على صدى المقاهي التي شكلت منتديات ثقافية في عواصم عربية ثم خبا جمرها أو صار رماداً التي تعرضت لها في هذه المساحة قبيل أسابيع معدودة أهداني الصحافي العراقي رزاق إبراهيم بحثاً ممتعاً خلاصته أن بغداد عرفت كذلك هذا الطراز من المقاهي. فعلى امتداد شارع الرشيد الطالع من نهر دجلة نهضت سلسلة من المقاهي التي توقدت منها الثقافة والسياسة. من تلك مقهى الزهاوي على رأس جسر الشهداء الذي يربط بين الكرخ والرصافة ـ مسرح عيون المها، حسب بيت الشعر الموروث ـ ومقاهي البلدية، حسن الأعجمي، البرلمان، البرازيلية، البيضاء، عارف، الدفاع، اللطافة ومقهى ياسين. تعاقب أجيال من المبدعين العراقيين على مقاعد المقاهي وأضافوا إليها من بريقهم مثل المناقشات التي كانت تدور بين الشاعرين الزهاوي والرصافي في مقهى الزهاوي. واكتسب مقهى حسن عجمي الكثير من شهرة الجواهري وكمال الجبوري وعرف مقهى البلدية بلند الحيدري ورشيد ياسين وبدر شاكر السياب. وشكل صفاء مصطفى وكمال القبسي حلقة في مقهى الدفاع بينما كان يتحولق في مقهى كافيه السويس جبرا إبراهيم جبرا وجواد سليم ونجيب المانع ونزار الملائكة وكاظم التميمي. وفي مقهى البرازيلية كان يجلس عبدالوهاب البياتي وكاظم جواد وعبدالملك نوري وحسين مروان الذي قاس مراحل تطور الحركة الأدبية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات على إيقاع حركة هؤلاء المبدعين داخل المقاهي. في عقد الستينيات صارت هذه المقاهي البغدادية منتديات ثقافية جذبت عشرات الشعراء والقصاصين والكتّاب والمسرحيين من أنحاء العراق فأقاموا في فنادق أو بيوت متواضعة في العاصمة وعمدوا إلى استثمار فراغهم العريض، كل على طريقته ونسجوا شبكة من العلاقات خاصة الذين دأبوا على ارتياد مقهى البلدية مثل سامي مهدي، حميد سعيد، خالد الحلي، شريف الربيعي، محسن الموسوي وعبدالقادر الجنابي. ومن مقهى ليالي السمر خرجت باكورة أدباء عقد الستينيات فصدر «السيف والسفينة» لعبدالرحمن الربيعي «وزمان الفجيعة» لسامي مهدي ثم تدفقت الاصدارات من مقهى البرلمان وشهد مقهى ياسين ميلاد مجلة «شعر 69». وتحولت المقاهي الى بؤر استقطابات أيديولوجية تداخلت في ثناياها التوجهات السياسية. ذات فجر عبرت عربة طحين أمام مقهى البرلمان ثم الزهاوي باتجاه المخفر تقل الشاعر بدر شاكر السياب مُكبلاً. رغم أن الموجودين في مقهى البرلمان كانوا من خصوم نور السعيد وكان رواد مقهى الزهاوي منافسين لجماعة البرلمان، إلا أن مشهد السياب ألزمهم الصمت جميعاً. كانت تلك العربة ملهمة السياب لقصيدته «المخبر». بعض المقاهي أتاحت فرص مزج المواهب وتغذيتها إذ برزت مواهب شعراء في الرسم وكتّاب في التشكيل وتشكيليين في الكتابة ضمن التفاعل بين هؤلاء المبدعين. بعض الروائيين قدموا أعمالاً محورها المقهى مثل عبد عون الروضان صاحب «ربيع في صيف ساخن» وعبدالخالق الركابي صاحب رواية «سابع أيام الخلق». شهد مقهى البرلمان صدامات بين البنيويين والتيار الكلاسيكي في النقد الأدبي ألهمت الدكتور مالك المطلبي كتاباً اسماه «غريزة المقهى». مقاهي الأعظمية جذبت كذلك طلاب كليات الحقوق والهندسة ودار المعلمين. وتحول مقهى ريفولي ملتقى لـ «البرجوازيين» حسب تصنيفات ذلك العهد إذ يرتادها شخصيات من أمثال عبدالوهاب الشيخلي، حافظ قباني، بلند الحيدري وجبرا إبراهيم جبرا. مثل حال معظم مقاهي العواصم العربية فقدت مقاهي بغداد أريجها واندثر بعضها. لا يزال مقهى الزهاوي قائماً وحسن عجمي كذلك لكنهما لم يعودا يضجان بتلك الحيوية، وأعيد مقهى البيروتي إلى الحياة ولكنه خالٍ من المبدعين وتحوّل مقهى البرلمان إلى مطعم ومكتبة وأصبح مقهى عارف ورشات حرفية ونهضت المكتبة الوطنية على أنقاض مقهى البلدية. ابتلع مشروع الجسر الجديد مقهى طارق الذي حاول وراثة مقهى اللطافة الذي كان ملتقى سياسيين عراقيين وعرب وافدين ونهضت عمارة تجارية مكان مقهى ياسين الذي كان ملتقى للسياسيين والأدباء.