تزخر الطبيعة بمناظر غريبة وتشكيلات جيولوجية يظن الناظر اليها، للوهلة الاولى، انها من كوكب آخر غير الارض. فهناك صحارى جرداء، تخلو من اي اثر واضح للحياة، بحيث يخال المرء انها ربما تكون قطعة من القمر، او غيره من الكواكب الاخرى، التي تخلو من مظاهر الحياة الاساسية. وهناك مناطق قطبية تصل فيها درجات التجمد الى حد لا يمكن للكائنات الحية تحمله ولا ترى فيها غير اللون الابيض الذي يذهب بالابصار، والى جانب هذا اوذاك، هناك جبال عالية تكسوها الثلوج طوال العام وتقل على قممها نسبة الاوكسجين، بحيث يصبح من الصعب على الكائنات الحية العيش في تلك الظروف. ولأن تضاريس الارض عرضة للتغير بفعل الظواهر الطبيعية كالزلازل والاعاصير والبراكين والفيضانات وغيرها، فان المرء قد يفاجأ احيانا باختفاء رقعة من الارض كانت بارزة للعيان تحت مياه البحر او بروز قطعة اخرى على شكل جزيرة وسط المحيطات وقد تؤدي الزلازل مثلا الى تدمير مدينة برمتها وازالتها عن الوجود، وكذلك تفعل البراكين الثائرة التي تدفن بحممها معالم حضارية بارزة فتغير وجه الارض. وهكذا فان وجه الارض يتغير ويتقلب بفعل عوامل طبيعية واخرى صناعية فتتغير البيئة المحيطة بالانسان، لكن الانسان نفسه يبقى ذلك الكائن الضعيف، رغم قوته، الساعي دائما الى فهم اسرار ومكنونات هذا الكون، وهذا هو منبع حب الاستطلاع لدى الانسان وسعي العلماء الدؤوب وراء المعرفة وخوضهم المغامرات الخطرة لاثبات نظرية معينة او التعرف على عالم جديد. ولعل هذه الرغبة هي التي دفعت العالم والمصور جوناثان اوللي الى القيام بزيارة بالطائرة الى احدى الجزر البركانية في المحيط الاطلسي وتدعى «سورتسي». تقع جزيرة سورتسي في ارخبيل فستمانيجار الى الجنوب من آيسلندا، وكانت قد ثارت فبرزت من المحيط الاطلسي في الستينيات من القرن الماضي مرسلة اعمدة من الرماد البركاني بارتفاع 10000 متر في الجو. وتعتبر هذه الجزيرة التي تبعد قرابة 60 ميلا عن زيجافيك، بعيدة عن تفكير الزوار بسبب تركيبتها الجيولوجية الفريدة، وقد يعتقد من يراها بأوديتها الضيقة الفائرة ورملها الاسود وصخورها الزرقاء بحجم كرات الجولف بأنها جزء من الجانب المظلم للقمر. لكن هذه الصحراء الغريبة والمهيبة والتي تشكلت بفعل الثورانات البركانية والرياح الجليدية لم تكن موجودة قبل 40 عاما. تبلغ مساحة الجزيرة اكثر بقليل من ميل مربع وتضم تشكيلات جيولوجية متنوعة من صخور ورمال واخاديد وتلال. ومن الصدوع العميقة الفائرة في الصخر البركاني تتصاعد دوامات من البخار الكبريتي فوق رمال عولسية سوداء تحركها رياح عنيفة. وعلى سطح الجزيرة تظهر الحمم البركانية بجميع اشكالها ومنها ماهو غريب ولافت للنظر كالحمم كروية الشكل التي تغطس في بحر من الرمال العولسية بعضها يتخذ شكل الصخر الرضيخي (الموغل في القدم) الحراري وبعضها يتخذ شكل الصفائح المتشققة. ولا يخلو الامر من مناظر بديعة كمنظر الخضرة الشبيهة بالاشنة المتشبثة بقطع الحمم المتكسرة داخل الفوهة البركانية والجبال لها حصتها ايضا من هذه الجزيرة الصغيرة، فهناك جبل صغير يدعى جبل سورتور يفصله ممر جبلي عن فوهة البركان. لم تكن هذه الصور الرائعة التي التقطها جوناثان أوللي بلا ثمن، فقد تحمل من اجلها البرد القارس الى درجة التجمد والحرارة العالية الى درجة الغليان والتي تعتبر من الاشياء المعتادة كل يوم على متن تلك الجزيرة الصغيرة التي ولدت من رحم الارض قبل اربعة عقود فقط. ضرار عمير