ذهب رودولف جولياني الى الاطلال التي ينبعث منها الدخان لمركز التجارة العالمي. ونيلسون مانديلا مشى الى الحرية داخل الحشد المنتظر من الصحافة العالمية. ومرجريت تاتشر اعلنت عقب الانتصار في حرب الفوكلاند قائلة: «توقفنا عن ان نكون امة متراجعة» وجورج باتون جلس على كرسي طويل في حقل قريب يدخن السيجار بينما هرب جيشه الثالث بحثاً عن ملاذ عندما تعرض لهجوم جوي في فرنسا عام 1944، جون كيندي اخبر الامريكيين في حفل توليه منصب الرئاسة «لا تسألوا ماذا تستطيع بلادكم ان تقدم لكم، بل اسألوا ماذا تستطيعون ان تقدموا لبلادكم»، والقى مارتن لوثر كنج اعظم خطاب في القرن العشرين امام 250 الف شخص احتشدوا في ساحة لنكولن ميموريال عام 1963 قال فيه: «احرار اخيرا، احرار اخيراً. نحمد الله العظيم اننا اصبحنا احراراً أخيراً..» وكان ابراهام لنكولن نفسه قد القى خطابا مؤلفاً من 272 كلمة فقط في مقبرة الجنود الاتحاديين في جيتسبرج في عام 1863 ليعلن فيه ان «حكومة مؤلفة من الشعب ومختارة من قبل الشعب وللشعب لن تختفي من الارض». ما الذي فعله هؤلاء بالضبط؟ ظاهرياً، لم يفعلوا شيئا تقريباً، فقد تحدثوا ومشوا ودخنوا وفي هذه اللحظات لم يطلقوا رصاصة او يقودوا هجوما، بل انهم لم يتخذوا قرارات، فخطابي كنج ولنكولن لم يكن لهما ذلك المعنى الكبير، وفي ضوء التاريخ، كان خطاب كيندي سيء الاختيار بشكل بارز، فدعوته الى دفع اي ثمن ـ في القتال من اجل الحرية افضت مباشرة الى حرب فيتنام. ومع ذلك، فإنهم جميعاً غيروا عالمهم، ومن المتوقع ان يبقوا في الذاكرة الى الابد، للعمل الذي قاموا به. وهم قاموا بذلك ومن خلاله اصبحوا ما يتعين عليهم ان يصبحوه وبقيامهم بما يتعين عليهم القيام به، وقد اظهروا ما يمكن تلخيصه بكلمة واحدة هي القيادة. التوق والخوف القيادة هي اكثر مزايا الانسان تضارباً واثارة للحيرة احيانا نتوق اليها واحياناً اخرى نخافها. هناك بعض القادة الذين يجسدون اسمى معاني الانسانية، وهناك قادة يحذروننا من المدى الذي يمكن ان ينحط اليه الانسان. ونحن نعرف القيادة عندما نراها، ولكننا نادراً ما نتوقعها، فأودلف هتلر لم يرق ابداً الى ما يتجاور ورتبة عريف في الحرب العالمية الاولى، لان المسئولين عنه اعتبروه شخصا يفتقر لمهارات القيادة. وونستون تشرشل قضى سنوات الثلاثينيات مجهولاً تقريبا، وكان ينظر اليه من جانب معاصريه كشخص فاشل لا مستقبل له. البعض يقول اننا لسنا بحاجة الى قادة، واننا بحاجة فقط الى اشخاص يستمعون للآخرين، احد قادة البحرية الامريكية في الحرب ضد اليابان كان يسأل جنوده اين اخطأ بعد كل عملية وما الذي يستطيع ان يحسنه. وقد كسب اشتباكات لا حصر لها ولكنه تعرض للتهميش من قبل قادته الذين كرهوا اساليبه وخافوا منها، وعندما قامت شركة بوينج بانتاج اول طائرة جمبو 747، وجدت انها اثقل بـ 50 طناً. وسألت العاملين فيها كيف تخفض الوزن الزائد، وتم حل المشكلة، جاك ويلش من شركة جنرال الكتريك الامريكية، الذي يعتبر ربما انجح قائد صناعي في السنوات الاخيرة، كان يقضي معظم وقته يجري مقابلات مع الناس. ومن جهة اخرى، فإنه يبدو ان هناك اموراً لا يستطيع القيام بها سوى قادة متوحدون ومعزولون فتاتشر لم تصغ الى المحيطين بها ومع ذلك انتصرت في حرب الفوكلاند، وروضت القوة المدمرة لنقابات العمال، وفي غضون ذلك، فإن كرسي باتون وسيجاره المشتعل كانا رمزين لقدره الخاص. قادة متوحدون ويوليوس قيصر ونيلسون كتبا تاريخهما الخاص كرجال ولدوا ليربحوا الحروب. وباختصار فإنه من المستحيل تقريبا اصدار تعميمات بشأن القيادة ومع ذلك فإن الكثيرين يحاولون فعل ذلك، وفي مجالات السياسة والرياضة والاعمال تتم دراسة القيادة كما لم يحصل من قبل وخلال التسعينيات من القرن الماضي، كان يتم نشر 10 بحوث اكاديمية في اليوم حول الموضوع. واليوم كل شركة تقريباً تقوم بتعليم مهارات القيادة الى مدرائها الصاعدين كما ان دراسات القيادة مطروحة الآن في المناهج التعليمية لمعظم الجامعات. وقد ادى انتهاء الاستقطاب الايديولوجي البسيط الذي ساد ابان الحرب الباردة إلى اجبار السياسيين على البحث عن طرق لكي يبدوا مثل القادة وليس فقط كمطية للاحزاب السياسية. كانت أول محاضرة تم القاؤها عن القيادة في بريطانيا للروائي جون بوكان في جامعة سان اندروز في عام 1930 وقد عمل جون على تعديل رأي توماس كارلايل كثيرا واوجد بذلك بنود الجدل الذي لايزال دائراً حول صفات القائد. وبالنسبة لبوكان، فإن مهمة القيادة لا تتمثل في وضع صفة العظمة في الاشخاص، وانما في اثارة تلك العظمة الموجودة بالفعل. والافتراض القائل ان الاشخاص كانوا عظماء بالفطرة كان افتراضا رومانسياً ومثالياً. ولكنه وضع التأكيد لا على دور القيادة فحسب وانما ايضا على دور التبعية، فالاشخاص المنقادون هم الذين يصنعون القائد. ترجمة: ضرار عمير عن «صنداي تايمز مجازين»