لا اعتقد ان احداً من واضعي السياسة الامريكية او الغربية بوجه عام تجاه عالمنا العربي قد اقدم على وضع خططه ومخططاته المنحازة ضدنا الا بعد ان يكون قد مر بدورة تدريبية شاهد فيها كما معيناً من مسلسلاتنا وافلامنا العربية، كما انني لا اشك في ان هناك داخل ارشيف كل من الخارجية الامريكية وادارة المخابرات المركزية هناك الـ «سي آي ايه» تكمن مكتبة عامرة بكل الوان هذه المسلسلات والافلام تعد مرجعاً لاي صاحب قرار لابد من الاطلاع عليه قبل اصدار قراره في كل قضايانا العربية، وهي القرارات التي نصفها دائماً بانها غاشمة.. ومنحازة ومعادية لكل العرب..! وقطعاً.. فان كل الابحاث والدراسات التي اجراها المتخصصون هناك حول هذه المسلسلات والافلام «من واقع مشاهداتهم لها» قد اكدت لهم اننا شعب هازل.. او هايف، بعضنا يضحك على ذقون البعض، والبعض الآخر يتقبل هذه الهيافة اللافنية.. اما راضياً مستمتعاً بها، واما ساخطاً مقهوراً لا يملك الا الاستسلام والرضا بحظه وبخته الاسود..!، وعلى ضوء ما اثبتته هذه الدراسات وتلك الابحاث يتم اتخاذ القرار الذي دائماً ما يكون ضدنا وفي غير صالحنا، فهم يرون ان شعباً يسمح بانتاج هذه البلاهة.. ويرضى او يستسلم لها ولاستمرارها لا يستحق التعامل معه الا بالفيتو وبالتأييد والدعم الكامل لكل من يعلن عداءه او خصامه معنا.. وفي المقدمة طبعاً اسرائيل..! والامر ليس لغزا.. وليس مبالغة، فما بالكم بمن لم يسبق لهم تعاطي هذه المصنفات على الاطلاق عندما يمر بمحنة مشاهدتها لاول مرة، لن يكون الامر سهلاً بطبيعة الحال، ولن تكون النتائج طيبة بحال من الاحوال، فبعد مرحلة الذهول الاولى التي تصيب من يشاهد مسلسلا عربيا لأول مرة.. فلك ان تتوقع لهذا المشاهد الامريكي او الاوروبي اسوأ الاحتمالات.. بدءا من الاغماء والانهيار العصبي.. وانتهاء بالكساح او الانزلاق الغضروفي..، واذا كان التبلد الذي اصابنا بعد التعرض لجرعات يومية مكثفة من هذا البلاء التلفزيوني قد وصل بنا في نهاية المطاف الى حصانة تحمينا من شروره، فان صناع القرار الامريكي او الغربي عندما تفرض عليهم هذه المشاهد كجزء من العمل.. وكمقدمة يرون انها لا مفر منها.. قبل اتخاذ القرار، الذي قطعا لن يكون في صالحنا ولا في صالح قضايانا، الذنب ليس ذنب من اصدر القرار.. بل ذنب من اعطاهم بهذه المسلسلات والافلام ـ فكرة عن بلاهتنا الفنية التي وصلت الى حد اثارة الكراهية والغيظ ضد كل من قام او شارك او وافق او انتج.. او حتى شاهد هذه الاعمال ولم يحتج.. او يعترض.. او ينتحر في نهاية الامر..!!، وشيء بديهي ان من يشاهد هذه البلاهات المسلسلة سيتصور انها نابعة اساسا من بلاهة فكرية.. وبلاهة ثقافية.. وبلاهة سياسية، وكلها مبررات كافية ومقنعة لاصدار قرارات انتقامية ضدنا.. ولصالح اسرائيل، طالما لم يصدر عن حكوماتنا ومسئولينا اي تكذيب او نفي لمسئوليتنا عن هذه الاعمال! وللحقيقة.. فالامريكان معذورون، وللحقيقة ايضاً فمسلسلاتنا لا تعكس في فكرها وفي مضمونها الا طبيعة ممارساتنا الحياتية وطريقة معالجاتنا الساذجة والسطحية.. بل و«الفهلوية» لكل قضايانا .. بدءاً من قضايا البيت والشارع والعمل.. وانتهاء بقضايا الوطن والسياسة والديمقراطية، وكان من الطبيعي والمنطقي بعد ذلك ان نصنف ضمن مجموعة «الدول الخايبة».. وهو الاسم الحقيقي لما سمي تجاوزاً.. او مجاملة بـ «الدول النامية»، وكان طبيعياً ومنطقياً ايضاً ان نقف في طابور العوالم «عوالم الدنيا وليس عوالم الافلام» وسط طابور «العالم الثالث».. الذي اطلق عليه هذا الاسم تأدباً، بعد ان عدّلوا اسمه الحقيقي الذي كان «العالم الثالث عشر»..! .. الوقت عندنا ضائع ضائع، حيث تنعدم المسافة بين الساعة والدقيقة، والمكان عندنا شائع مائع.. حيث لا فرق لدينا بين مكان العمل وبين «القهوة البلدي.. وإيقاع الزمن عندنا مفقود مفقود.. حيث تعودنا ان ننتج في عشرة ايام ما كان مفروضا ان يتم في عشر دقائق، وحيث لدينا القدرة على أن نقول في 3 ساعات ما يمكن ان نقوله في 3 دقائق!! في مسلسلاتنا وافلامنا تستطيع ـ دون ان تكون طبيبا ـ ان تشخص بكل سهولة امراضا اعراضها واضحة كل الوضوح، فالتراخي.. واللجاجة.. والرغي.. والتكرار.. واللطاعة.. والفراغ الفكري.. والاستظراف.. والاستخفاف.. والاستهبال، كلها اعراض لامراض تشترك في نشرها على الملأ معظم مسلسلاتنا وافلامنا دون ان يكون ذلك مقصوداً في ذهن كل من شارك فيها بدءا من المؤلف.. وانتهاء بعامل الاضاءة في الاستوديو..، وهي بالضبط اعراض واوجاع حياتنا المعاصرة التي ترفض بإباء عربي اصيل الاعتراف بأن العالم تغير ويتغير.. وانه يتحرك.. ويجري.. ويطير، ونحن مازلنا نقول ونردد في اغانينا ـ حتى الشبابية منها.. «هاتولي حبيبي».. دون ان نفكر حتى في الاتصال ببوليس النجدة للبحث عنه..! العالم اعلن الحرب على المخدرات.. وطارد اباطرة مافيا الهيروين والبانجو، وفي عالمنا العربي يجب ان نعلن الحرب على مخدرات الفن، منتجها.. ومخرجها.. وممثليها.. وبائعها.. وشاريها.. وحاملها.. بل ومشاهدها ايضاً، فهي اخطر من البانجو والهيروين، ويكفي ما اصابنا بسبب ادمانها من كساح فكري.. وانزلاق عقلي.. وارتجاج ثقافي.. وشلل قومي.. وانبطاح سياسي، وكلها امراض لا علاج لها الا باستئصال اورام الفن الهابط..، وملاحقة مافيا المسلسلات والافلام بكل انواع المبيدات الحشرية.. ثلاثية او رباعية او خماسية المفعول..، وسبحان الشافي العافي بعد ذلك..!!