يتزايد الاهتمام بالدبلوماسية بتزايد المشاكل الدولية والبحث عن حلول لها، والدبلوماسية هي دائما القناة التي تمر عبرها الحلول لاصعب واخطر المشكلات. والدبلوماسية هي علم وفن التمثيل والمفاوضة وهي علم لأنها تفترض فيمن يمارسها معرفة تامة بالعلاقات السياسية الدولية القائمة بين مختلف الدول، وكذلك بالاطار القانوني لهذه العلاقات وبتقاليد الدول وتاريخها وأحكام المعاهدات التي تكون الدولة طرفا فيها، وهي فن لأن مدارها هو ادارة الشئون الدولية، الامر الذي يتطلب دقة الملاحظة والمقدرة على التوجيه والاقناع وتتبع الاحداث. ولقد تطور مفهوم الدبلوماسية بتطور الزمن فمن دبلوماسية الكهوف الى دبلوماسية المكوك والاقمار الصناعية والانترنت. كما مرت الدبلوماسية بالاطوار التي مرت بها البشرية سواء الحروب المباشرة كالحربين العالميتين او الحروب الاقليمية التي وقعت في العديد من القارات، او الحروب غير المباشرة او ما اصطلح عليه بـ «الحرب الباردة» وكان للدبلوماسية في ظل وجهي الحرب فعلا مباشراً ومؤثراً. من هذه المقدمات ينطلق الباحث د. علاء ابو عامر في كتابه «الوظيفة الدبلوماسية» الصادر حديثا عن دار الشروق. تألف الكتاب من اثني عشر فصلا. بدأه بفصل خاص بمفهوم الدبلوماسية وقدم العديد من التعريفات الواردة في المواثيق والمعاهدات وعلى ألسنة الساسة والدبلوماسيين او عبر مؤلفاتهم وبشكل عام فان «الدبلوماسية هي مجموعة القواعد والاعراف والمبادئ الدولية التي تهتم بتنظيم العلاقات القائمة بين الدول والمنظمات الدولية والتوفيق بين مصالح الدول وهي فن اجراء المفاوضات والاجتماعات والمؤتمرات الدولية وعقد الاتفاقيات والمعاهدات» «ص 23». وتعود اصول الكلمة «الدبلوماسية» الى اللغة اليونانية والتي استخدمت في اليونان القديمة لتشير الى الوثائق المطوية التي تبادلها حكام المدن الاغريقية في علاقاتهم الرسمية. وهذه الكلمة مشتقة من الفعل اليوناني «diploun» ومعناه «يطوي» وهي تشير الى الوثائق الرسمية المطوية الصادرة عن سلطات عليا. ثم اتسع مدلول الكلمة ليشمل الوثائق الرسمية والاتفاقيات والمعاهدات التي تزايدت بالتدريج مما تطلب ايجاد الموظفين المختصين بتبويب وفهرسة تلك الوثائق، وبقيت كلمة الدبلوماسية مرادفة للشهادات والخطابات والاعتمادات المالية، واقترنت فيما بعد بـ «خطاب الاعتماد» الذي يتقدم به الدبلوماسي لرئيس الدولة او الملك او ما يسمى بـ «The Reciving». ثم ارتبطت الدبلوماسية بـ «السفارة» و«السفير» وكان ذلك عقب اتفاقية العام 1648 حيث اخذت فكرة التمثيل الدبلوماسي الدائم تستقر واصبح لفظ الدبلوماسية مرتبطا بالبعثات. وتطور المفهوم بشكل ملحوظ وصار مقترنا بمفاهيم محددة وقواعد وتقاليد ومراسم بعد مؤتمر فيينا عام 1815. وبذا اصبحت الدبلوماسية مرادفة لوسائل تنفيذ السياسة الخارجية بما تتطلبه من وجود الحصانات والامتيازات والمراسلات الدبلوماسية. ويفرد الباحث فصلا خاصا لتتبع مفهوم الدبلوماسية في الحضارات القديمة في مصر ووادي الرافدين وبلاد الشام وكذلك في الهند والصين. مشيرا الى المعاهدات والاتفاقيات التي اعتمدتها تلك الحضارات ومنها المعاهدة التي تعود الى العام 1278 ق.م المكتشفة في تل العمارنة في مصر والتي نظمت العلاقات السياسية بين دول الشرق الادنى القديم في تلك الحقبة. «ص 52». واما الدبلوماسية العربية الاسلامية فيذكر الكاتب ان الاسلام بلور مفهوم البعثات الدبلوماسية حيث اقام الرسول محمد «صلى الله عليه وسلم» علاقات مع الخارج قوامها محادثات وارسال كتب وايفاد مبعوثين. حيث ارسل مبعوثين الى ملك الحبشة وملك مصر وامبراطور الروم وملك الفرس واسقف نجران وملوك عمان والبحرين واليمن، وبشكل عام فقد كانت لهذه الدبلوماسية عدة اهداف منها الدعوة للاسلام أو من اجل الفداء وتبادل الاسرى او بهدف الاخبار والاستعلام عن حالة العدو. وقد تطور هذا الشكل من الدبلوماسية في ظل الدولتين الاموية والعباسية بحيث كان اختيار الدبلوماسيين من فئة معينة كالقضاة والفقهاء والعلماء والمتحدثين وكبار موظفي الدولة من امراء ووزراء وقادة جيوش. وحرص الحكام والامراء على تزويد امرائهم بوثائق عرفت باسم «التذاكر» تتضمن اسماءهم وصفاتهم وطبيعة مهامهم وهي تشبه في ايامنا هذه جوازات السفر وأوراق الاعتماد لتسهيل عملية انتقال المبعوثين وعرف من هؤلاء السفراء «عامر الشعبي» و«نصر بن الازهر» وسفارة العادل سيف الدين شقيق صلاح الدين الايوبي الى ريتشارد ملك انجلترا بهدف التفاوض لعقد الصلح. وفي العصور اللاحقة برزت دول بعينها طورت مفهوم الدبلوماسية والعمل الدبلوماسي، ويعتبر الفرنسيون هم السباقون في ادخال العديد من المستجدات في العمل الدبلوماسي وكان الكاردينال ريشيلو على رأس من طور مفهوم العمل الدبلوماسي من خلال آرائه الجديدة التي اوجبت ارتباط السفراء والاشراف عليهم من قبل وزير واحد وبذلك انهى لأول مرة ارتباط السفير بعدة وزراء.. كما ربطته الدبلوماسية الفرنسية بين عمل السفراء ومهام الاقتصاد والتجارة مع الدول، ولم يعد الامر مقتصرا على العمل السياسي، وتجدر الاشارة الى ان الفرنسيين هم الذين ابتكروا قاعدة الموافقة المسبقة من قبل البلد المضيف قبل تعيين السفير رسميا. وينتقل الباحث الى الدبلوماسية المعاصرة ويذهب الى ان الدبلوماسية التقليدية بدأت بالتغيير مع انتهاء الحرب العالمية الاولى نظرا للتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العالم.. وتخلت الدبلوماسية الجديدة عن طابع السرية القديم الذي تميزت به الدبلوماسية التقليدية واصبحت دبلوماسية مفتوحة أو ما سمي بـ «الدبلوماسية الديمقراطية» وتم هذا التحول بتأثير الرئيس الامريكي «ولسن» الذي رأى أن من المفيد ان تمارس الدبلوماسية باطار من الصراحة والجماهيرية وان من الخطأ معاملة الشعوب وكأنها مجرد اشياء.. وبذلك ظهرت مفاهيم الدبلوماسية العلنية ودبلوماسية المؤتمرات المفتوحة على وسائل الاعلام. وينتقل الباحث في الفصل الرابع الى اجهزة الدولة المتخصصة في الدبلوماسية ابتداء من رئيس الدولة واختصاصاته ثم وزير الخارجية ومؤهلاته واختصاصاته ويعرض للدوائر المركزية في وزارة الخارجية ويعرض نماذج لوزارات الخارجية واقسامها ودوائرها ومهامها مثل وزارة الخارجية في الاردن وفي مصر وفرنسا. ثم ينتقل الى موضوع اختيار الدبلوماسيين والخدمة في السلك الدبلوماسي من خلال القوانين المعتمدة للخدمة الدبلوماسية في العراق ومصر على سبيل المثال. وينتقل الباحث لمفهوم المبعوث الدبلوماسي، حيث يشير الى اتفاقية فيينا التي حددت ثلاث فئات لرؤساء البعثات الدبلوماسية هم: السفراء ورؤساء البعثات الآخرين ذوي الرتبة العليا والمندوبون والوزراء المفوضون والقاصدون الرسوليون والقائمون بالاعمال المعتمدون لدى وزارة الخارجية. وينتقل لعرض صفات الممثل الدبلوماسي ومؤهلاته وواجباته. اما «اقامة العلاقات الدبلوماسية» فانها تنطلق من «الاعتراف» وهو شرط اساسي يجب توفره في الاطراف التي تنوي اقامة علاقات دبلوماسية فيما بينها، بمعنى اقرار الدولة المعترفة بوجود الدولة المعترف بها وقبولها في المجتمع الدولي. ويجب ان يتم الاعتراف بشكل صريح يصدر عن طريق رئيس الدولة او الملك او رئيس الحكومة ووزير الخارجية. ويورد الباحث نماذج لبرقيات الاعتراف المتبادل. وبعد هذه المرحلة يجري تبادل السفراء وذلك بعد الموافقة من حيث المبدأ على تبادل التمثيل، حيث يتم الاتفاق على مستوى هذا التمثيل سواء اكان على مستوى السفراء ام مستوى القائم بالأعمال. كما يتفق على نوع التمثيل وهل هو مقيم او غير مقيم وبعد الاتفاق على مستوى التمثيل الدبلوماسي يتم الاتفاق على صيغة البيان المشترك. وعقب صدور البيان المشترك تعين وزارة الخارجية دبلوماسيا يسافر الى البلد الاخر ومعه خطاب موجه من وزير الخارجية الى وزير خارجية الدولة الثانية. ويحق للدولة التي يجري استمزاجها ان ترفض قبول السفير المرشح دون ابداء الاسباب كما نصت على ذلك اتفاقية فيينا. ويعرض المؤلف لمراسم تقديم اوراق الاعتماد وتفاصيلها من خلال حالة عدد من الدول مثل روسيا الاتحادية ومصر والمانيا واندونيسيا على سبيل المثال ثم يعرض لمراسم تقديم اوراق الاعتماد في حالات مختلفة مثل الدول ذات الانظمة الملكية او في حالة «الجماهيرية الليبية» او حالة «بوركينافاسو». ويقدم الباحث نماذج وأمثلة «لكتاب الاعتماد» و«تجديد اوراق الاعتماد». «ص 180». ويخصص فصلا للبعثات الدبلوماسية والبعثة تتكون من عنصرين هما: العنصر المادي ويتكون من اماكن البعثة التي تشمل المباني والاجزاء من المباني والارض التابعة لها، والتي تستعمل لاغراض البعثة أيا كان مالكها. اما العنصر المعنوي فيتكون من الموظفين الدبلوماسيين كرئيس البعثة والمستشارين والسكرتيرين على اختلاف درجاتهم والملحقين والموظفين غير الدبلوماسيين وتتضمن هذه الفئة الملحقين العسكريين والبحريين والجويين وموظفي الشئون القنصلية والكتاب والمترجمين ثم الموظفين الاداريين والمستخدمين والخدم. وتحدد مرتبة البعثة الدبلوماسية من قبل الدولة التي توفد البعثة ولكن وحيث ان ايفاد البعثة الدبلوماسية هو نتيجة اتفاق فان مرتبة البعثة تحددها الارادة المشتركة للدولتين الموفدة والمستقبلة، وبموجب مبدأ المعاملة بالمثل فان الدول لا تتبادل البعثات الا من ذات المستوى الا في حالة الاتفاق على خلاف ذلك او وجود ظروف خاصة، ويعرض المؤلف لمهام البعثة الدبلوماسية في المجالات السياسية والاقتصادية والقنصلية والادارية وواجبات المبعوثين بحسب تخصصاتهم. «ص 200». ثم ينتقل الباحث الى محور «الحصانات» ابتداء من حصانات وامتيازات رئيس الدولة باعتباره الدبلوماسي الأول في بلاده وذلك استنادا للتشريعات والمعاهدات المنصوص عليها في القانون الدولي. وتتحدد هذه الحصانة في الاستقبال والاقامة والحماية الشخصية وممارسة الاعمال السيادية والامتيازات المالية والحصانة القضائية. اما حصانات وامتيازات البعثة الدبلوماسية فان من أهمها رفع العلم والشعار وحرمة مبنى البعثة اذ لا يجوز تفتيشه او التعرض لأثاثه وموجوداته، ومن الحصانات الاخرى حصانة المقر الشخصي للمبعوث الدبلوماسي وحصانة شخص المبعوث الدبلوماسي والحصانة القضائية المدنية وتعني اعفاء الدبلوماسي من جميع الدعاوى المدنية المقامة ضده ويجب ان تقاضيه المحاكم التي يتبع لها مقره الأصلي. وكذلك الاعفاء من الادلاء بالشهادة امام المحاكم. وينتقل المؤلف لحصانة الحقيبة الدبلوماسية والتي يقصد بها طرد يحتوي على البريد الرسمي حيث لا يجوز فتحها او حجزها، وترسل الحقيبة بواسطة ما اصطلح على تسميته بـ «المرسل الدبلوماسي» ويتمتع بحرمة وحصانة قضائية ودبلوماسية. ويخصص الباحث فصلا لموضوع «قطع العلاقات الدبلوماسية ونهاية البعثة» وأسبابها ثم يعرض للغة المراسلات الدبلوماسية ويعرض لنماذج من رسائل رؤساء الدول ورسائل السفراء والتقارير الدبلوماسية وأنواع المذكرات مثل المذكرة الشفهية والمذكرة الموقعة. «ص 270». ويختتم المؤلف كتابه الشامل والمتنوع والغزير بالتفاصيل والمعلومات، بملحق هو نص اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية. طاهر عبد مسلم