ماهو أسوأ شيء يلحقه المزارعون بالبيئة؟ أهو استخدام المبيدات الحشرية؟ ام زراعة محاصيل مهندسة وراثيا؟ على الارجح ان الجواب ليس هذا ولا ذاك، بل هو تجريد الارض من الاشجار واستنزاف المياه منها وتخليصها من التنوع الاحيائي غير المرغوب والمعروف بالاعشاب. وسواء تم تنظيفها بواسطة المعزقة او الحراثة او مبيدات الاعشاب الكيماوية، فان الارض الزراعية تعتبر منطقة تضحية بيئية. كارول شينان تعرف الحقيقة المرة بشكل افضل من معظم الناس، فقد ترعرعت في لنكولنشاير في شرقي انجلترا، حيث تركت يد الزراعة بصمتها الثقيلة، وتقول شينان حول هذا الامر، عمل والدي على تجفيف بعض من آخر السبخات الملحية، وكان يعتقد ان ما قام به هو عمل عظيم. وعلى بعد نصف عالم عن موطن طفولتها، تحاول ابنته ان تفعل العكس تماما، فهي تدير الآن مركز علم البيئة الزراعية والزراعة الدائمة في جامعة كاليفورنيا في سانتاكروز، وتعمل على اعادة الطبيعة البرية الى حالة تكون فيها اكثر ندية مع الزراعة. وفي اواسط التسعينيات، استغلت شينان الفرصة لاختبار افكارها عمليا في حوض بحيرة «تول» في منطقة شمال شرق كاليفورنيا، وهذا الحوض الواقع في واد مرتفع يعلو اكثر من كيلومتر عن سطح البحر، يعتبر موطنا لاعداد كبيرة من النسور الصلعاء، التي تعتبر الرمز الوطني لامريكا خلال فصل الشتاء، وفي فصلي الخريف والربيع من كل عام، تتوقف الملايين من طيور الاوز والبط بالقرب من البحيرة في هجرتها السنوية على طول الممر الجوي فوق الباسيفيك وبالقرب من البحيرة، يحتل وادٍ واسع مساحة كبيرة من الارض، حيث تمتد حقول البطاطا والقمح والشعير نفسها التي تتذكرها شينان من لنكولنشايز وهذه الحقول ايضا تم استصلاحها عن طريق تجفيف المستنقعات. غير انه بخلاف لنكولنشاير، فان الصراع بين الزراعة والطبيعة في بحيرة «تول» كان مفتوحا وحديثا فالحكومة الامريكية التي تملك المنطقة برمتها، اعلنت الحوض محمية وطنية للحياة البرية ولكنها قامت منذ قرابة القرن بتأجير ثلثي مساحة الارض للمزارعين. وعندما زارت شينان المنطقة لاول مرة كانت هناك لافتات ضخمة وملصقات كتب عليها: «انقذ العالم اقتل احد نشطاء البيئة»، وتعود شينان بذاكرتها الى تلك الفترة قائلة: الاستقطاب والعداء كانا واضحين. ومع ذلك كانت شينان تغذي الامل بان يتوصل البيئيون والمزارعون الى طرق تتيح ادارة الارض لصالح الطرفين، وهذا الامل لم يكن، في البداية يشاركها فيه الكثيرون حول بحيرة «تول» وتقول شينان بهذا الخصوص: كنت اجد نفسي عادة عرضة للاحتجاج والصراخ من قبل الطرفين، فالمزارعون لم يكونوا ميالين للثقة بباحث اجنبي، بينما اعتقد نشطاء البيئة انها تكن تعاطفا كبيرا مع الزراعة. غير انه، وكما تبين لاحقا فان بحيرة «تول» قدمت فرصة نادرة للتعاون بين الطرفين، ففي حين كانت المستنقعات المحرومة من فيضانها الدوري، تجف تدريجيا فان الحياة البرية لم تكن وحدها التي تعاني من هذا الوضع، فالحقول ايضا باتت اقل خصوبة ومصابة على نحو متزايد بالدودة الخيطية، والتي تعتبر احدى آفات المحاصيل الرئيسية. لقد بدأ المسئولون الحكوميون في المنطقة بالبحث عن حل جذري يهدف الى حل المشكلتين معا ولان الحكومة تملك الارض كلها، فان بمقدورها ان تعيد تسمية مناطق زراعية كمحميات للحياة البرية، والعكس صحيح، وقد اقترحت غمر بعض الحقول وتحويلها الى مستنقعات جديدة، بينما تقوم بتجفيف مساحة مساوية من المستنقعات القائمة وتحويلها الى ارض زراعية واعتقد المسئولون الاتحاديون ان الحقول المغمورة حديثا قد تشكل موطنا بيئيا افضل للطيور المائية والمستنقعات المجففة حديثا ينبغي ان توفر تربة عالية الخصوبة وخالية من الحشرات. اعتقدت شينان في البداية ان الفكرة تعتبر فكرة مجنونة، وكانت تتخيل عواقب وخيمة عديدة للخطة مثل الانتشار المفاجيء للنيتروجين والفسفور من الحقول الزراعية المغمورة الى مياه بحيرة «تول». ولم يكن احد يعلم على وجه الدقة مدى سرعة تحويل المستنقعات الى ارض زراعية ومن ثم الى مستنقعات من جديد، ولتقليل المخاطر الى الحد الادنى، اقنعت شينان الحكومة على البدء بقطع صغيرة من الارض تتراوح مساحتها بين 15 و 55 هكتارا. وقد توسطت شينان ايضا لاجراء محادثات بين القبائل المتحاربة التي تشكل مجتمع بحيرة «تول»، وساعدت في اقناع المزارعين على التعاون مع انصار الطبيعة، وفي النهاية قرر الكثير من المزارعين، المتلهفون لايجاد طريقة للحفاظ على الزراعة حول بحيرة «تول» ان يشاركوا في المقايضة المذكورة للارض. وتم اجراد التجربة في عام 1995. وفي عالم مثالي، فان المزارعين في منطقة معينة سيعملون معا لتخصيص محميات اكبر مما يستطيعون القيام به كل على حدة، ومع ذلك فان مثل هذا التعاون يعتبر نادرا وهشا، ففي حوض بحيرة «تول»، على سبيل المثال، سارت التجربة بشكل جميل في البداية وفضل البط والاوز المناطق المغمورة حديثا بالماء، والتي انتجت بسرعة مناطق كثيفة من الغطاء النباتي الخاص بالمستنقعات، وقد عثر على ربع الطيور المائية الموجودة في الملاذ كله في الحقول السابقة، التي تمثل 4% فقط من المساحة الاجمالية للمستنقعات، وعندما تمت زراعة جزء من هذه المناطق المغمورة مجددا بعد مضي ثلاث سنوات، وجد المزارعون ان التربة باتت اغنى بالمواد الغذائية الاساسية وخالية تماما من الديدان الخيطية. وقد اثبتت هذه التجربة ان الزراعة يمكنها ان تعيش جنبا الى جنب مع الطبيعة لصالح الاثنتين. ضرار عمير