شهد القرن العشرون تطورا مثيرا في ميدان الطب فاق كل التوقعات وغير حياة البشرية الى الأبد. وفي عصرنا الحالي اصبحت العقاقير اكثر ذكاء والادوات الجراحية اكثر فعالية وقوة والفحوص التشخيصية اكثر دقة. واليوم اصبحت معظم الامراض التي كانت فتاكة في عام 1955 قابلة للعلاج والشفاء بشكل روتيني. لكن معالجة المرض ليست سوى جزء من الخاصيات التي تجعل الطب الحديث رائعا واستثنائيا وربما لا تكون الجزء الاهم فيه. فالانتصار على المرض شيء رائع لكن الافضل والاروع منه ان لا يصاب المرء بالمرض اصلا. وفي حين يواصل بعض العلماء انجازاتهم المثيرة في تطوير سبل جديدة للتدخل الجراحي والكيماوي في مواجهة الامراض، فإن البعض الآخر يعمل بصمت في اتجاه منع الاصابة بالامراض في المقام الاول. يستقي علم الوقاية الجديد زخمه من الفتوحات البارزة في فهمنا لكيفية عمل الجسم على كافة الاصعدة من الجراحة العامة الى البيولوجيا الجزيئية. ولا يقل عن ذلك اهمية ان العلماء بدأوا يفهمون كيفية تأثر اجهزة الجسم العصبي والمناعي والهرموني ببعضها البعض. ومن اهم الميادين التي خاض غمارها العلماء في سبيل منع الامراض ميدان اللقاحات والتحصين، وهم يعملون الآن على تطوير لقاحات للإيدز والسل وحتى السرطان. ومع اننا يندر ان نراها على اغلفة مجلات الوقاية الصحية لكن اللقاحات دون ادنى شك هي اعظم قصة نجاح للطب الحديث. وكانت بداية هذه القصة عندما عمد ادوارد جيفري الى كشط الجرب في اجسام عاملات المزارع المصابات بجدري المشاية، لتطعيم الناس ضد الجدري. وبحلول نهاية القرن العشرين، كانت اللقاحات قد هزمت العديد من اخطر الاوبئة، حيث قضت على الجدري والحصبة والنكاف (ابو كعب) والحصبة الاعانية والسعال الديكي والخناق او «الدفتريا» وشلل الاطفال على الاقل في العالم المتقدم. يمتلك الجسم سلسلة من الدفاعات الطبيعية التي تشبه قوة عسكرية عالية التدريب او فرقة موسيقية متناغمة، كما يفضل ان يراها الدكتور جاري نابل، مدير مركز ابحاث اللقاحات في المعهد الوطني للتحسس والامراض المعدية بالولايات المتحدة. وفي حين ان هذه الدفاعات تعمل بشكل جميل معظم الوقت، فإن الجهاز المناعي يحتاج احيانا الى مساعدة اضافية لمواجهة المرض. ومثال ذلك عندما تخرج الاصابة الجرثومية او الفيروسية عن السيطرة قبل ان يتمكن الجهاز المناعي من الاستجابة لها. وهنا يأتي دور اللقاحات، حيث يقول نابل: «ما يفعله اللقاح هو الخلايا الدفاعية المتخصصة الى دخول مصدر محتمل للمتاعب الى الجسم والسماح بذلك للجهاز المناعي بالاستجابة بسرعة وفعالية اكبر من استجابته لو كان قد شاهد الفيروس او الجرثومة من قبل وهكذا تبدأ سلسلة اجراءات الاستجابة المناعية بشكل اسرع. امراض قاتلة لكن هذه الطريقة لم تنجح الى الآن مع الامراض القاتلة مثل السل والملاريا والايدز، وهذا يعود جزئيا الى عدم وجود نموذج للمناعة الطبيعية لاي من هذه الاصابات. ولذلك ليس بوسع العلماء ان يشتقوا من مصادر الطبيعة لانتاج اللقاحات، كما فعل جنيفر في لقاح الجدري، لكن الوضع بدأ يتغير الآن مع تعمق الباحثين في فهم ادوات الاوركسترا المناعية المتوفرة تحت تصرفهم، وفهم كيفية الحصول على افضل اداء متناغم منها. وعلى سبيل المثال فإن فيروس «اتش اي في» الذي يتسبب بمرض الايدز يغير خصائصه بسرعة كبيرة بحيث ما ان يتعلم جهاز المناعة كيف يتعرف ويطبق عليه، حتى يطور الفيروس مولدات مضادات جديدة على سطحه ويصبح خفيفا من جديد. لكن استراتيجية جديدة اثبتت فعالياتها لأول مرة مؤخرا في الولايات المتحدة، ربما تستطيع احباط هذه المناورات وتعرف التقنية الجديدة بـ «التعزيز الاولي» وهي تعطي الجهاز المناعي اثراً ضئيلاً من رائحة الفيروس قبل ان تصيبه باللقاح الفعلي. وفي مختبر نابل يتكون ذلك الاثر من قصاصة من دي ان ايه الغلاف الخارجي لفيروس الايدز غير كافية لاحداث استجابة مناعية كاملة، لكنها كفيلة بوضع الجهاز المناعي على اهبة الاستعداد. ولتقوية اشارة الدي ان ايه الضعيفة، يرسل فريق نايل مع التعزيز فيروس زكام ناقص محشو بالمولدات الفيروسية المضادة، وبعد بضعة ايام من «تلقيم» دفاعات الجسم يهب الجهاز المناعي لمهاجمة الفيروس بأقصى طاقته. أو هكذا يفترض نظرياً على الاقل. من المبكر الآن الجزم ما اذا كانت هذه الاستراتيجية ستنجح مع فيروس الايدز «اتش اي في»، لكنها نجحت فعلا في مواجهة فيروس قاتل آخر هو «ايبولا» الذي يمتلك طاقات تدميرية هائلة، ورغم عدم توفر اي علاج شاف او لقاح لهذا الفيروس إلا ان فريق نابل اثبت في تجربة حديثة ان استراتيجية «التلقيم بالدي ان ايه» او «التعزيز الاولي» تستطيع وقاية القردة من الاصابة بفيروس ايبولا. لقاح الايدز وربما لا يجهز لقاح الايدز للتجارب السريرية على البشر قبل عشرة اعوام من الآن، لكن حالما يجهز يخطط نابل ومعه آخرون لاستخدام جميع الحيل والتقنيات البارعة التي تعلموها لتعزيز فعاليته. فهم يلجأون على سبيل المثال الى خلط اللقاح بالسيتوكينات وهي مواد تفرزها خلايا الجهاز المناعي لتنظيم الاستجابة الدفاعية بهدف حشد اعداد اضافية من خلايا «تي» الهجومية ضد الفيروس. وربما يعمدون ايضا الى تمرير صدمة كهربائية ضئيلة مع جرعة الدي ان ايه الفيروسية بهدف تعزيز قدرة المادة الوراثية الفيروسية على احداث استجابة مناعية. حتى انهم يجربون ايضا قذف الدي ان ايه مباشرة الى خلايا الجهاز المناعي بضغط عالٍ باستخدام ما يسمى بالمدافع الجينية لضمان وقوع اكبر تأثير ممكن للحموض النووية الوراثية. وقد تفضي استراتيجية مشابهة الى تطوير لقاحات ضد الملاريا والسل، لكن في حين ان الانتصار على الامراض المقاومة للقاحات سيكون انجازاً مثيراً، فإن توسيع نطاق اللقاحات لتشمل امراضا مثل امراض القلب والسرطان سيكون فتحاً ثورياً حقيقياً، فقد تبين ان تراكم ترسبات الكلسترول الدهنية على جدران الشرايين قد يبدأ نتيجة لالتهاب ربما يكون سببه جرثومياً. ويعتقد الاطباء ان لقاحاً يمكنه منع الاصابة البكتيرية الاولية أو اخماد الاستجابة الالتهابية قد يمنع سلسلة الاحداث التالية التي تؤدي الى النوبات القلبية. ورغم ان السرطان قد يبدو اخر مرض يمكن منعه او معالجته باللقاحات، إلا ان الباحثين بدأوا يستكشفون امكانية تدريب الجهاز المناعي على استهداف الاورام الخبيثة وقد طور العلماء فعلاً لقاحاً يدعى «كانفكسين» لسرطان الجلد القاتل «ميلانوما» مصنوعاً من خيوط سرطانية مأخوذة من ثلاثة مرضى مختلفين، تجسد في مجملها اكثر من 20 بالمئة من مولدات المضادات الفيروسية التي يمكن للجهاز المناعي ان يتعلم كيف يتعرف عليها. ويبدو من هذا كله ان المستقبل يخبيء مفاجآت سارة كثيرة في عالم الطب ومقاومة الامراض، بل والوقاية منها في المقام الاول ويبقى العنصر الثالث، رهناً بما سينجزه العلماء على صعيد تطوير اللقاحات في العقد الحالي. وتبقى بوابات الامل مفتوحة على مختبرات الابحاث التي خلصت العالم في القرن الماضي من شبح امراض فتكت بمئات الملايين. وينتظر ان تخلصه في عصرنا الحالي من شبح الايدز والملاريا والسل وربما امراض القلب والسرطان ايضا. علي محمد