أظن أن ذلك كان في عام 1993 اذا لم تخني الذاكرة، والذاكرة أحيانا تخون. فلقد دعينا الى مهرجان في أبوظبي أنا ويحيي العلمي وأظن أنه كان مهرجان الخليج المسرحي، ولعلها الدورة التي أدارها عبدالرحمن الصالح وكان لها دوي كبير. وكنت أتوقع كالعادة في مثل هذه الحالات أن يتصل كل منا بالآخر لنرتب سفرنا معا. لكن أبدا لم أتوقع ما حدث. إذ لم يكف التليفون عن الرنين يسألني يحيي عما يأخذه معه من ملابس، وكم ندوة سنحضر، وكم ساعة تستغرقها الندوات، وأين سيكون تناول الطعام، وكم تبلغ درجة الحرارة نهارا وليلا الى غير ذلك من الأسئلة التي تخطر على بالك أو لا تخطر على بالك. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما سألني عن المكان الذي سنقيم فيه. ولم أكن قد عرفت في أي فندق نقيم، فقلت له وقد بلغ بي الغيظ مداه أنهم سيقيمون لنا خياما الى جوار المطار. واعتبرت أنني بهذه الاجابة الساخرة قد أغلقت الباب أمام اسئلته الكثيرة التي بدت له نوعا من المضايقة. وفوجئت بمن يتصل بي ليقول لي ان يحيى العلمي في حالة نفسية قلقة، وأنه كان سعيدا بالمشاركة في هذا المهرجان، لكنه مضطر للاعتذار. وسارعت لأتصل به أسأله عن السبب، فقال لي أنه مضطرب منذ أن سمع قصة الخيام هذه، وأنه ليس معتادا على النوم في الخيام. وضربت كفا بكف، وأنا لا أتخيل أن يحيى العلمي لم يفهم النكتة التي قلتها لألومه على أسئلة بلا معنى. واكتشفت أن يحيى العلمي وكان آنذاك مخرجا كبيرا لم يسافر الى الخليج من قبل، بل لم يسافر الى أي بلد عربي. وكان يحيى آنذاك صاحب اسم لامع في عالم الاخراج فلقد قدم عدة أفلام سينمائية، لكنه أيضا أخرج (دموع في عيون وقحة) و(هو وهي) و(رأفت الهجان) الذي لقي نجاحا جماهيريا كبيرا. وكان يحيى مرتبطا في كثير من أعماله بالكاتب الراحل صالح مرسي. وكان صالح نسيجا فريدا بين الكتاب نتيجة تجربته الخاصة. فلقد كان بحارا في صدر حياته، ولذلك كتب أكثر من عمل عن البحر وقد قال لي ذات مرة أنه الكاتب المصري الوحيد الذي كتب عن البحر، وأظن أن ما قاله لا يجانبه الصواب. أيضا كان صالح أول من اقتحم عالم المخابرات وكتب قصصا من ملفاتها كان أنجحها رأفت الهجان. وقال أحدهم في جلسة مع صالح مرسي أنه يسير على منهج الكاتب الايرلندي لورنس داريل الذي كتب رباعية الاسكندرية. ولقد قرأت الرباعية وفتنت بها، وقرأت رواية لنفس الكاتب عن أعمال المخابرات وأظن أن صالح مرسي لم يكن أقل مقدرة. وأعود الى رحلة أبوظبي، فلقد دق جرس التليفون، وكان المتحدث في هذه المرة السيدة تهاني راشد زوجة يحيى العلمي، وإذ بها توصيني به، وترجوني أن أرعاه في أشياء لا يخطر على بالك أن ترعى فيها رجلا ناضجا كالأكل والاستيقاظ، ولسبب ما لا اذكره لم يكن مقعده مجاورا لمقعدي في الطائرة، فصمم على أن نجلس معا، وتحدث مع المضيفين حتى نجحوا في تلبية مطلبه. وعندئذ أخذ يسألني كل الأسئلة التي طرحها من قبل، بالاضافة الى ما فتح الله عليه به من أسئلة. وقلت له أن الاعتذار بأنه لم يزر الخليج من قبل هو اعتذار واه، فنحن الذين نقرأ كثيرا تكون لدينا فكرة تفصيلية عن أي بلد لم نزره، وكان يحيى العلمي قارئا نهما، بل كان كاتبا أيضا، وكان يكتب أحيانا بانتظام في بعض المجلات وصدر له أكثر من كتاب يضم مقالاته. قلت ليحيى العلمي إنني عندما ذهبت الى باريس ولندن وحتى موسكو لأول مرة كنت أعرف طريقي لكثرة ما أعرفه عن هذه البلاد. بل أنني في أول زيارة لي في باريس كنت دليلا لمن معي في اللوفر وفي قصر فرساي. وفي موسكو كان معنا دليل يجيد العربية، وفوجئت بعدة أخطاء في تاريخ روسيا عندما يحدثنا، وبخجل أخذت أرده. وفي اليوم التالي اختفى الدليل، واتهمني زملائي أنني الذي ضايقته فهرب منا. لكنه ظهر في الغد نشيطا متألقا، ولم يقع في خطأ واحد. وعندما سأله أحدهم أين كان؟ قال: كنت أذاكر! قلت ليحيى العلمي اذا كنا هكذا أمام مجتمع غريب عنا كالمجتمع الأوروبي فكيف لا نكون هكذا أمام مجتمع عربي. وكيف لا يكون مخرج مثله قادرا على تصور بلد لم يره، لكنه بالتأكيد يعرفه. وقال لي يحيى العلمي أنه عندما أرسل في بعثة الى التلفزيون البريطاني لدراسة الاخراج الدرامي، لم يكن أيضا يعرف البلد من القراءة والسينما كما يجب أن يعرف. وأنه عاش ملتصقا بمن يعرفهم هناك. ولا أعرف مخرجا استفاد من بعثته الدراسية مثلما فعل يحيى العلمي، فلقد كان دائم الحديث عن تجربته هذه، رغم أنها لم تكن طويلة جدا. وكان يرجع كثيرا مما تعلمه الى هذه الفترة وكثيرا ما استخدم تجربة يحيى العلمي كدليل على أهمية البعثات الى الخارج، ودورها في تكوين الكوادر الثقافية. وإن كنت أعرف أن الكثيرين سافروا في بعثات وعادوا كما سافروا، بل أن بعضهم يعود أسوأ مما سافر. وأذكر صديقا لنا كانت له بدايات قصصية، سافر الى لندن ليعيش فيها اربعة أعوام في ظروف متميزة. وعندما عاد وجدناه وكأنه لم يعبر بوابة المطار. وتأملنا آنذاك قضية (التمثل) فأنت قد تتعرف الى ثقافة ما، بل قد تعرفها جيدا. ولكن أن تتمثلها هذا شئ آخر. ورفاعة الطهطاوي سافر الى باريس ليس كمبعوث، ولكنه كواعظ للمبعوثين، فلما رأى أمامه أنهار الثقافة والعلم نهل منها حتى ارتوى، اذا كان لمثله أن يرتوي. وعندما عادوا كان بعضهم قد استفاد كثيرا أو قليلا من بعثته، أما رفاعة الطهطاوي فلقد فجر قضايا الحضارات بكتابه الأشهر (تخليص الابريز) وما زلنا حتى الآن وبعد ما يزيد عن قرن وربع نناقش رؤيا الطهطاوي. وأعود الى يحيى العلمي ورحلتنا الى أبوظبي، فلقد بدأنا وهو أكثر المشاركين انتظاما. لكنه كان مطلوبا مني أن أوقظه وأفطر معه، وأذهب به الى القاعة المطلوبة، وأيضا أجيب عن أسئلة مثل أي ربطات العنق أنسب. وبعد يومين بحثت عن يحيى العلمي فلم أجده. وانتابني القلق. وبعد فترة طويلة عاد. وقال لي أنه ذهب الى العين، وأخذ يصف لي ما رآه كأنه كاميرا. ومن الطريف أن هذه القصة تكررت بعد أربعة أعوام، عندما سافرنا معا للتدريس في مركز التدريب الاذاعي والتلفزيوني فكان يدّرس الاخراج، وكنت أدرس كتابة السيناريو. وتشابهت الرحلة الثانية مع الرحلة الأولى، ولكن عندما قلت له أننا سنقيم في خيام ضحك ضحكة عالية. ولقد عرفت يحيى العلمي منذ أواسط الستينيات وكان قد بدأ كمخرج متميز، وكان يخرج برنامجا دراميا بعنوان (كاتب وقصة) وتوثقت علاقتنا مع الزمن. ومن الصعب تأريخ هذه العلاقة الطويلة، لكنني أنتهي منها ما يخطر على بالي. وأذكر أننا كنا مدعوين في أحد الفنادق الكبرى، وكان معنا سعد الدين وهبة، وعرف سعد الدين وهبة لأول مرة أنه كان عضو اللجنة التي امتحنت يحيى العلمي عند دخوله التليفزيون. وكنا في دهشة لأن يحيى العلمي خريج كلية الحقوق، ومحمد فاضل خريج كلية الزراعة، وابراهيم الصحن خريج قسم اللغة الانجليزية، واسماعيل عبدالحافظ خريج قسم لغات شرقية وكانوا أبرز المخرجين آنذاك. ونحن جالسون اقتحمنا أحدهم وحيانا بود شديد، وتأمله الجميع لا يعرفونه، ولولا أنني ميزت صوته ما عرفناه، كان الكاتب مصطفى كامل، وكان قد اعتزل الكتابة منذ سنوات وعمل في أمور الأعمال في دبي. وعندما مات مصطفى كامل فيما بعد نشر له نعي كبير لم يذكر فيه أنه مؤلف (القاهرة والناس) وغيرها من الأعمال، ولأن اسم مصطفى كامل من الأسماء المكررة لم يعرف أحد أن الكاتب الكبير قد مات. قال لي يحيى العلمي آنذاك: يكون من حظ المبدع أن يموت وهو في قمة عطائه! وهكذا مات يحيى العلمي.. رحمه الله!