يعمل مارتن بيرنال، مؤلف هذا الكتاب، استاذا في جامعة كورنيل. كان قد نشر عام 1987 الجزء الاول من كتابه الشهير «اثينا السوداء: الجذور الافرو ـ آسيوية للحضارة الكلاسيكية صناعة اليونان القديمة 1785 ـ 1985، ثم الجزء الثاني «الجذور الافرو ـ اسيوية للحضارة الكلاسيكية ـ الدليل الاركيولوجي والوثائقي» عام 1991. وقد تمت ترجمة هذين الكتابين الى العديد من اللغات العالمية من بينها الالمانية والفرنسية والاسبانية والسويدية. يقول العنوان الفرعي لهذا الكتاب الجديد «مارتن بيرنال يرد على ناقديه». وناقدوه هؤلاء كانوا قد شنوا على كتابه «اثينا السوداء» بجزئيه هجوما عنيفا في مختلف الصحف والمجلات الامريكية المحافظة كما أهملت الاشارة اليه صحف ومجلات عريقة مثل «نيوزويك» و«نيويورك تايمز»، لكن بالمقابل قوبل الكتاب بحماس كبير من قبل الافرو ـ امريكيين ـ الامريكيين من اصول افريقية، اي السود لأنهم وجدوا فيه ما يعيد لهم موقعهم في صناعة الحضارة الانسانية. لكن التعرض «لردود» المؤلف على ناقديه لما طرحه من افكار في كتابه «اثينا السوداء» بجزئيه يتطلب بالضرورة تقديم عرض موجز للاطروحات الاساسية في الكتابين السابقين. وكان «مارتن برنال» قد حدد في الجزء الاول من الكتاب نمطين اساسيين لاصول الحضارة اليونانية القديمة احدهما يعود للفراعنة والفينيقيين من الالف الثاني قبل الميلاد. ونمط اخر يحدده المؤلف بأنه «نمط اري» وهو يعود الى اوائل القرن التاسع عشر فقط ويمثل «اختراعا اوروبيا شماليا» عمل على طرد النمط الاول ونفيه بينما حاول المؤلف ان يقدم البراهين على عمق مساهمة النمط الاول في الحضارة اليونانية «الكلاسيكية» التي تعتبرها أوروبا بمثابة جذرها الحضاري الاساسي بما هي عليه في الوقت الراهن. وفي الجزء الثاني من «اثينا السوداء يؤكد المؤلف وجود تأثير شرق اوسطي ثقافي ولغوي على اليونان خلال العصر البرونزي. ويعتمد المؤلف في تحليلاته على الاساطير بشكل اساسي وذلك على اساس ان الاسطورة تحتوي دائما على «نواة» من الحقيقة التاريخية. انه باختصار يؤكد على ان للشعوب السوداء والاقوام السامية جذورا هامة في التاريخ الثقافي لاوروبا والذي يقيمه العديد من المؤرخين «العنصريين» الذين يؤكدون على النزعة الاوروبية للتمركز حول الذات. ان «بيرنال» يدين بوضوح المقولات العنصرية القائلة بتقسيم العالم الى حفنة من الاعراق التي تتسم بنوع من التراثية الهرمية التي يحتل العرق الآري والأوروبيون قمتها. وفي المحصلة يمكن القول بأن «مارتن بيرنال» قد ارجع في كتابه «اثينا السوداء» بجزئيه الحضارة اليونانية الى الحضارات الافريقية والاسيوية القديمة. وقد اثارت آراؤه هذه جدلا واسعا في الاوساط العلمية التي رفضت اغلبية ممثليها هذه الاطروحات.. ولذلك عزم المؤلف على تقديم المزيد من الادلة على ارائه، فكان هذا الكتاب «الجديد». ان هذا الكتاب يأتي في الواقع كرد على كتاب معين حمل عنوان: «العودة لزيارة اثينا السوداء» الذي يشارك فيه عدد من المتخصصين الذين قدموا مساهمات فندوا فيها آراء «بيرنال» وكان اكثر الانتقادات عنفا. من قبل كتاب يؤكد مؤلف هذا الكتاب، بأنهم ينتمون الى اوساط اليمين السياسية المتطرف. والواقع ان حوالي نصف ما جاء في الكتاب «اثينا السوداء ترد» هو عبارة عن ردود كان المؤلف قد نشرها سابقا في معرض الرد على اولئك الذين قاموا بانتقاد ارائه السابقة. اما بقية الكتاب فتتمثل في مجموعة من الدراسات التي يمكن تصنيفها في ثلاث فئات، الاولى منها تتعلق بردود المؤلف على الانتقادات التي ظهرت لاول مرة في كتاب «العودة لزيارة اثينا السوداء» والفئة الثانية تضم ثلاث مساهمات سبق نشرها عن موضوعات لم تتم تغطيتها بشكل مباشر في كتاب «اثينا السوداء» ولكنها لها اهميتها في النقاش العام الجاري. اما الفئة الثالثة فهي تخص التعرض لكتب حديثة تعارض فكرة تأثير جنوب شرق آسيا على مسيرة الحضارة اليونانية. ان الكثير من الباحثين بل واغلبيتهم اليوم يرون بأن اليونان القديمة كانت أهم المساهمين في الثقافة الأوروبية الغربية بشكل مباشر او عن طريق روما وبيزنطة والعالم الاسلامي. وتؤكد بعض النظريات بأن اليونان كانت مسكونة في البداية من قبل قبائل بدائية، وورد عليها مصريون وفينيقيون استقروا فيها وانشأوا المدن وأثروا سكان اليونان بحضاراتهم. لقد ادخل الفينيقيون الحروف الابجدية في حين كان المصريون وراء نشر وسائل الري والعبادات القديمة. كانت مثل هذه الاراء تلقى قبولا واسعا حتى عشرينيات القرن التاسع عشر حيث بدأ باحثون من شمال اوروبا في انكار أي تأثير مصري او فينيقي على الحضارة اليونانية القديمة. ان المؤلف يرى هذا «الانكار» نوعا من الطرح العنصري الرامي الى دحض الاراء القائلة بأن اليونانيين القدماء كانوا بمثابة وسطاء نقلوا جانبا من حضارة الشرق وحكمته الى الغرب. اي بتعبير اخر غيروا «من موقع اليونان كـ «وسيط» الى مكانتها كـ «اصل» مؤسس للحضارة. وفي مطلع القرن التاسع عشر كان الاعجاب باليونانيين يتركز على الانتاج الشعري لهوميروس وغيره من شعراء اليونان القدامى.. وفي منتصف ذلك القرن بدأ المثقفون الاوروبيون في اعتبار ان الفن اليوناني بمثابة أرقى الفنون.. وفي نهاية القرن نفسه اتفق مؤرخو الفلسفة الاوروبيون، بأنه لا توجد أية فلسفة قبل الفلسفة اليونانية. ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق بأن مثل هذه الافكار وجدت صدى كبيرا لدى الألمان بالذات حيث كان المثقفون منهم يسعون للمحافظة على هويتهم بعيدا عن تأثير الثقافة الفرنسية والكنيسة الكاثوليكية. ولذلك عملوا ايضا على انكار أي تأثير مصري على الحضارة اليونانية مع قبولهم ـ نسبيا ـ لوجود نوع من التأثير الفينيقي. ويشير المؤلف هنا الى ان القول بوجود علاقات بين الفينيقيين واليهود من قبل الكثير من المثقفين الألمانيين أدى الى انتشار مناهضة السياسة في ألمانيا بشكل خاص. إن مؤلف هذا الكتاب يشير بأشكال مختلفة بأن آراءه التي عبر عنها في كتابه «أثينا السوداء» لم تلق الكثير من التأييد، بل على العكس تماما إذ واجهت موجة من الانتقادات والمعارضة الشديدة.. لكنها مع ذلك كانت سببا في اثارة الكثير من النقاشات، وحتى من جانب المعارضين لها أنفسهم.. وكان المؤلف قد تلقى العديد من الدعوات لعرض آرائه في العديد من المؤتمرات المتعلقة بالحضارات المصرية القديمة أو بالبحث الانثروبولوجي أو بالدراسات التاريخية. هذا ولم يقتصر الأمر على ردود الفعل على الصعيد الأكاديمي وحده وإنما كانت هناك أيضا ردود فعل سياسية تزامنت مع انهيار الشيوعية. ذلك ان سقوط الشيوعية الاوروبية أتاح الفرصة، خاصة في الولايات المتحدة الامريكية، للاهتمام بما أطلق عليه البعض «حرب الحضارات». ويرى المؤلف بأن النقاشات التي أثيرت حول كتاب «أثيناء السوداء» قد لعبت دورا هاما في ابراز الاعتراضات السياسية على محتوى الكتاب نفسه. وقد انعكست الآراء المعارضة لأفكار «مارتن بيرنال» في كتاب «العودة لزيارة أثيناء السوداء».. حيث قامت هذه الآراء على أساسين أكاديمي وسياسي، لكن ما يلفت الانتباه هو ان أغلبية المعترضين أقاموا اعتراضاتهم وانتقاداتهم على أساس عدم قناعتهم بالمستوى العلمي للمؤلف، لكنهم مع ذلك، وعلى الرغم من اعتراضهم على طرق ووسائل البحث التي اعتمدها فإنهم لا يستبعدون تماما صحة النتائج التي توصل لها. إن المؤلف يرى في هذا الواقع تدعيما لآرائه ويؤكد بأنه إذا كان علماء الآثار يثبتون بالحجة والبرهان على ان العلاقات في منطقة شرق حوض البحر المتوسط كانت أكثر متانة وعمقا في العصر البرونزي مما كان يعتقده البعض فيما سبق، واذا كان المؤرخون يوافقون على ان العنصرية ومعاداة السامية قد أثرا بشكل واضح على أعمال الباحثين في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فان أساس انكار التأثير القوي والكبير لمصر والفينيقيين على المعتقدات اليونانية القديمة وعلى اللغة اليونانية إنما يصبح «افكارا لا معنى له» ويعتبر المؤلف في هذا السياق ان الافكار التي طرحها لاقت ردود فعل مماثلة لتلك التي تلاقيها أية أفكار «راديكالية» جديدة.. إذ «تمر» ردود الفعل هذه بأربع مراحل أساسية هي: «التجاهل ثم الرفض ثم الهجوم ثم الاستيعاب». ويقارن في هذا السياق بين واقع التجاهل الذي واجهت به وسائل الاعلام الامريكية المختلفة كتابه الاول عن «أثينا السوداء» الذي لم يجد أي اهتمام يذكر من قبل المتخصصين بينما قامت كبريات الصحف الامريكية بعرض الجزء الثاني من «أثينا السوداء»، الأمر الذي يجد به المؤلف برهانا على قيمة الافكار التي وردت فيه. وفي معرض نقاش الافكار النقدية التي قدمها مؤلفو كتاب «العودة لزيارة أثينا السوداء» يبدي المؤلف اعتراضه على عدم اشارة أي منهم لعرضين كان قد تم نشرهما لكتابه وركزا على البراهين اللغوية التي قدمها. وكان قد كتب هذين العرضين باحثون يجيدون اللغات الثلاث المعنية أي المصرية القديمة واليونانية والسامية. بل ركز المؤلف في رده على مؤلفي «العودة لزيارة أثينا السوداء» على انهم قد نشروا فصلا كتبه عالمان في اللغات الهندية ـ الاوروبية وليس لديهما أي إلمام باللغة المصرية القديمة. وضمن الاطار نفسه يقدم عددا من البراهين على تأثير الحضارات المصرية القديمة بالحضارة اليونانية الأمر الذي يبدو بجلاء، حسب رأيهم، في التأثير المصري على الشعر اليوناني بل وأيضا على الموسيقى اليونانية. ويحلل المؤلف في هذا السياق أيضا قصتين من الأكثر انتشارا في اليونان القديمة حيث يحاول تقديم البراهين على البعد المصري فيهما وخاصة محاكاتهما لأحداث جرت في زمن الأسرة الثامنة عشرة التي حكمت في مصر خلال القرن السادس عشر قبل الميلاد. وبالمقابل يوجد الكثير من معالم الحضارة اليونانية ومظاهرها في كل من مصر وبلاد ما بين النهرين، ومن الواضح ان المؤلف يؤثر الحديث عن تأثير مصري في الحضارة اليونانية القديمة أكثر من حديثه عن بلاد ما بين النهرين ذلك انه كان من النادر التعرض لذكر بلاد ما بين النهرين قبل القرن الخامس ما قبل الميلاد وذلك على عكس مصر، بل وحتى سوريا وفلسطين (بلاد المشرق). وهذا ما يمكن تفسيره بالقرب الجغرافي، وقد دلت الاكتشافات الأثرية على وجود آثار مصرية وآثار سورية وفلسطينية في منطقة بحر «ايجة» كما تم العثور على آثار يونانية في هذه البلدان. إن المؤلف يستعرض بشكل خاص مظهرين أساسيين من مظاهر تأثير مصر وبلاد المشرق على الحضارة اليونانية القديمة، وهذان المظهران يخصان الملكية والموت. عن الملكية، يركز المؤلف على القول بأن المنطقة الممتدة من بلاد فارس وحتى اليونان، ومن اليونان حتى السودان عرفت تشابها كبيرا في صيغ الحكم الملكي وسبل التعامل معه. ومن الملامح المشتركة في عموم هذه المنطقة كون الملك قائدا في الحرب.. وان يحمل في كل الحالات صولجانا يرمز للسلطة. كما ان الملكية تقوم أيضا على أساس تناقلها بالوراثة.. هذا الى جانب التأكيد على تبجيل الملك المتوفى و«تعظيمه». وهذه صفات تعم في جميع المناطق المعنية. أما عن الموت فيرى المؤلف بأن مختلف الحضارات المصرية المشرقية واليونانية القديمة قالت بفكرة عدم عودة أي إنسان الى الحياة بعد الموت.. ولم تكن هذه الفكرة شائعة في بلدان الحوض الشرقي للبحر الابيض المتوسط لكنها انتشرت ايضا في بلاد ما بين النهرين ومجتمعات مجاورة أخرى. كذلك انتشرت في اليونان فكرة «عبور النهر» بالنسبة للمتوفى، وكانت هذه الفكرة شائعة ايضا في مصر وعدة بلدان في جنوب شرق آسيا. كما ان تمثيل الروح بهيئة طائر كان معروفا في جميع هذه البلدان. ولم تكن عملية وضع قلب المتوفى في مصر القديمة باحدى كفتي ميزان ووضع ريشة تمثل الحقيقة في الكفة الاخرى بعيدة عن فكرة وزن ارواح المتوفين في اليونان القديمة. وبالاضافة الى العديد من الامثلة التي يقدمها المؤلف فانه يؤكد بأن قوة مصر وثراءها دفعا اليونانيين منذ العصور القديمة الى الابقاء على صورة مثالية لها كمصدر للعدالة يتعين على اليونانيين الاشارة له دوما. وفي المحصلة يبحث عن هدف واضح هو اثبات عمق مساهمة الحضارات الافرو-آسيوية بالحضارة الغربية الحديثة التي يعتبرها مجمل الغربيين اليوم أصل الحضارة الغربية الحديثة. غير ان المؤلف يرى بأنه قد تم عن «عمد وسابق تصميم» اخفاء حقيقة وجود البعد الافرو-آسيوي في الحضارة اليونانية وذلك على قاعدة العنصرية التي تفشت في أوروبا منذ القرن التاسع عشر وكان أصحابها يرفضون مبدأ امكانية اعادة جذور الحضارة اليونانية، ولو جزئيا، الى افريقيا وجنوب شرق آسيا. وبعد كتاب «أثينا السوداء، الجذور الافرو-آسيوية للحضارة الكلاسيكية» ها هي «أثينا السوداء ترد» في كتاب جديد.