الربح هو اشبه بعملية الاغتصاب. وتضيف انها متيقنة انها ليست المرأة الوحيدة التي تقع ضحية لمثل هذه الجريمة وتخشى ان يوقع هؤلاء المجرمون بنساء لا يعرفن كيف يطالبن بحقوقهن. ولذا فهي تأمل ان تكون الضجة التي اثارتها قضيتها في وسائل الاعلام سببا في عدم تكرار ذلك. اما زوج لدميلا فيضرب كفاً بكف ويتساءل: كيف يمكن لمثل هذه البشاعة ان تحدث في مجتمع متحضر؟ ابتسام احمد
