من أصل بلغاري، وتعيش في فرنسا منذ عام 1966، جوليا كريستيفا، هي احد اكثر الكتاب الفرنسيين المعاصرين شهرة على الصعيد الدولي، سبق لها ونشرت نحو ثلاثين كتابا تتراوح بين التحليل النفسي، حيث ان المؤلفة هي محللة نفسانية، وبين الرواية، بما في ذلك الرواية البوليسية، ومرورا بالدراسات الاجتماعية وخاصة ما يتعلق منها بمسائل الاغتراب حيث تؤكد جوليا كريستيفا باستمرار بانها ورغم شهرتها في فرنسا لاتزال تحس احيانا كثيرة بانها غريبة في فرنسا، من اهم مؤلفاتها «الحقيقة المجنونة» و «سلطات الرعب» و «حول العبقرية النسائية» و «ثورة اللغة الشعرية».. الخ ومؤلفة هذا الكتاب هي استاذة جامعية منذ عدة سنوات. هذا الكتاب هو مجموعة من المقالات المتفرقة التي كانت المؤلفة جوليا كريستيفا قد قدمت محتواها في البث الاذاعي الذي تشارك فيه منذ فترة طويلة في اذاعة فرنسا الثقافية.. وهكذا جاءت الموضوعات التي يحتويها هذا الكتاب مزيجا من مختلف المشارب، والاهتمامات السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهي توضح بشكل عام درجة التناقض الكبيرة التي يتسم بها عالم اليوم. ومن خلال «المسألة الكورسيكية» التي تتعرض لها «جوليا كريستيفا» في الصفحات الاولى من هذا الكتاب تؤكد على مجموعة من المقولات التي تتردد باستمرار في كتابها هذا وفي مختلف كتاباتها النقدية والاجتماعية، وهي مقولات تتعلق بمفاهيم الحرية والهوية واللغة والادب، وهذه الاطروحات بالتحديد هي التي تدور حولها المسألة الكورسيكية في عملها والتي تتلخص بتحديد نمط العلاقة بين جزيرة كورسيكا في البحر الابيض المتوسط جنوب الشاطيء الفرنسي وبين فرنسا «القارية»، تجدر الاشارة هنا الى ان جزيرة كورسيكا كانت قد طرحت مؤخرا نقاشا كبيرا في فرنسا من حيث العلاقة مع الدولة «المركزية» اذ ان مجموعة من الكورسيكيين يطالبون بنوع من الاستقلال الذاتي، بل واكثر بينما وافقت الحكومة الفرنسية الحالية على اعطاء بعض الصلاحيات التشريعية للمجلس المحلي للجزيرة الامر الذي كان وراء استقالة وزير الداخلية الفرنسي السابق جان بيير شوفنمان احتجاجا على ما اعتبره مساسا بوحدة الجمهورية الفرنسية. جوليا كريستيفا تصف النقاش الذي اثارته «المسألة الكورسيكية» بانه «نقاش حضاري» وتستعيد ضمن هذا السياق ما قال به البعض عندما «عابوا» على الكورسيكيين الافتقار الى اي «كاتب كبير» كي تسخر بدورها من هذا المفهوم «الكاتب الكبير» الذي كان جان بول سارتر قد تعرض له باسهاب في كتابه المعروف «الكلمات» كما ترى بأن الادب قد تجاوز خلال القرن الماضي ـ العشرين ـ كل الحدود التي تريد ان تحصره بأمة معينة او بمنطقة محدودة جغرافيا، لقد تجاوز «الدولة ـ الامة» كي يعبر عن بعد انساني، وليس ادب «جويس» و «فولكنر» و «رامبو» سوى بعض الامثلة على ادب «تجاوز كل التعيينات القومية والاقليمية» ذلك ان الكتاب وقبل السياسيين بفترة طويلة، ادركوا محدودية الدولة ـ الامة ولكن ليس من اجل الغائها، وايضا ارتبطوا بها عبر اللغة التي تشكل وسيلة تعبيرهم وانما من اجل فتحها على الخارج، كما تقول جوليا كريستيفا التي تميز بوضوح بين ما تسميه «النزعة الجمالية القومية للقرن التاسع عشر» وبين الادب ما بعد القومي في القرن العشرين. وفي معرض الحديث عن «المسألة الكورسيكية» تتعرض المؤلفة لكتاب «جان ماري كولومباني» رئيس تحرير صحيفة «لوموند» الباريسية، الذي تحدث فيه عن «منكوبي الجمهورية» والذي خص به «كورسيكا» والمشروع الحكومي حيالها بالبحث وحيث يتم من جديد عرض مسألة «الجمهورية» من زاوية الاصلاحات الديمقراطية المقترحة والخلاف على مضمونها ومداها بين «مؤيد» و «معارض» لهامش «حرية التشريع» الذي تضمنه مشروع الحكومة الفرنسية الحالية حيال جزيرتي «كورسيكا» وذلك في افق الحد من موجة العنف التي تمارسها عدة منظمات سرية من «دعاة الاستقلال» منذ عدة سنوات والتي ذهب ضحيتها عشرات القتلى. وتناقش المؤلفة في احدى المقالات التي يتضمنها هذا الكتاب مسألة «التعذيب» في اطار الجمهورية وهي تعود بالذاكرة الى عام 1972 حيث نشر الكاتب الفرنسي «بيير فيدال ناكيه» كتابا بعنوان «التعذيب في الجمهورية» والتعذيب يخص هنا بالدرجة الاولى سنوات حرب التحرير الجزائرية 1954 ـ 1962 «جوليا كريستيفا» تؤكد بأن الجميع في فرنسا يعرفون حقيقة ممارسة التعذيب اثناء تلك السنوات بل ان مجلة «ايسبري» نشرت منذ عام 1958 تحقيقا حول ذلك، ولكن الذاكرة الانسانية تعمل بطريقة امنة حتى اولئك الذين ساهموا في تلك الاعمال او اولئك الذين كانوا شهودا عليها قد نسوا ذلك، ولكي يستطيع البشر الاستمرار يقومون بالرقابة على ما لا يمكن تحمله، ولا تتحدث المؤلفة في هذا الاطار عن الرقابة «السياسية» او «الادارية» فحسب، وانما ايضا وقبل كل شيء، عن الرقابة النفسية التي يفرضها اولئك المعنيين بالتعذيب على انفسهم بصورة واعية او لا واعية للتغلب على الاحساس بالذنب، ومن اجل انقاذ ماء الوجه حيال الذات وحيال الاقرباء. وترى «جوليا كريستيفا» ان موجة الكتب والدراسات والشهادات المختلفة التي ظهرت خلال الفترة الاخيرة، وبعد اربعين عاما عن احداث التعذيب فإنما هي كلها من نوع «الكلام الذي يحرر»، تجدر الاشارة هنا الى ان «الشرارة» الاولى التي اطلقت ما كان «مخبوءا» و «مكتوما» تمثلت في شهادة قدمتها «لويزيت ايجلهاريس» المناضلة السابقة في صفوف جبهة التحرير الوطني الجزائرية، في صحيفة «لوموند» وتحدثت فيها عن التعذيب الذي تعرضت له عام 1957 في الجزائر، ومنذ ان ادلت هذه المرأة المناضلة بشهادتها شهدت المكتبة الفرنسية عشرات الكتب والدراسات حول موضوع «التعذيب في الجزائر» كان «بيان الكتب» قد قدم عددا منها لقرائه. وتؤكد المؤلفة في هذا السياق من موقعها كطبيبة نفسانية، بأن العديد من مرضاها لايزالون يحملون «آثارا عميقة» في ذهنهم، اذ لايزالون يعيشون «حالة حداد» على اصدقاء لهم قد ماتوا او «لايزال شبح خجلهم الذي لايستطيعون الاعتراض به يطاردهم» كما تؤكد ضمن السياق نفسه بأن أبناء جيل الحرب الجزائرية يعانون من «جرح» حركته الحرب الجزائرية في اعماقهم اذ «من خصوصيات عنف البشر انه وحتى اذا تم اخماده، وخاصة اذ تم اخماده فإنه ينتشر لدى الاجيال التالية. وما تؤكده «جوليا كريستيفا» هو انه ومهما كانت درجة الألم، فإن الثأر او الحملات القضائية والاعلامية لا يمكن ان تصلح ما يمكن اصلاحه، لكنها بالمقابل تتبنى الرأي الذي كانت عالمة الاتنولوجيا «جيرمين تيليون» التي عاشت سنوات طويلة في الجزائر، قد اصدرته في صحيفة «ليبراسيون» بعد ان اعلنت ادانتها الصريحة والقوية لكل اشكال التعذيب الذي كانت السلطات الاستعمارية الفرنسية قد مارسته اثناء سنوات حرب التحرير الجزائرية مؤكدة في الوقت نفسه بأنه لا يمكن الحكم على الوضع المأساوي لسنوات 1956 ـ 1962 بعيون عام 2000 اذ كتبت: «تنبغي ادانة التعذيب، ولكن لا تنبغي ادانة البشر» لقد كان العسكريون منخرطين في تاريخ رهيب وفي مغامرة وجدوا انفسهم مدفوعين اليها. ان ما تطالب به مؤلفة هذا الكتاب حيال «التعذيب» الذي شهدته الجزائر اثناء سنوات حرب التحرير، انما هو تشكيل «لجنة برلمانية» او «تشكيل مجموعة من المؤرخين» ولكن بكل الحالات يبقى الشيء الاساسي في نظرها لا يكمن في «الادانة» وانما في «البوح بحقيقة الرعب وتجاوز الخجل وتحليل الاحساس بالذنب، ودائما بأكبر قدر يمكن من الدقة والموضوعية ان مثل هذا العمل يتطلب «فتح الارشيف» و «فتح الذاكرة» ايضا وقول «الحقائق القاسية» وذلك من اجل امكانية «قبولها» من قبل الضحايا، كما من قبل اولئك الذين وجدوا انفسهم في جلد «الجلادين» ولكن الذين اصبحوا فيما بعد «ضحايا» العنف الذي اقترفوه. وفي المحصلة تشكل «المقالات» الخمس والاربعون التي يتألف منها هذا الكتاب على الرغم من تفرق المواضيع التي يتم التطرق اليها، نوعا من «ذاكرة» القرن العشرين في بعض النقاط والمفاصل التي كانت المؤلفة قد خصتها بالدراسة والتحليل والتعليق، ثم قامت بجمعها في هذا العمل، انها ترى بان ذلك القرن، وكما جاء في المقالة التي كرستها له في اليوم الثالث من الالفية الثالثة، انما قد كرس بعض المفاهيم حول الحرية على الرغم من الحربين الكونيتين اللتين عرفهما، وعدد لا بأس به من المجازر، وتؤكد «جوليا كريستيفا» في هذا السياق على «البعد التمردي» الذي لازم مفهوم الحرية، وتضرب على ذلك مثال «السريالية» في الفن والادب الحديثين، والتي «تجسد افضل من غيرها الفكر المتمرد». كتابات متفرقة في الادب والفن والاقتصاد والسياسة والمجتمع، لكنها تحكي كلها تعددية «عالم ثري وشديد التناقض» في الوقت نفسه. كتاب مجموعة من الاضواء ومشهد العالم اكثر وضوحا.