للوهلة الاولى قد يخيل للمرء ان المكان ليس سوى رقعة خاوية في منطقة توشك المصانع ان تطبق عليها بجنوب خليج سان فرانسيسكو، فالى الغرب هناك برك ملح صناعية عملاقة والى الشرق هناك وفرة من الطرق السريعة وخطوط الطاقة ومواقف شركات الانترنت المتنامية بسرعة وحتى وقت قريب كان دعاة حماية الموارد الطبيعية يهملون هذا المكان باعتباره غير جدير باهتمامهم. لكن هذه الرقعة من الارض ـ التي كانت يوما مرعى للخيول وقبل ذلك حقل شمندر هي في حقيقة الامر احدى اثمن الجواهر البيئية في منطقة خليج سان فرانسيسكو فهي جزء من بقايا البرك الموسمية او الربيعية الموحلة التي كانت مبعثرة في المنطقة قبل وصول المستوطنين الاوروبيين. وقد اكتشفت القيمة الحقيقية لهذا الكنز المخبأ بفضل التنقيب التاريخي فائق العناية الذي قام به معهد «حصب سان فرانسيسكو» (سفاي) وهو مركز غير حكومي للابحاث البيئية يقع مقره في مدينة ريتشموند، التي يفصلها الخليج فقط عن سان فرانسيسكو ويعتبر معهد «سفاي» من ابرز المراكز العلمية في العالم في نزعة انتهاج المصادر التاريخية بصورة اعمق واشمل في جهود تجديد المواطن الطبيعية الاصلية للكائنات، وبتجميع الخرائط القديمة ودفاتر يوميات المستوطنين الاوائل، وغيرها من المصادر التاريخية التي كثيرا ما كان يتجاهلها علماء البيئة السابق، استطاع الباحثون في المعهد رسم خريطة لمنطقة الخليج كما كانت تبدو عليه عندما وصل الاوروبيون، قبل قرابة 200 عام. وتشير النتائج التي خلص اليها هؤلاء الى ان حقيقة الماضي البيئي للمنطقة تختلف كثيرا عما كان يعتقد الناس، وهذا بدوره غير مايرمي اليه دعاة حماة الموارد الطبيعية من تجديد المواطن الطبيعية الاصلية واحيائها كما تظهر الخرائط ايضا ان اجزاء ضئيلة في الماضي لا تزال باقية مندسة وسط خليط يبدو عشوائيا من المناطق السكنية ومواقف السيارات ومستودعات الشركات والحقول المهملة. الاحياء والتجديد من بين اولئك الناجين المذهلين البرك الموسمية معظم علماء البيئة كانوا يظنون ان بدلا المياه الموجودة في منطقة الخليج اليوم ليست بركا ربيعية حقيقية لان المنطقة لم تشهد قط وجود مثل هذه البرك لكن حسب خرائط معهد «سفاي» فان هذه البرك كانت تحتل شريطا عريضا يمر على طول ما اصبح طريقا سريعا ضمنا يربط بين مدينتي فريمونت وهايورد، ويقول كارل ويلوكس، مدير التخطيط الاقليمي لشئون حماية الموارد الطبيعية في ادارة الاسماك والالعاب بكاليفورنيا: حالما تراها على الخارطة تفهم سبب وجود هذه البرك الضحلة اليوم ولو لم نحصل على ا لصورة التاريخية، لما ادرك الناس اهمية وخصوصية المنطقة بوصفها جزءا من بقايا فريدة لنظام ايكولوجي غابر. كل محاولات الاحياء والتجديد ينبغي ان تبدأ بتكوين فكرة اولية، على الاقل، عن كيف كان المنظر الطبيعي يبدو في يوم من الايام، لكن قلة محدودة من الجهود السابقة يمكن ان تضاهي الرؤية الشاملة التفصيلية التي قدمتها خرائط «سفاي» عن تاريخ النظام البيئي للمنطقة، وتقدم الخرائط التي تعتبر جزءا من مجموعة وثائق بعنوان «الاطلس البيئي لمنطقة الخليج» تقدم رسوما ايضاحية لمعالم طبيعية يصل صغرها الى حدود 11 قدما مربعا في انحاء المنطقة التي تقع على مساحة 4000 كيلومتر مربع تقريبا، وتم انتاج الخرائط في اطار مشروع الايكولوجيا التاريخية الذي استهله عالم الاراضي الرطبة جوش كولينر عام 1993 للمساعدة في ارشاد علماء حماية الموارد الطبيعية في اعادة احياء المصب الخليجي. وقد جمعت معلومات من اكثر من 1000 وثيقة للاستفادة منها في رسم الخرائط، وتتضمن تلك المصادر خرائط تعود للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ورسومات وصور فوتوغرافية قديمة وكراريس عن التاريخ المحلي للمنطقة وحوارات مع مقيمين مسنين ودفاتر يوميات المستكشفين والمستوطنين وعلماء الطبيعة الاوائل، واستغرق الامر من العالم روبين جودسينجر وزملاؤه في المعهد عامين كاملين لجمع هذه المصادر رغم انهم استخدموا جيشا من المتطوعين ويقول جروسينجر: كانت المصادر مبعثرة في انحاء مختلفة من المنطقة في الجمعيات التاريخية وعليات المنازل والمذكرات المحفوظة مع الوثائق القديمة المهجورة، ولقد اهمل العاملون السابقون في هذا المجال الوثائق التاريخية، لسبب عدم التأكد من دقتها، وعدم توفر كم كاف منها. لكن معهد «سفاي» القى ظلالا علمية على هذه السجلات وطور نظاما لتقييم ارجحية ـ ممكن، محتمل، مؤكد ـ وجود وحجم وموقع كل مشهد بارز من معالم المنظر الطبيعي للمنطقة . وهذه الرؤية المتغيرة لاهمية التاريخ في جهود التجديد الايكولوجي آخذه بالانتشار الى خارج حدود منطقة خليج سان فرانسيسكو، اذ هناك الان جهود مشابهة قيد العمل لأنهار منطقة سياتل، وخليج تشيسابيك والوادي العظيم وغيرها من البيئات في انحاء العالم، وفي بريطانيا يعكف ايان روترهام وزملاؤه في جامعة شيفيلد هلام على التنقيب في تاريخ الاراضي السبخية الرطبة والغابات والمروج المحلية. ويمكن القول انه بفضل معهد «سفاي» ودراسته المتأنية للتاريخ، فان الماضي عاد لينبثق من جديد من حول منطقة الخليج جنبا الى جنب مع القرن الواحد والعشرين، وعلى مرمى النظر من خط افق سان فرانسيسكو المتلاليء، وكما يقول جورسنيجر فان المنظر الطبيعي التاريخي ليس بعيدا عن الحاضر كما كان يبدو لنا. عن فوكس