تعتبر جبال الجات الغربي في الهند وغطاؤها النباتي من الاشجار المطيرة الكثيفة موطنا وحيدا لمجموعة واسعة من أشكال الحياة الحيوانية والنباتية التي لا توجد في مكان آخر. لكن هذا العالم الفريد آخذ في التفكك سريعا بعد ان أصبح ضحية لتعداد السكان المتزايد بسرعة صاروخية في الهند ولحركة التطوير السريعة في البلاد. غير ان هذا الواقع بدأ بدق ناقوس الخطر في أذهان الكثيرين من أهالي المنطقة الذين ينظمون أنفسهم الآن ضمن جماعات ضغط لانقاذ هذه الجبال، قبل ان يصبح الوقت متأخرا جدا فلا يسمح بالقيام بأي شيء لحماية الغابة وحماية سكانها من البشر ايضا. في صباحات المنطقة الدافئة تطل قمم التلال، في محمية كودريموخ الوطنية في ولاية كارناتاكا الهندية الجنوبية، لتبدو للناظر اليها وكأنها تمتد الى ما لا نهاية، مشكلة مزيجا عجيبا من الامتدادات العشبية والغابات المطيرة الكثيفة. ولا يبدو على المنطقة أي أثر لوجود الانسان فلا صوت سوى تغريد الطيور وطنين الحشرات المنبعث من أعماق الغابة. ومن الطبيعي جدا للقادم الجديد الى المنطقة ان يعتقد مباشرة ان سلسلة جبال الجات التي تمتد قرابة ألف ميل بموازاة السواحل الهندية الجنوبية الشرقية لاتزال، بشكل خرافي، بكرا لم يمسسها بشر بسوء. وتمثل جبال الجات مصدر الماء الرئيسي لشبه الجزيرة الهندية نتيجة لكميات الامطار التي تهطل عليها قبل ان تجري نحو السهول، وتغذي الانهار في البلاد. في كل سنة وابتداء من شهر يونيو تتجمع الغيوم السوداء العاصفة مقبلة من المحيط الهندي لتعترضها سلسلة الجبال هذه وتحصل على معظم حمولتها من المياه، الأمر الذي يجعل معدل الهطول السنوي للامطار فوقها يتجاوز 29 بوصة، قبل ان تختفي هذه الغيوم بالقليل من الرطوبة التي تبقت فيها نحو الأراضي الداخلية. وينطلق من هذه الجبال أكثر من 60 نهرا وعدد لا يحصى من الجداول نحو الغرب. كما تمضي نحو الشرق ثلاثة من أهم أنهار الهند، وهي جودافاري وكريشنا وكوفري لتروي ظمأ جنوب البلاد كلها. ولكون جبال الجات موجودة في المنطقة الاستوائية، فإنها لا تعرف بردا يمكن ان يحد من تنوعها الحيوي النباتي والحيواني. وهي لاتزال حتى اليوم تفاجيء العلماء والباحثين بالمزيد من الانواع الحية التي لم تكن معروفة من قبل. وكانت محمية كودريموخ الوطنية قد أسست في المنطقة عام 1987 بهدف رئيسي هو حماية قرود الماكاو الفريدة الخاصة بها، والتي تتعرض لخطر الانقراض نتيجة التدخل البشري في موطنها. وكان الاستغلال الجائر لغابات المنطقة قد بدأ أيام الاحتلال البريطاني للهند، قبل ان يتسارع معدله مع استقلال الهند عام 1947 نتيجة الحاجة المتزايدة باضطراد للسكان والتنمية. هذا بالاضافة الى التدخل البشري في تغيير الغطاء النباتي للسلسلة الجبلية، حيث أخذت أشجار الايكاليبتوس على سبيل المثال التي أتي بها من استراليا تحل محل أشجار الغابة الاستوائية على المنحدرات. وفي السفوح متوسطة الارتفاع ضاعت أشجار الغابة أمام تقدم حقول الشاي والبن والكاجو وغيره من المحاصيل النقدية الى جانب مناجم المعادن والطرقات ومشرووعات الرعي والسدود الكهرومائية الضخمة. وحتى في الأماكن التي يبدو فيها الغطاء النباتي بكرا للناظر اليه من الطائرة، فإن البشر يكونون على الأغلب غير ظاهرين تحته، وهم يعيثون فيه فسادا، إما بصيد الحيوانات في انتهاك صريح للقانون أو يشعلون الحرائق للتخلص من الغابة أو يغيرون طبيعة الغابة بشكل لا يمكن اصلاحه بجمعهم لكميات كبيرة من المنتجات الطبيعية المطلوبة من قبل تجار التصدير، مثل الفواكه البرية لمنتجي الاغذية المعلبة أو الخشب لمنتجي المفروشات أو الاعشاب لمنتجي الادوية الطبية، وهذا كله على الأغلب يذهب لأسواق الغرب. وحتى في كودريموخ التي من المفترض ان تكون محمية، تتعرض جبال الجات للاعتداء والمحمية التي قد تبدو كبيرة لدى النظر اليها من قمم الجبال، هي صغيرة نسبيا حيث لا تزيد مساحتها على 230 ميلا مربعا. ومن الطائرة تبدو مناجم شركة تعدين الحديد في كودريموخ التي عملت 30 عاما متواصلة، وقد أزيلت بأكملها فيما لاتزال السفوح الجريحة ممطرة كندوب في وجه الجبال الخضراء ومحولة الوادي الاخضر الى بحيرة من الركام الأحمر. العواصف المطيرة وخلال العواصف المطيرة التي تبدأ في قلب منطقة التعدين وتسقي مئات الألوف من البشر تتدفق الانهار حمراء بلون الدم، فيما عدة أميال على جانبي تدفق المياه أصبحت سوداء اللون من رواسب خام الحديد التي تهدد الآن بالقضاء على الأراضي التي تصلها عبر المياه. ومع نهاية القرن العشرين تقلصت ما كانت تقدر في بدايته بأنها 62 ألف ميل مربع من الغابات البكر في جبال الجات الى ما يقل قليلا عن 5 آلاف ميل مربع. ومما زاد الأمر سوءا ان الحكومة المركزية في نيودلهي كانت تقف سابقا الى جانب دعاة حماية المنطقة، الا ان الحكومة المركزية الى حكومات الولايات التي لدى كل منها برامج عملها الاقتصادية الخاصة التي لا تلتفت في كثير من الاحيان للقضايا البيئية. وتشهد الولاية الآن معركة حامية الوطيس في ساحات القضاء بين الحكومة التي مددت حقوق التعدين في المحمية لشركة الحديد وعدة منظمات أهلية، ترفض هذا الاجراء لتهديده الحياة الطبيعية فيها.. فهل ستكون للحياة البرية وحقوقها اليد العليا في هذه المواجهة؟.. هذا ما سيوضحه المستقبل القريب! ترجمة: جلال الخليل عن «ناشيونال جيوجرافيك»
