دونيس سيزنيك مؤلف هذا الكتاب هو حفيد غيّوم سيزنيك الذي واجه حكما بالسجن والأشغال الشاقة. ومنذ ثلاثين سنة والحفيد المؤلف يبذل الجهود في كل الاتجاهات كي يثبت براءة جده ويعيد الاعتبار له، وقد أسس جمعية باسم «فرنسا ـ العدالة» من أجل هذه الغاية. وكان قد سبق له ونشر كتابا تحت عنوان «نحن، عائلة سيزنيك» وقد حظي هذا الكتاب بالتقدير. بتاريخ 28 مارس 1927 كتب غيوم سيزنيك رسالة لزوجته جانيت جاء فيها: «أخبرك أولا بأنه وكما قلت لك سابقا سيكون السفر يوم السابع من ابريل المقبل، بعد تسعة أيام سوف أقول وداعا لفرنسا التي قد لا يبقى منها الكثير من الذكريات الجيدة عنها... إنني أقول لك اليوم وداعا لأنني سوف لن أراك بعد اليوم ولن أرى أطفالي الصغار الذين لن أكتب لهم لأن هذا لابد وان يزيد من ألمهم... هذه هي رسالتي الأخيرة لك من فرنسا ... لكن كوني على قناعة بأن الموت لا يعني شيئا بالنسبة لي، بل بالاحرى هو خلاصي، انه الخلاص بالنسبة لذلك الذي لم يعد لديه ما يأمله.. أرجوك يا عزيزتي بألا تحاولي المجيء لوداعي لحظة الرحيل لأن ذلك سيكون قاسيا جدا لكلينا، وهذا ما عرفه كل أولئك الذين عاشوا مثل هذه الظروف. أقول لك مرة اخرى وداعا وداعا وداعا وداعا والى اللقاء في السماء». وفي الموعد المحدد تم نقله نحو جزيرة «غوايان» في المحيط الهاديء مع بقية المساجين المحكومين بالاشغال الشاقة المؤبدة. وبعد عدة عقود من الزمن أقلت طائرة بوينج 747 دونيس سيزنيك حفيد السجين السابق الى نفس الجزيرة.. لماذا؟ يقول مؤلف هذا الكتاب موجها حديثه لجده: «لقد أتيت إلى غوايان كي لا أنساك، ولكن ايضا من أجل ان أقدم شهادتي انني أحس بنفسي مسكونا بقوة غير مرئية لا تقهر لأنك تسير بجانبي بل واحس بنظراتك ترفعني ولا أزال أسمع الجملة التي قابلوك بها عند وصولك والتي جاء فيها: «هنا، ليس جهنم تماما ولكن أهلا وسهلا بك في سجن الاشغال الشاقة المؤبدة». لقد كان غيوم سيزنيك يعرف جيدا ما ينتظره في «غوايان» وبأنه سيكون رهيبا. لكنه كان يجهل بأن ذلك يتجاوز المخيلة، وحتى المخيلة الأكثر شيطانية التي يمكن ان يتمتع بها أي انسان. يقول المؤلف: «بعد ان قرأت الكثير عن هذا الموضوع، اعتقدت بأنني كنت أعرف امكنة التعذيب هذه حيث قضى، أثناء أكثر من قرن، عدد كبير من الرجال نحبهم». وما يؤكده الحفيد المؤلف بأن جده قد «حاول ان يحتفظ ببعض نقاط الاستناد وذلك وسط جنون هذا المصير الذي أراد تحطيم حياته». لقد كان يدرك بأنه لن يخرج أبدا بعد ذلك من «غوايان» منذ وصلها فـ «هنا سوف يموت بريئا». «غيوم سيزنيك» هو من مواليد 1878، تزوج عام 1906 وكانت حياته ترفل بالسعادة حتى ذلك اليوم 28 يونيو 1923 حيث تم استدعاؤه الى مقر الأمن العام في باريس. وفي العام التالي حكمت عليه محكمة فرنسية بالاشغال الشاقة المؤبدة بتهمة قتل صديقه «بيير تيمونور» ولكنه لم يقتل بيير تيمونور، بل هو انسان بريء، وهذا ما يؤكده مؤلف الكتاب ويقدم الحجج والبراهين على ذلك بالاعتماد على مجموعة من الوثائق غير المعروفة سابقا. إن المؤلف يرسم صورة شديدة القتامة لواقع سجن «غوايان»، فلنستمع الى مديره عند «استقبال» المساجين الجدد: «العدالة أدانتكم وفرنسا تنكرت لكم، وأمامكم هنا طريقان لتسلكون احداهما، الطريق الجيدة والطريق السيئة، أما الجيدة فإن أولئك الذين يتبعونها يمكنهم ان يتأملوا الغفران من العذاب ويحسنوا شروط حياتهم يوما بعد يوم. لكن هناك الطريق الآخر الذي قررت الاغلبية بينكم، إنني أعرف ذلك، انتهاجه بحزم وهو طريق الهرب. إنكم تتمتعون هنا في غوايان بهامش حرية كبير ويمكنكم محاولة الهرب عندما يحلو لكم ذلك. لكننا نمتلك حارسين في حالة تأهب دائم في موقعهما، انهما الغابة والبحر. وفي الغابة ستموتون جوعا أو بسبب طعنات رفاقكم أنفسهم.. أما في البحر فإن اسماك القرش تتكفل بكم. إنني أعرف ماذا يجول في رؤوسكم فأنا أعمل هنا منذ ستة عشر عاما وانا أعرفكم أفضل مما تعرفوني وأعرف انه خلال ما يقل عن خمسة عشر يوما سوف يكون الكثيرون منكم في الغابة. وأعرف ايضا انهم سوف يعودون بعد فترة وجيزة وسوف أرسلهم الى الاقفاص الحديدية أو الى المستشفى، باستثناء أولئك الذين تكون جحافل النمل قد نظفت هياكلهم العظمية فسيكونون مسجين عند جذع شجرة». ويرسم المؤلف على مدى العديد من صفحات هذا الكتاب حياة السجن من الداخل وايضا للعلاقات «اللاانسانية» التي تسود في داخله. وكانت رفوف المكتبات الفرنسية قد شهدت خلال السنوات الأخيرة عددا كبيرا من الكتب التي جعلت من سوء أوضاع السجن في فرنسا موضوعا لها. وكان الفيلسوف الفرنسي الشهير ميشيل فوكو قد تطرق هو الآخر في العديد من أعماله لعالم السجن والعقاب ودلالاته في المجتمعات الانسانية. إن الهرب يمثل أحد الافكار التي تتردد باستمرار لدى المساجين.. الهرب بحثا عن الحرية أو الهرب رفضا لـ «الظلم»، كما بدا في حالة غيوم سيزنيك. ومن أكثر صفحات هذا الكتاب غرابة تلك التي وصف فيها المؤلف محاولة هرب جده.. وخاصة ما كتبه حولهما وعمّا صادفه من أهوال وعجائب طبيعية في الادغال مثل ذلك الطائر الصغير ـ الشبيه بالدوري ـ الذي كان يتنقل من غصن الى آخر مصدرا أصواتا تكاد تكون مفهومة كي يلحق الهارب به حتى يوصله الى «مخبأ العسل».. بحيث يكون مطلوبا رفع القشرة السميكة للشهد كي ينال العصفور منه حصة بعد ذلك. ويبقى الليل في الغابة هو مصدر كل المخاطر لاسيما في غياب الطرق أو أية وسيلة للاهتداء. ولكن مهما كانت خطورة مغامرة الهرب فإن رعب الحياة اليومية كان يدفع نحوها. كتاب عن تاريخ الرعب الذي عرفه سجن «غوايان» أحد سجون الحقبة الاستعمارية من خلال قصة أحد «نزلائه». وتقول الجملة الأخيرة من هذا العمل: «كان ذلك السجن بمثابة صفحة مأساوية من تاريخ فرنسا وتاريخ غوايان. لكن في هذه الصفحة يتطلب أولا قراءتها، ولذلك ينبغي المحافظة على آثار السجن كي لا يتم نسيان ما لا تذكره كتب التاريخ دائما».