قدم التلفزيون الامريكي مؤخرا فيلما وثائقيا جديدا يتناول حياة النجمة السينمائية السويدية الاصل جريتا جاربو التي استحوذت على اعجاب جمهور السينما على مدى ثلاثة أرباع قرن بشكل لم يحققه أي نجم سينمائي آخر. جمعت جريتا جاربو بين العديد من السمات المتناقضة، فقد غلب عليها الحياء، ولكنها اقتحمت قلوب الناس ونسجت حول حياتها الشخصية سلسلة من الفضائح، ولكنها بدت في أعين الكثيرين كأنها قديسة. وجذبت ملايين الناس اليها، ولكنها صدت الباب أمامهم لكي لا يتطفلوا على حياتها الخاصة التي أحاطت بها حالة من الغموض حتى وفاتها عام 1990 في سن الرابعة والثمانين. لقد كانت جريتا جاربو في أعين الملايين نجمة النجوم وأجمل امرأة في العالم، إذ لم تعرف السينما ممثلة ألهبت مشاعر الجمهور وفتنت ألبابه بجاذبيتها وغموضها مثل جريتا جاربو، وحققت كل ذلك خلال فترة خمسة عشر عاما فقط قضتها في هوليوود، ولم تقدم خلالها سوى 25 فيلما. ويستعرض فيلم «جريتا جاربو: نجمة منعزلة» حياة هذه الممثلة العظيمة منذ نشأتها في السويد وقدومها الى هوليوود في صيف عام 1925، وقدم لقطات من أعظم أفلامها، وتلقي آراء من عرفوها المزيد من الضوء على حياتها وفنها. ولعل الشيء الوحيد الذي يؤخذ على هذا الفيلم انه يترك المشاهد وهو يحس بحاجة الى معرفة المزيد عن جريتا جاربو التي ظلت حتى وفاتها، كما تقول الممثلة لورين باكال في الفيلم، لغزاً لم يستطع أحد ان يحله. ولدت جريتا جاربو، واسمها الحقيقي جريتا جوستافسون، لأسرة ريفية فقيرة في أحد الاحياء الشعبية بالعاصمة السويدية استكهولم، وتوفي والدها الذي كان عاملا وهي في سن الثالثة عشرة. وفي العام التالي عملت في صالون للحلاقة ثم كبائعة في محل تجاري حيث لفتت انتباه الادارة التي استخدمتها في فيلم دعائي قصير لذلك المحل. وأدى ذلك الى ظهورها في فيلم دعائي قصير آخر لأحد الافران، ثم في الفيلم الكوميدي «بيتر الصعلوك» (1922) الذي ظهرت فيه في سن السابعة عشرة كفتاة بدينة، وشجعها نجاحها في ذلك الفيلم على دراسة التمثيل في مسرح الدراما الملكي بالسويد، مما أتاح لها فرصة القيام بعدد من الادوار المسرحية القصيرة اثناء فترة التدريب. وقام باكتشافها خلال تلك الفترة المخرج موريتز ستيلر، وهو مهاجر روسي تحول الى واحد من اشهر مخرجي السينما في السويد، واسند لها دورا رئيسيا في فيلم «قصة جوستا بيرلنج» 1924 واصبح استاذها ومدربها وراعيها. والحقت جريتاجاربو ذلك بدور رئيسي في فيلم سويدي آخر هو فيلم «شارع الحزن» الذي ظهرت فيه الممثلة الالمانية مارلينا ديثريتش اكبر منافساتها في هوليوود في المستقبل، بدور كومبارس. وتحفل حياة الممثلة جريتا جاربو بالمفارقات. ففي عام 1924 وبينما كان لويس ماير مدير الانتاج آنذاك في استديو مترو ـ جولدوين ـ ماير يقوم بجولة في اوروبا، عرض على المخرج موريتز ستيلر العمل في هوليوود، الا ان هذا المخرج رفض الانتقال الى هوليوود اذا لم يتضمن تعاقده مع الاستديو اصطحاب الممثلة جريتا جاريو التي اصبحت ترافقه كظله، فلم يجد لويس ماير خيارا في الامر وقام بالموافقة على شرط ذلك المخرج. ووصل المخرج موريتز ستيلر مع الممثلة جريتا جاربو الى هوليوود عام 1925 في عصرالسينما الصامتة. ومع ان استديو مترو جولدوين ماير لم يعرف ما يفعل بالممثلة جريتا جاربو باديء الامر، الا ان مدراء الاستديو اصيبوا بالذهول عندما شاهدوا النسخ الاولية من مشاهد فيلم السيل الجارف، باكورة افلامها الامريكية، وادركوا عندئذ انهم امام ممثلة خارقة الموهبة وانهم حصلوا على كنز سينمائي. فبمجرد ان تتحرك الكاميرا كانت الحياة تدب في تلك الشابة الخرقاء الباردة المرتبكة التي كانت تكهرب جميع افراد الطاقم الفني الموجود بشخصيتها المغنطيسية، وايقنوا ان الكاميرا تعشق جريتا جاربو. وقبل ان يكتمل تصوير مشاهد فيلم «السيل الجارف» للمخرج مونتا بيل، قام لويس ماير بالغاء العقد الموقع مع جريتا جاربو وبتوقيع عقد جديد بأجر كبير، ادراكا منه انه يتعامل مع نجمة المستقبل، وعندما عرض فيلم «السيل الجارف» في اوائل عام 1926 استقبل بحماس كبير من النقاد والجمهور على حد سواء، وهكذا ولدت نجمة كبيرة، وبدأت اسطورة جريتا جاربو. وبعد ذلك انتقل المخرج موريتز ستيلر الى استديو باراماونت حيث قام باخراج عدد من الاقلام الا ان خلافاته استمرت مع مدراء ذلك الاستديو ايضا، وفي عام 1927 عاد الى السويد حيث وافته المنية في العام التالي. الا ان نجم جريتا جاربو استمر في الصعود، مع انها دأبت منذ بداية وصولها الى هوليوود على حماية حياتها الخاصة من تطفل الصحافة والجمهور، وقد ربطتها علاقة غرامية عاصفة مع الممثل جون جيلبرت اشهر نجوم عصر السينما الصامتة الذي تقاسمت معه بطولة الفيلمين الغراميين الصامتين الناجحين «الجسد والشيطان» و «الحب» في عام 1927 وفيلم «امرأة علاقات غرامية» في عام 1933 واتفق هذا النجمان اللامعان على الزواج الا ان الممثلة الغامضة تغيبت يوم الزفاف دون ابداء الاسباب رغم تجمع المدعوين وحضور العريس المرتقب. وقد فشل الممثل جون جيلبرت في عصر السينما الناطقة واصبح مدمنا على تناول الكحوليات وتوفي عام 1936 في سن الحادية والاربعين. وقد تردد مدراء استديو مترو جولدوين ماير في اظهار جريتا جاربو في فيلم ناطق بسبب لهجتها الاجنبية، ولكن عندما قدموها في أول افلامها الناطقة وهو فيلم «آنا كريستي» عام 1930 استخدمت لهجتها الاجنبية كميزة، مما زاد تحببها لدى الجمهور وهكذا عشق الميكروفون جريتا جاربو كما عشقتها الكاميرا. وقامت جريتا جاربو في فترة الثلاثينيات ببطولة عدد من افضل افلامها ومنها افلام «فندق جراند» و«الملكة كريستينا» و«انا كارنينا» و«كاميل» و«نينوتشكا». وفي عام 1941 اعلنت جريتا جاربو اعتزال العمل السينمائي بعد قيامها ببطولة فيلمها الاخير «امرأة ذات وجهين» وفعلت ذلك كعادتها دون ادلاء الاسباب.. وقد بذلت محاولة لعودتها الى الشاشة عام 1949، إلا ان ذلك لم يتحقق. ومن المفارقات ان جريتا جاربو لم تفز بجائزة الاوسكار التي رشحت لها اربع مرات، منها مرتان في نفس العام. ويعزى ذلك اساسا الى الحملة التي شنها ضدها لويس ماير الذي اصبح مديرا لاستديو مترو ـ جولدوين ـ ماير وأحد كبار المتنفذين في هوليوود آنذاك والذي كان يحقد عليها رغم اعجابه بها لانه نجحت في تحديه وفي فرض ارادتها على الاستديو. وقد ادت حملته ضدها عام 1930 الى منح جائزة الاوسكار للمثلة نورماشيرر، زوجة ارفنج ثالبيرج مدير الانتاج في استديو مترو ـ جولدوين ـ ماير آنذاك، عن دورها في فيلم «المطلقة» مع ان جريتا جاربو رشحت للاوسكار في ذلك العام مرتين عن فيلمي «آنا كريستي» و«غرام». إلا ان هوليوود حاولت التكفير عن ذنبها ومنحت جائزة اوسكار فخرية لجريتا جاربو عام 1954، وبطبيعة الحال وكما هو متوقع، فإن جريتا جاربو لم تكن موجودة في حفلة توزيع جوائز الاوسكار لتتسلم الجائزة، كما فازت جريتا جاربو بجائزة رابطة نقاد نيويورك مرتين عن فيلم «آنا كارنينا» و«كاميل» في عامي 1935 و1937 على التوالي.وعاشت جريتا جاربو بعد اعتزالها وعلى مدى قرابة نصف قرن حياة عزلة بعيدا عن الاضواء وبعيداً عن هوليوود، متنقلة بين سويسرا والريفيرا ونيويورك، وعندما توفيت عام 1990 في سن الرابعة والثمانين تركت ثروة تقدر بأكثر من 200 مليون دولار كما تركت وراءها لغزها وغموضها. وقد اكتشفت جريتا جاربو من قبل اجيال جديدة ممن شاهدوا افلامها على شاشات التلفزيون وفي المهرجانات السينمائية الخاصة وعشقوها، وهكذا يتجدد التراث السينمائي لجريتا جاربو، اعظم ممثلة في تاريخ السينما، ويستمر افتتان اجيال جديدة من عشاق السينما بمواهبها التمثيلية النادرة وبشخصيتها الغريبة والمدهشة والساحرة. محمود الزواوي