النقد الأدبي الصحافي يعاني في احيان كثيرة من عدم الاستيعاب الجيد للأعمال الأدبية التي ينتقدها. وينزع الى اطلاق أحكام نقدية غير معللة وغير صائبة. وكثيراً ما يتسرع ممارسو هذا النوع من النقد، ويطلقون احكاماً قيمة، بعضها قاسٍ وجارح. ومن الطبيعي ان يحدث ذلك ردة فعل سلبية لدى الأدباء، وأن يفقد المتلقين العاديين ثقتهم في هذا النقد، ولا مناص في هذا السياق من التذكير بأن النقد الأدبي الصحافي، يثير حفيظة الأدباء، نتيجة أحكامه النقدية التعسفية، وهذا مما تسبب في ذلك التوتر، الذي يسود علاقة الأدباء بالنقاد. ان الشكوى من النقد، وسطحية تحليلاته، وتعسفية أحكامه، وعدم موضوعيته، وتقصيره في مواكبة الابداع الأدبي، هي نغمة قلّ ان تخلو منها أحاديث الأدباء ومقابلاتهم. قال الشاعر نزار قباني، في سياق اجابته عن سؤال حول علاقته بالنقد: «ان النقاد العرب لم يضيئوا زاوية من الشعر العربي. فقد كان الشعر العربي، كعمل ابداعي، سابقاً لكل عمل نقدي. اما بالنسبة لي فعبر مسيرتي الطويلة هذه، على مدى أربعين عاماً، لم أستفد من كلمة نقد واحدة. يترك الناقد شعري، ويتناول سيرتي الشخصية، وشئوني الصغيرة الخاصة، وأنا أفضل أن أقدم نفسي للقاريء كما أنا، وليس بالصورة التي يكوّنها الناقد على مزاجه». ان نقداً ادبياً تلك حاله، يفقد ثقة القراء، ولاسيما الأدباء، ويضيع القدرة على التأثير فيهم وتوجيههم، ويتضاءل بالتالي دوره الاعلامي. ومن أهم النتائج التي تترتب على استياء الأدباء من النقد، ما نلاحظه من قيام الأدباء أنفسهم بممارسة النقد. ومن المؤكد ان لا أحد يستطيع ان يمنع الأدباء المبدعين، من ممارسة النقد الأدبي، ولكن هذه الظاهرة تعبر عن مشكلة في علاقة النقد بالابداع الأدبي، وهي ظاهرة تنطوي على خطر مصادرة دور النقد الأدبي، لأن الأديب يصبح في هذه الحالة، خصماً وحكماً في الوقت نفسه. ان دور الأديب هو، من حيث المبدأ، ان يبدع أعمالاً أدبية، اما دور الناقد فيتمثل في قراءة تلك الأعمال، وشرحها وتحليلها وتفسيرها وتقويمها، وتوسيطها. ومن الأفضل للحياة الأدبية، الا يصادر دور النقد، كما يحدث في الساحة الثقافية العربية على نطاق واسع، وأن يترك للخباز خبزه وان أكل نصفه، شريطة ان يخبزه بصورة جيدة. وباختصار فإن النقد الأدبي العربي يتأرجح بين طرفين: نقد صحافي سطحي متسرع، يعج بالأحكام النقدية التعسفية، ويقوم على انطباعية غير معللة مما يفقده مصداقيته وتأثيره الاعلامي، وبين نقد أكاديمي شديد التخصص، لا يصل الى جمهور عريض، ولا يؤدي دوراً اعلامياً، ومن ثم فإنه يستقيل من أهم وظيفة من وظائف النقد الادبي. ان وسائل الاعلام مطالبة بدورها بأن تستقطب النقاد الأكاديميين، وان تفسح لهم المجال ليكتبوا لها، بدلا من ان تترك النقد الأدبي لصحافيين غير مؤهلين، لا يمتلكون من شروط ممارسة النقد الأدبي سوى شرط واحد، هو كونهم يعملون في مؤسسة اعلامية. ان هذا النوع من النقاد الذين ينشرون كتابات نقدية ضحلة، ويهرفون بما لا يعرفون، يسيئون الى الأدب والنقد والإعلام على حد سواء. لا اريد بهذا ان تقتصر ممارسة النقد الأدبي في وسائل الاعلام على النقاد الأكاديميين، وإنما أدعو الى أمرين: اولهما اعطاء هؤلاء النقاد الاولوية في الحيز المخصص للنقد الأدبي مما تنشره تلك الوسائل وتبثه. اما الامر الثاني فهو اعداد الصحفي المتخصص في النقد الادبي، الذي يحمل مؤهلات مناسبة، ويمتلك كفاءة مناسبة، ويتلقى تدريباً مناسباً. وتماماً كما لا يجوز لصحافي لا يفهم في الشئون الاقتصادية، على سبيل المثال، ان يكتب في الصفحات والبرامج المخصصة للاقتصاد، لانه غير مؤهل لذلك، لا يجوز لوسائل الاعلام ان تنشر مواد نقدية دبجها صحفيون لا يفقهون في النقد الادبي شيئاً. ان النقد الادبي ليس أرضاً مشاعاً مستباحة لاي شخص كان، بل هو حقل ثقافي مهم، يتطلب العمل فيه موهبة وكفاءة وإعداداً. مهيدي عبدالقادر