في السادس عشر من ديسمبر عام 2000، أصدر كارلوس فالديز تحذيرا استثنائيا، وقال في تحذيره ان بركان بوبوكاتبتل سيثور في غضون يومين بالضبط، وكان محقا في كلامه، ففي الثامن عشر من الشهر نفسه أطلق بوبو كاتبتل أكبر ثورة له منذ ألف عام. وبفضل فالديز وزملائه في المركز الوطني المكسيكي لمنع الكوارث، قام الجيش المكسيكي باجلاء الآلاف من السكان المحليين قبل اندلاع ثورة البركان بيوم واحد. ولم يصب أحد بأذى. ولكن كيف استطاع فالديز ان يعطي تنبؤا دقيقا مثل هذا؟ لقد قطع التنبؤ بالبراكين شوطا طويلا خلال الأعوام العشرين الماضية. وبخلاف الزلازل التي لاتزال غريبة وغير قابلة للتنبؤ، فإن البراكين تصدر صريرا وهمهمات قبيل الثوران. وهذه الاصوات تتيح للباحثين تحديد موعد الانفجارات بدقة استثنائية مما يمنح الناس المجاورين فرصة النجاة قبل ان ينفجر البركان. لكن وعلى الرغم من ان الباحثين يستطيعون الآن ان يتنبأوا بدقة بموعد حدوث الثوران، الا انهم لايزالون يفتقرون لأية فكرة حول مدى ضخامة ذلك الثوران. وبدون تلك المعلومات، فإن كل ما يستطيعون تخمينه هو كم عدد الاشخاص الذين ينبغي اجلاؤهم. وربما كان ثوران بركان بوبوكاتبتل ضخما، لكن نوافير النار التي سقطت على المنحدرات العلوية للبركان شكلت خطرا قليلا نسبيا على القرى الواقعة بعيدا في الأسفل. ومنع عمليات الاجلاء غير الضرورية يعتبر أمرا حاسما، لأن الناس المحليين يفقدون ثقتهم بسرعة في العلماء الذين يطلقون اشارات تحذير كاذبة. والمطلوب بحق هو طريقة لمعرفة ما اذا كان بركان ما ينظف حلقه فحسب، أو يستعد لانفجار مدمر، أو شيء وسط بين هذين الأمرين مثل بركان بوبوكاتبتل. الجواب ربما يكون مخفيا في الصوت البركاني نفسه، الذي يكشف عن موعد الثوران المقبل. وفي السنوات القليلة الماضية تمكن العلماء الاختصاصيون بالبراكين من استخدام سجلات لهذه الهمهمات في تفسير حجم الانفجارات بعد الحادث، والآن يعتقدون ان بامكانهم استخدامها في تنبؤ حجم الانفجارات مسبقا. وكل ما يحتاجونه هو بركان متململ. وتعود المهارات الحديثة في التنبؤ بثوران البراكين الى الفترة التي أعقبت الثوران المدمر لبركان جبل سانت هيلين في ولاية واشنطن عام 1980. في العام التالي، ذهب عالم الزلازل بيرنارد تشوت من المسح الجيولوجي الامريكي في منلو بارك الى البركان بصحبة زميل له هو مايك فيهلر. كان بركان جبل سانت هيلين لايزال نشطا للغاية، وأراد العالمان ان يستمعا للاهتزازات التي يحدثها على أمل فهم ما يدور في الداخل. ويقول تشوت: «البراكين تتحدث اليك طوال الوقت، وهي تعطي اشارات جميلة». كان هناك نوع واحد من الاشارات في جبل سانت هيلين أثار اهتمام تشوت بشكل خاص. ولقد كان اهتزازا تعاظم خلال بضع ثوان وهيمنت عليه موجة واحدة منخفضة التردد يمكنها ان تستمر لدقيقة أو أكثر. وبالنظر الى شكل الموجة، أدرك ما سببها وهو الرنين. الظاهرة هذه مألوفة بدرجة كافية، فمعظم الادوات الموسيقية تستخدم الرنين في انتاج نغمات موسيقية ذات طبقة صوت معينة. وعلى سبيل المثال، فإن الهواء المشفوط الى أحد طرفي أحد أنابيب الأرض يهز الموجات الساكنة في عمود الهواء المحصور في الداخل. ويعتمد طول أمواجها، وبالتالي طبقة الصوت الذي تصدره على حجم وشكل الانبوب. وتساءل تشوت اذا ما كانت العملية نفسها تحدث في البركان. واستنبط من ذلك ان كل اهتزاز يسمع في داخل البركان يمكن ان يكون صوت صهارة ذائبة أو غاز يرن صداه في صدع داخل البركان بعد تغيّر مفاجيء في الضغط قد يكون ناشئا عن دخول صهارة جديدة للصدع. وفي جبل سانت هيلين، لاحظ تشوت مجموعة من الاشارات ذات الفترات الطويلة والتي تمتاز بنفس التوتر واستمرت للفترة الزمنية نفسها. وحسب هذه الاشارات لابد وانها صدرت عن الصدع نفسه في البركان وان حساب عدد مرات صدورها سيكون طريقة لمراقبة مدى سرعة تزايد الضغط. وكلما زاد عدد الاشارات الصادرة عن صدع واحد، كلما كنت أقرب من حدوث انفجار للبركان. اطلع تشوت على بحوث ودراسات أجريت على براكين أخرى حول العالم، ووجد ان العديد منها أصدر اشارات مماثلة قبل ثورانه. ولكن هل كانت هذه الاشارات موثوقة بدرجة كافية بالنسبة له كي تستخدم في تنبؤ الثورات سلفاً؟ في أواخر ديسمبر من عام 1989، بدأت أجهزة رصد الزلازل في جبل ريداوبت بألاسكا تسجيل سلسلة من الاشارات. وزادت سرعة حدوث تلك الاشارات على نحو لافت وفي غضون أيام قليلة اندمجت مشكّلة ارتجافا مستمرا مع ظهور قبة من الحمم على قمة البركان. بدأ تشوت الذي كان يعمل مع الباحثين في مرصد ألاسكا للبراكين في انكوريج بعد الرجفات. وفي الأول من يناير 1990 تنبأ الباحثون بحدوث الثوران في غضون 24 ساعة وتم اخلاء محطة نفطية أسفل الجبل على عجل. وفي مساء اليوم التالي، انفجرت القبة مرسلة نهراً طينياً واسعاً من الثلج المذاب والجليد المخلوط بالرماد الى أسفل الجبل. ويتذكر تشوت شعوره ذلك اليوم قائلا: «كان شعوراً رائعا، فلقد اعتقد الأشخاص في المحطة النفطية ان بمقدورنا ان نمشي على الماء». ضرار عمير


