انهى ادريس شرايبي دراساته العليا في مادة الكيمياء باحدى الجامعات الباريسية بعد ان كان قد غادر مسقط رأسه في المغرب. لكن ما شد انتباهه دائما كان كيمياء الكلمات وليس كيمياء الاحماض والاملاح، نشر العديد من الاعمال الروائية والدراسات التي كان آخرها العام الماضي 2000 عمل ادبي تحت عنوان «قرأنا ورأينا وسمعنا». هذا العمل الجديد «العالم المجاور» يهديه مؤلفه الى الملك المغربي محمد السادس مع انه لم يكن متحمساً ابدا بل على العكس تماماً في الفترة السابقة. وهذا الكتاب هو في واقع الامر سيرة ذاتية لصاحبه الذي يعود الى ذكريات الطفولة والشباب والى ايام الدراسة والى الفترة التي انهى بها دراساته العليا ليرى نفسه حاملاً لشهادة كبيرة، لكن جيوبه خالية من اية دريهمات. ان ادريس شرايبي يتحدث في «العالم المجاور» بكل صراحة وحرية عن حياته وكأنه يريد ان «يتحرر» هو نفسه من اشياء كثيرة يكتمها.. انه يحكي لقارئه عن اسرار خياراته في الحياة ويقدم عدة مفاتيح من اجل فهم ما يدور في رأسه وهو الآن احد اكثر الكتاب المغاربة شهرة في فرنسا الى جانب الطاهر بن جلون. ولعل من اجمل صفحات هذا الكتاب تلك التي يتحدث فيها عن مواجهته مع نفسه ومع الزخم الكبير من الافكار المسبقة التي كان تسكن رأسه بفعل التربية والتاريخ فإنه يريد الانعتاق من كل ما يعيق تعريفه لنفسه كرجل حر يريد ان يتحمل مسئولية خياراته. يبدأ ادريس شرايبي كتابه بالجملة التالية: لقد قمت قبل لحظات بالقاء كيس من القمامة في الحاوية بآخر الشارع، وذهبت لشراء صحيفة حيث قرأت «وفاة الملك الحسن الثاني». لقد تذكر بأن كتبه كانت ممنوعة من التداول في بلاده لمدة خمسة وعشرين عاما ثم دخل مباشرة الى المنزل حيث كانت زوجته «شينا» تحضر الشاي وهو يقول عنها في مكان آخر في الكتاب بأنها الحب الكبير الوحيد في حياته فهي الاسكتلندية الوحيدة التي تعرف كيف تحضر الطعام المغربي المعروف باسم الكوس كوس كما يقول عنها. وفي مساء وفاة الملك الراحل تلقى ادريس شرايبي اتصالاً هاتفياً من احد الضباط الكبار الذي قال له فيه بأن بطاقة طائرة «من الدرجة الاولى» تنتظره للقدوم الى المغرب لحضور جنازة الملك الراحل.. وكان قد عاد للمرة الاولى الى المغرب بعد غياب عقدين من الزمن عام 1985 حيث وجد رسميون ينتظرونه في صالة الشرف، انه يصف مشاعره آنذاك بالتصريح بأن اهتمامه لم يكن منصباً ابداً على السجادة الحمراء، وعلى الاجواء الرسمية وانما كانت كل احاسيسه موجهة نحو الطلبة والناس العاديين الذين كانوا يعترضون طريقه كي يتبادلوا معه بعض الكلمات العابرة، يقول: منذ غداة وصولي وخلال الايام التالية كنت مجموعة من الاحاسيس والانفعالات، انفعالات حسية عميقة، ومن طنجة الى اغادير امضيت ثلاثة اسابيع من الاكتشاف والنشوة. ان الابطال الحقيقيين في هذا الكتاب هم البشر العاديون.. وايضا البشر الذين احبهم ادريس شرايبي او اثاروا احساس المقت لديه، البشر الذين لم ينسهم ابدا واولئك الذين يريد ان يمحي حتى ابسط الذكريات عنهم، كما ان المؤلف يتحدث في هذا الكتاب عن علاقته بالادب منذ البدايات الاولى لممارسة الكتابة الابداعية. الى تلك الفترة التي انهى بها دراسته الجامعية ليجد نفسه فجأة امام السؤال الحيوي التالي: والآن؟ وكانت الاجابة: «لم اكن قد قررت ابدا الكتابة والادب. لكنني وجدت نفسي ذات يوم دون اية امكانيات مادية لتأمين سبل العيش فقررت الكتابة». وعندما انهى مخطوط اول عمل ادبي له ارسله الى احد دور النشر الباريسية ليتلقى بعد ايام قليلة اجابة متحمسة للنشر من تلك الدار وهكذا رأي اول عمل له «الماضي البسيط» النور ليدخل ادريس شرايبي فجأة الى عالم الادب في فرنسا، وذات يوم وعندما كان يتحدث مع فرانسوا نورسييه الروائي الفرنسي المعروف ورئيس اكاديمية الجونكور، سأله هذا الاخير عن كيفية تأمين عيشه، فما كان من ادريس شرايبي سوى ان اجابه بهدوء، انني استثمر فتاتين او ثلاثة في حي بيغال ـ الحي الساخن في باريس. كانت دعابة لكن فرانسوا نورسييه اخذها محمل الجد واشاع عن الشاب المغربي بإنه يعمل «قواداً»». ان ادريس شرايبي يتحدث ببساطة ودون اي حرج عن كثير من الحكايات الصغيرة التي عرفتها حياته من هذا الطراز. ويتحدث المؤلف في هذا الكتاب طويلا عن عمله الاول «الماضي البسيط» والذي علق عليه الروائي المعروف فرانسوا مورياك بمقال طويل تحت عنوان «ادريس شرايبي، قاتل الامل» ويشير شرايبي في هذا الصدد الى جنوح الصحافة الفرنسية انذاك نحو اعتبار هذا العمل ذا طبيعة سياسية، وبالتالي جرى اهمال شبه تام لقيمته الادبية. ذهب ادريس شرايبي بعد زواجه الاول من كاثرين الفرنسية للاقامة في منطقة الالزاس.. وهناك واجه تحديا كبيرا اذ رأى بأنه مطلوب منه ان يصبح فرنسيا وبالتالي برز امامه افق ان يتم دفنه ذات يوم في الالزاس. وكانت الاجابة قاطعة مانعة: كلا، انني لم انس اصولي، وبالتالي لم يكن مطروحا رفضها، لقد حاول المساهمة في انفتاحها، على الآخر وعلى العالم، وقد جعل من هذا مشروع حياته كله في الواقع.. وهذا ما يبدو ايضا من فترة عمله لمدة ثلاثين سنة كاملة في اذاعة فرنسا الثقافية. في كتاب ادريس شرايبي السابق تقول الجملة الاخيرة انني اشكر الحياة فقد غمرتني بعطائها وتقول الجملة الاخيرة في هذا الكتاب وكأنها صدى للاولى «الحياة مستمرة مرحبا بالحياة».