رغم كل ما وصل اليه، عالم الاتصالات الرقمية والبريد الالكتروني وتقنيات الانترنت، فان ما عرفناه من هذا العالم حتى اليوم ليس إلا بالبداية «الهزيلة» لما هو آت. فهذا العالم يضاعف حجمه حاليا مرة في كل عام في تسارع غير مسبوق في تاريخ البشرية، بشكل قسم العالم الذي نعيشه الى اثنين: عالم المتصلين وعالم غير المتصلين بعد حيث لا يزال بين الفئة الثانية مئات من الملايين لم يجروا خلال حياتهم كلها وحتى اليوم مكالمة هاتفية واحدة. وأينما ذهبت الآن في كبريات المدن في الدول المتطورة وخاصة أمريكا تجد الرايات برتقالية اللون مع مصابيح الانذار الوامضة على طول الارصفة والطرقات لتشير الى مواقع الحفريات التي ستستوعب آلافا من الاميال من اسلاك الالياف البصرية. وفي امريكا وحدها اليوم يبلغ طول شبكة الالياف البصرية لواحدة من شركات الهاتف فقط ثمانية ملايين ميل في كل البلاد. ويحتوي كل سلك من هذه الاسلاك على عشرات من الالياف البصرية قطر كل منها أقل من قطر الشعرة. وتحمل هذه الالياف اسم الالياف المظلمة الى ان تبدأ العمل لتنقل موجات الضوء الليزري. وهذا الضوء ما هو إلا معلومات رقمية لصوت وصورة واشارات كمبيوتر أو أي شيء يمكن تحويله الى اشارة رقمية. وكل ليف من هذه الالياف يمكنه التحول الى سلك ينقل الكثير من الاشارات في وقت واحد. تقاس سعة الليف البصري بعدد البتات التي ينقلها في الثانية الواحدة. والبت هي وحدة قياس المعلومة الرقمية. وكانت الالياف البصرية القديمة تقاس عادة بوحدة الميجابت (مليون بت). ويأتي بعدها في الحجم الجيجات (مليار بت) وأخيرا بدأ عالم الاتصال يستخدم التيرابت (ترليون بت). وعلى سبيل المثال فان أحدث كابلات الالياف البصرية العابرة للمحيط الاطلسي هو بسعة 2.4 تيرابت. وهذا يعني انه في ثانية واحدة يستطيع نقل أربع ساعات من الفيديو الرقمي أو 30 مليون مكالمة هاتفية عبر الاطلسي. وتقول التقديرات ان 35 مليون ميل من الالياف البصرية تمتد الآن في امريكا. لكن حوالي 90% من الكابلات الارضية هي ألياف مظلمة أي انها لا تعمل. فقد كانت الطموحات التي ثارت في نفوس مدراء شركات الاتصال مفرطة في تفاؤلها في حجم الطلب نتيجة ازدهار عالم الانترنت. واذا ما اراد أحدهم في امريكا اليوم ان يجري مكالمة دولية الى لندن على سبيل المثال فان على مكالمته هذه ان تخرج من السلك النحاسي الموصول بالهاتف الى عدة محطات أخرى قبل أن تصل الى الليف البصري، مثل «شبكة حول العالم البصرية» (اف ال اي جي) التي يبلغ طولها 51600 ميل ومركزها لندن وتمتد الى كل انحاء العالم. وحتى سنوات قليلة مضت ربما كانت هذه المكالمة ستصل لندن عبر قمر صناعي. لكن الاقمار الصناعية اليوم تدور حول كوكب الارض الذي أصبحت دولة مربوطة ببعضها على نحو متسارع بكابلات الياف بصرية تحت سطح البحار. لقد ظهرت كابلات الاتصالات في العالم لاول مرة عام 1850، أي بعد ست سنوات فقط من اختراع صمويل مورس للتلجراف. وفي ذلك العام طور المهندسون الانجليز كابلا نحاسيا معزولا بنوع من الخام النباتي الشبيه بالمطاط الطبيعي ومدوه عبر القنال الانجليزي. وسرعان ما تلاه كابل الاطلسي عام 1858 الذي أرسلت منه الملكة فكتوريا رسالة من مئة كلمة للرئيس الامريكي جيمس بوكانان يوم 16 أغسطس من ذلك العام. ومع ان بعض كلمات الملكة وصلت هدفها ذلك اليوم، الا ان الباقي احتاج اليوم الثاني حتى يصل. وهكذا فان هذا الكابل البطيء جدا زمنيا والصعب في ادارته أخرج من الخدمة بعد ثلاثة أسابيع فقط. وقد كانت المشكلة في سلوك الكهرباء داخل الاسلاك. وبعد ان اقتنع المهندسون انهم عثروا على الحل، كرروا المحاولة، مستخدمين تلك المرة أضخم سفينة في العالم «جريت ايسترن». ففي يوليو عام 1865، غادرت السفينة انجلترا وعلى متنها طاقم من 500 رجل و12 ثورا للجر و2880 ميلا من الكابلات عالية العزل تزن 5000 طن. وما ان كاد العمل ينتهي حتى انقطع الكابل واصبح دون فائدة. لكن المحاولة الثانية في العام التالي كللت بالنجاح. واستمرت الكابلات تقطع الاطلسي طوال القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين. وكانت الكلمات تعبر المحيط نهاية القرن التاسع عشر بسرعة 200 كلمة في الدقيقة مقارنة مع 12 في الدقيقة عام 1866. لكن الكابل واجه منافسة شديدة مع اختراع التلجراف اللاسلكي عام 1901 ثم المكالمات الهاتفية التجارية عام 1927 التي بدأت تعبر الأطلسي على موجات اللاسلكي. ولم يظهر كابل هواتف عبر الاطلسي حتى عام 1956. وفي عام 1965 دخل القمر الصناعي ايرلي بيرد ليعود الكابل من جديد موضة قديمة. لكن الكابل عاد وأطل برأسه بقوة من جديد أواسط التسعينيات بفضل الألياف البصرية، ليكون الوسيلة التي تنقل معظم المكالمات الهاتفية المتبادلة بين امريكا واوروبا واليابان واستراليا. وتصل الالياف البصرية اليوم بين أكثر من ثمانين دولة في العالم حيث اصبحت حصتها من هذه المكالمات تفوق حصة الاقمار الصناعية أو الهواتف النقالة. وهذا ما جعل اهمية القمر الصناعي والنقال تكمن في ملء الفجوة الرقمية بين جزأي العالم الذين تحدثنا عنهم في البداية، المتصلون وغير المتصلين.