هذا الكتاب هام يأتي في وقته تماما، يتشكل من ثلاثة أقسام بالغة الأهمية: القسم الأول يكشف لنا الهيمنة الأمريكية متجسدة في القيادة، وترويج الانتاج وتسييس الاستثمار ودبلوماسية القوة ولبرلة السوق وأخيرا توسيع حلف شمال الأطلنطي. أما القسم الثاني فهو محاولة من المؤلف د.سعيد اللاوندي ممتلكة أسانيد ودلالات تبرهن لنا عن أن القرن الحادي والعشرين لن يكون أمريكياً وذلك عبر شهادات من جارودي وتشومسكي وأحمد حسين أمين. واخيرا يأتي القسم الثالث والأخير لكي يؤكد لنا الكاتب أن هناك مناطق ترشحها القراءات الفاحصة للوقوف في وجه أمريكا منها الاتحاد الأوروبي والصين وحلف مستشرف بين روسيا والصين والهند ومنطقة حوض البحر المتوسط. من هنا تأتي أهمية تلك السياحة الاستشرافية مع هذا الكتاب. ان أمر قيادة العالم بلا منازع هو من نصيب الولايات المتحدة، وعلى جميع الدول أن تدرك أننا لو أردنا احداث أي تغيير فلابد سنفعله. فالعالم لنا.. العالم للأمريكان هذا ما قالته مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس كلينتون. على ان صورة الدولة الأقوى لم تتكشف بوضوح الا بعد حرب الخليج الثانية عندما تصرف قادة أمريكا على طريقة (نحن قادرون على فعل كل ما نريد وفي أية بقعة من العالم) ولعل هذا الأمر تحديدا هو ما عناه بوش الكبير عندما أعلن ـ آنذاك ـ بداية نظام دولي جديد، يكون فيه الأمريكيون هم الوحيدون الذين يأمرون، فيطاعون ! وهو ذات المعني الذي أكده وزير الخارجية الأسبق وارين كريستوفر بعد حرب الخليج بعامين عندما قال: ان أمريكا سوف تواصل قيادتها للعالم، وهي مستعدة للعمل بطريقة حاسمة لحماية مصالحها في أي مكان، وفي أية لحظة، واذا احتجنا لاجابة جماعية فسوف نفعل ذلك مع الدول التي تؤيدنا، لكننا في حالات الضرورة، سوف نتصرف بمفردنا. هذه الصورة التي رسمتها أمريكا لنفسها كقوة ـ واحدة وحيدة في العالم ـ كان من الطبيعي أن تلقي معارضة من أطراف اقليمية كبرى لها أيضا مصالح كبرى على خريطة العالم. فالأوروبيون ـ على سبيل المثال ـ لا يخفون قلقهم من (الأمركة) المتسارعة لبلدان أوروبا الشرقية والغربية معا، بل ان نفرا من قادة أوروبا لم يترددوا في الافصاح عن رفضهم للقيادة الأمريكية في القرن القادم..فها هو الرئيس الفرنسي جاك شيراك يعلن في أول زيارة قام بها الى الولايات المتحدة عقب تسلمه مقاليد السلطة في قصر الأليزيه: انه ليس من المعقول أو المقبول أن نتخيل أن تكون الارادة، والقرار لأمريكا دائما: بينما تقوم أوروبا بدفع فاتورة الحساب! ولعل هذا الرأي الرئاسي الفرنسي هو الذي يفسر لنا مغزى ما صرح به وزير خارجية فرنسا (هوبير فيدرين) من أن الدبلوماسية الفرنسية تعطي أولوية قصوى في القرن الواحد والعشرين لمواجهة الاحتكار الامريكي.. وقال ان الاتحاد الأوروبي وهو الفكرة المناوئة للنفوذ الأمريكي مثال لا سابق له في التعايش الارادي بين الأمم والدول. وأن فرنسا ناضلت نحو 40 عاما من أجل أوروبا الموحدة ولذلك فهي ترفض أن يختزل كل هذا الجهد في أن يصبح مشروع أوروبا الموحدة مجرد سوق حرة.. ان اليورو هو برهان على القوة الفيدرالية لأوروبا، وسيكون أداة التوازن في اللعبة الدولية التي يسيطر عليها الدولار. ثم حدث أن اتسعت دوائر الرفض للأمركة العولمة في كل أنحاء اوروبا ـ فانتشرت موجات النقد للنموذج الأمريكي في كل مكان من أوروبا. كما ظهرت طروحات نظرية عديدة تطالب الاتحاد الأوروبي في أن يعتمد على نفسه في تقديم (خيار أوروبي يضاهي العقيدة الليبرالية الانجلوسكسونية المتطرفة لمواجهة الأمركة العولمة بآثارها وسلبياتها المدمرة مع أهمية أن يحظى هذا الخيار الأوروبي بتأييد مواطني دول الاتحاد الأوروبي. وأيا كان الأمر، فالمؤكد أنه لا يوجد ـ في التصور الحالي أي منافس قوي لأمريكا، قادر على الوقوف في وجه تفوقها. والاحتمال الأضعف هو أن تصبح أوروبا هذا المنافس، لكن ليس قبل 25 عاما وبشروط صعبة جدا. واذا خطر ببال أحد أن روسيا يمكن أن تقوم بهذا الدور فالمحقق أنها.. في حال تجاوزها أزمتها الحالية ـ ستصبح على الأكثر مجرد قوة اقليمية. أما الصين التي يلوح البعض بها كبديل مناوئ للقوة الأمريكية فقد تصبح قوة اقليمية متفوقة ـ على أقصى تقدير ـ بمعنى أنها لن تصل الى موقع القوة العالمية، والشيء نفسه يمكن أن يقال على اليابان.. اضافة الى أنه لا يوجد في آسيا مكافئ للمحور الفرنسي ـ الألماني.. وهو ما يكرس واقع الحال وهو عدم وجود بديل في المدى القصير للتفوق الأمريكي ـ الذي جسد نفسه هيمنة وسيادة، وهكذا حصلت الولايات المتحدة على كل الامتيازات التي رغبت فيها سياساتها. من هنا لم يغب عن بال قادة الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية القرن العشرين أن الهيمنة على العالم لابد أن تمر عبر بوابة الاقتصاد ـ ففي مجال الزراعة تعتبر الولايات المتحدة الدولة المنتجة الأولى في العالم وهي توظف هذه الخاصية للحصول على امتيازات من شركائها عبر مفاوضات ثنائية أو متعددة الأطراف كما تتمكن تبعا لذلك من فرض ارادتها في كل ما تريد. صحيح أن الزراعة لا تمثل سوى 2.5% من الانتاج القومي الأمريكي ولا يعمل بها سوى 2.7% من الأيدي العاملة النشيطة الا أن الانتاج الزراعي الأمريكي لم يتوقف عن النمو.. ففي عام 1996، قدمت الولايات المتحدة 48.9% من فول الصويا و40.3% من الذرة 19.4% من القطن و10.7% من القمح. وكان الترتيب كالتالي: أمريكا هي الأولى عالميا في انتاج الصويا ـ والذرة والاخشاب وهي الثانية في القمح والقطن والثالثة في لحم الأبقار والرابعة في الخمور، ثم أنها منتج أساسي للألبان والطباق. ولئن كانت السوق الداخلية الأمريكية تستهلك نحو 80% من هذا الانتاج الا أن المزارعين الأمريكيين يحتلون المرتبة الأولى في مجال التصدير، ففي عام 1996 صدروا 70% من الذرة، و69.8% من الصويا و28.3% من القمح و28.1% من القطن. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك تحققت (ايجابية) غير مسبوقة في الميزان الزراعي اذ بلغ الفائض 28 مليار دولار في عام 1996 وبلغت المبيعات نحو 60.2 مليارا والمشتريات نحو 32.4 مليارا. وهكذا تحقق للنموذج الزراعي الأمريكي السطوة والنفوذ وذلك عبر تفهم عوامل أخرى عديدة منها أن المساحة الزراعية في أمريكا تزيد عن 400 مليون هكتار، وهو ما يسمح بالزراعات المتنوعة والكثيفة، وهناك عامل آخر هو الاستثمارات المتزايدة في المجال الزراعي بالاضافة الى السياسية الحمائية الأمريكية للزراعة والمزارعين. وكان طبيعيا أن يلعب قطاع البنوك دورا أساسيا في تعظيم مكانة الولايات المتحدة الأمريكية فأمريكا هي أكبر مالك في العالم لرؤوس الأموال وقد ارتفعت المدخرات فيها من 859 مليار دولار في عام 1980 الى 4570 مليار في عام 1994. وكان من نتائج ذلك أن الأسواق عرفت اتساعا مستمرا ومواد التمويل تقدمت سريعا ويتناول كتاب (القيادة الأمريكية) ثلاثة أنواع من الهيمنة هي: الهيمنة التجارية والهيمنة النقدية والمالية، ثم الهيمنة الاستثمارات المباشرة لأمريكا في الخارج كل ذلك يسمح للولايات المتحدة بممارسة دور القائد. من هنا كانت الولايات المتحدة في قلب صناعة دبلوماسية القوة وديمقراطية السوق تلك العقيدة التي صنعتها مجموعة من الأحداث والتواريخ الفاصلة في مسيرة أوروبا والعالم منذ الحرب الباردة الى الحدث الأبرز ـ سقوط حائط برلين في 9 نوفمبر 1989 وانهيار الاتحاد السوفييتي لتحل محله 15 دولة، ثم صعود دول اقليمية مثل الهند وباكستان وامتلاكها لقوى نووية بالاضافة الى الاتحاد الأوروبي ووحدة الألمانية. وهكذا وجدت أمريكا نفسها في قلب مهمة قيادة العالم من أجل الدفاع عن مصالحها ومن أجل الدفاع عن مساحات نفوذها تحدث ما حدث في العراق والبوسنة وأفغانستان وفلسطين وهي القائدة لكل التدخلات التي تتم عبر المؤسسات التمويلية الدولية من أجل فرض وارساء ما يسمى بديمقراطية السوق عبر البرامج الهيكلية والانفتاح والخصخصة. بالأضافة الى ذلك فهناك توسيع الحلف الأطلنطي وتعيين وظيفة جديدة له بعد أن فقد وظيفته بعد انهيار العدو الأول له المصمم لمواجهته ـ الاتحاد السوفييتي ـ ومن هنا كانت هناك عقيدة جديدة لهذا الحلف حوت مصادر تهديد جديدة ومسرح جديد للعمليات ومرجعية سياسية لاتخاذ القرار. ويكشف لنا الاصرار الأوروبي على ايجاد دفاع أوروبي حقيقي منفصل عن حلف الأطلنطي مع ضم دول على علاقات أوروبية جيدة وبالذات الدول المحبة لفرنسا ـ الى الحلف. أما اصحاب وجهة النظر القائلة بأن أمريكا لن تكون هي الدولة القائدة للقرن الواحد والعشرين يستندون في ذلك الى حجم المشاكل الداخلية في المجتمع الأمريكي. فالثابت أنه مجتمع المتناقضات وان الجريمة تزداد يوما عن يوم واستهلاك المخدرات والكوكايين (5% من السكان في أمريكا يحتكرون نحو 50% من الاستهلاك العالمي للكوكايين) ومشكلات العبودية ومشكلة العجز والديون وعدم المساواه والفقر الذي يعامل من قبل الدولة وكأنه (مسئولية فردية) فهناك أكثر من 35% من الشعب الأمريكي محروم من أي غطاء اجتماعي كل ذلك بالاضافة الى الموزاييك العرقي والاثني والنتيجة التصارع من أجل اثبات الهوية. وهناك سوف يكون من الأهمية بمكان أن نطالع شهادة المفكر الفرنسي المعروف روجيه جارودي والشهادة الثانية للمفكر الأمريكي الأشهر نعوم شومسكي (ماذا يريد العم سام) الذي فيه يذكر بالأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة والتي تتخلص في هدفين: الأول هو حماية المجال الأمريكي (المجال العظيم) الذي يشتمل على أغلب أجزاء السياسة. والثاني: اعاقة عملية التقدم والنمو الاجتماعي والديمقراطي للشعوب الأخرى وبالذات في العالم الثالث. وأخيرا فان أخطر استراتيجيات الولايات المتحدة للهيمنة على العالم هو ما يطلق عليه بالعولمة أو الأمركة عند البعض من النافرين من تلك الهيمنة الأمريكية وهكذا يبقي السؤال مطروحا هل سوف يكون ذلك قدرا محتوما لا فكاك منه؟ أم أن هناك ما يختبئ من أحداث في دراما العالم والهيمنة والنفوذ. القاهرة ـ «بيان الكتب»