تحول مسلسل «الحاج متولي» الذي بثه التلفزيون المصري خلال شهر رمضان الماضي، الى ساحة واسعة للخلاف والجدل حول موضوعه الأساسي الذي يدعو صراحة الى تعدد الزوجات، ويقدم ذلك من خلال قالب فني جميل ونجم جماهيري محبوب هو نور الشريف، وقد اعتبرت قطاعات شعبية وثقافية واسعة أن ما يدعو اليه المسلسل يعد انتكاسة لحقوق المرأة وعودة بها الى عصر الجواري والاماء، وهو ما رفضه بقوة قاسم أمين في بداية القرن العشرين في كتابيه المعروفين «تحرير المرأة» و «المرأة الجديدة». ويبدو أن التلفزيون المصري سوف يصحح خطأه في مسلسل «الحاج متولي»، وذلك بتقديم مسلسل من 30 حلقة في رمضان المقبل عن قاسم أمين يتناول فكره والعصر الذي عاش فيه والقيم التي دافع عنها وبخاصة حقوق المرأة في التعليم والعمل والزواج من زوج غير متعدد الزوجات. هذا ما قاله لنا الأديب والسيناريست محمد السيد عيد الذي أعد القصة والسيناريو والحوار لمسلسل قاسم أمين. ومحمد السيد عيد يجمع بين كتابة القصة والسيناريو والنقد الأدبي، وقد أكثر من 70 مسلسلا وعملا دراميا للاذاعة والتلفزيون أشهرها كتابة السيناريو لرواية «الزيني بركات» للأديب جمال الغيطاني والتي حصل بها على جائزة مهرجان القاهرة للاذاعة والتلفزيون عام 1996. ـ قلت له: ما هي الفكرة الأساسية في مسلسل قاسم أمين؟ ـ الفكرة هي تقديم قاسم أمين الحقيقي وذلك بعد أن أصبحت الأفكار عنه غائمة وغير محددة، وتقديم قاسم أمين الحقيقي يعني تقديم فكره كما هو وتقديم الرجال العظماء الذين عاصروه من أمثال الأمام محمد عبده، وسعد زغلول، ومصطفي كامل، وأحمد عرابي، وأحمد لطفي السيد، وأحمد شوقي،وحافظ ابراهيم وغيرهم، فهؤلاء هم خلاصة النخبة المفكرة المستنيرة في الثلث الأول من القرن العشرين وعلى أيديهم كانت أفكار التنوير والنهضة المصرية، ومن المتوقع أن يعرض هذا المسلسل في رمضان المقبل باذن الله في 30 حلقة حيث انفقت المخرجة انعام محمد علي حتى الآن عاما في التصوير ولا يزال أمامها عدة أشهر حتى تنتهي من العمل، وسوف يقوم الممثل كمال أبو رية بدور قاسم أمين مع مجموعة من الفنانين المخضرمين والشباب منهم ماجدة الخطيب ونادية رشاد وحسن كامي ومنال سلامة وأحمد خليل ونورهان وغيرهم. ـ ولكن ما هي أهمية تقديم قاسم أمين الآن؟ ـ من الضروري للغاية أن نقدم قاسم أمين الآن، لأن المجتمع للأسف يعود القهقري للوراء وتستفحل فيه حركات متخلفة تدعو الى سلب حقوق المرأة، وحرمانها من العمل، وعدم خروجها من البيت، وتدعو الى تعدد الزوجات ويستحسن هذا العمل، لكل هذا فان العودة الى فكر قاسم أمين تعني العودة الى أصول متحضرة في ثقافتنا المعاصرة يريد طوفان الدعوات المختلفة أن يجرفها، والعودة الى فكر قاسم أمين ودعوته الى تحرير المرأة يعني التأكيد على حق المرأة في الحياة الانسانية الكريمة وحقها في التعليم وحقها في العمل وحقها في الميراث وحقها في أن لا يتزوج الزوج عليها الا برضائها.. هذه القضايا هي ما يشكل مضمون دعوة قاسم أمين هي ما يشغل العمل الدرامي الذي سنقدمه. شاطئ الخريف ـ طالما أنك انتهيت من مسلسل قاسم أمين فماذا تكتب الآن؟ ـ أضع اللمسات الأخيرة في مسلسل بعنوان «شاطئ الخريف» الذي أكتب له القصة والسيناريو والحوار. وتقوم فكرة المسلسل على أن الحضارة الحديثة تعيش تناقضا حادا ربما يؤدي الى فنائها، ذلك لأن هذه الحضارة متقدمة على المستوى العلمي والتقني والتكنولوجي تقدما مذهلا، لكنها متخلفة على المستوى الأخلاقي والروحي والانساني تخلفا بشعا، ورأيي أن المجتمع الذي تقوم حضارته على أسس غير أخلاقية سوف ينهار. ـ هل تعتقد أن الأدب المكتوب أصبح مأزوما في عصر ثقافة الصورة؟ ـ الأدب المكتوب مهدد في المرحلة المقبلة بلا شك: أولا لأن ارتفاع نسبة الأمية في تزايد، ثانيا لأن الأدب المكتوب يحتاج الى مال لشراء الكتاب وجهد في القراءة بخلاف الأدب المرئي الذي تحل فيه كل هذه المشاكل ولا يحتاج الى جهد لشراء الكتاب، وليس على المشاهد سوى أن يجلس أمام الشاشة مسترخيا ويتلقى عملا فنيا أكثر امتاعا من الأدب المقروء، ورأيي أن المستقبل سيكون لثقافة الصورة وليس لثقافة الكلمة. ـ من الملاحظ أنك في معظم أعمالك تهتم بالتراث.. لماذا؟ ـ لأن التراث ليس ماضيا فقط بل هو حاضر ومستقبل أيضا واذا أردنا أن نعرف أنفسنا جيدا والى أين نتجة فلابد أن نستوعب ماضينا أولا ومن هنا كان اهتمامي بالتراث بمعناه الواسع : أي من الناحية السياسية والاجتماعية والدينية، وفيما يتعلق بالنقد الأدبي فأعتقد أن الاهتمام بالتراث في نصوصنا الأدبية ينطلق من دوافع اضافية منها الكشف عن جوانب جديدة في هذا الابداع الأدبي تقوم على استلهام التراث، ومنها محاولة تقديم طريقة جديدة، للنقد الأدبي لا ترتبط فقط بالنظريات النقدية الغربية، بل تضيف اليها عناصر أخرى من عمق ثقافتنا العربية عندما نقدم هذا التراث مرتبطا بالتجارب الابداعية الذاتية. ـ لكن التراث فيه عناصر سلبية وفيه عناصر ايجابية، فهل ينبغي على الكاتب أن يستلهمه بكل ما فيه؟ ـ لا.. بل على الكاتب أن يستلهم التراث من أجل اسقاط فكرته على قضايا معاصرة، وبالتالي فعليه أن يقوم بعملية فرز لهذا التراث، تتضمن نقده واختيار الجوانب الايجابية فيه.. على الكاتب اذن أن يختار من بين مئات التفاصيل والروايات وأخيرا يقدم رؤية وبناء فنيا يعبر عن وجهة نظره الخاصة معتمدا على الأحداث والشخصيات وكذلك اللغة، فاستلهام التراث لا يعني تكراره والكاتب الذي يكرر التراث والتاريخ ليس سوى كاتب مفلس، أما اذا كان واسع الاطلاع على نواحي التراث المختلفة تكون فرصته للاختيار أوسع. ـ باعتبارك من كتاب السيناريو. هناك رأي يقول كتابة السيناريو صنعة وليست ابداعا.. ما رأيك؟ ـ أختلف تماما مع هذا الرأي، وأذكر أن صديقي جمال الغيطاني قال لي بعد أن قمت بكتابة السيناريو والحوار لروايته «الزيني بركات» قال : ان محمد السيد عيد «ألف الرواية من جديد» فلو كان الأمر مجرد عملية ميكانيكية ومجرد صنعة لما كانت هناك حاجة الى كتاب سيناريو متميزين، ولما رأينا أسماء تلمع دون الأخرى في عالم السيناريو. الأمر في اعتقادي يرتبط بالموهبة والقدرة على البناء الفني واستخدام اللغة استخداما فنيا بعينه. وليس هذا انكارا لأهمية الصنعة، فالصنعة موجودة في كل الفنون مهما كان فيها من تلقائية لكن المهارة الحقيقية في تحقيق التوازن بين الصنعة والتلقائية. ـ اذن ما هي شروط السيناريو الجيد؟ ـ لا توجد وصفة نهائية يمكن أن أذكرها أو يذكرها غيري لاتمام سيناريو جيد، والا لكان الجميع قد عرفوا هذه الوصفة وساروا على هديها. ولكن عملية تحويل الرواية الى سيناريو بشكل عام تبدأ بتحليل الرواية وترتيب عناصرها بالشكل الذي يتسق مع طبيعة العمل الفني القائم على الجذب. ثم تبدأ عملية الصياغة واختيار اللغة وبناء الشخصيات، وبهذه الصياغة يكون الكاتب قد قام بعملية تركيبية عكس العملية التحليلية الأولى. ـ ما هو الفرق الأساسي بين الدراما الاذاعية والدراما التلفزيونية؟ ـ هو أن الدراما الاذاعية تعتمد على حاسة واحدة وهي حاسة الأذن، فأنت تتوجه الى مستمع لا يراك في حركاتك أو انفعالاتك ومن ثم فلابد أن تجسد له هذه الحركة والانفعال من خلال الصوت للممثل أو المؤدي أو المؤثرات الموسيقية أو الاذاعية الأخري وبالتالي فان للكلام قيمة أساسية في تجسيد الفكرة التي يتعين توصيلها للمستمع أما التلفزيون فانه يتيح لنا مخاطبة أكثر من حاسة وخصوصا حاستي السمع والبعد ومن ثم فهو يحتاج الى تفاصيل كثيرة لأن المساحة الزمنية المتاحة كبيرة ولابد من ملئها وهذا يعكس الاذاعة التي لا تحتاج الى مثل هذه التفاصيل. القاهرة ـ فتحي عامر: