في سنة 1998 ادهشت الروائية الهندية ارونداتي روي الاوساط الادبية العالمية بروايتها «إله الاشياء الصغيرة» الفائزة بجائزة بوكر البريطانية للادب وعلى الرغم من ان روي من مواليد ولاية البنغال إلا ان اسمها يرتبط كثيرا بولاية كيرالا الهندية حيث تلقت تعليمها في فن العمارة وعملت في السينما وكتبت السيناريوهات، كما يرتبط اسمها ايضا بوالدتها ماري روي الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، وروي هي اول روائية هندية تحصل على جائزة بوكر. رواية «إله الاشياء الصغيرة» هي سيرة شبه ذاتية متحررة من القيود التقليدية وحسبما يرى النقاد فإن روي في اول عمل روائي لها كانت قد ابدت مقدرة استثنائية في مجال الكتابة الروائية والقدرة على اقتحام عالم آخر تروي على لسان ابطاله من الاطفال اشكالية الصراع بين القديم والحديث، وكغيرها من الكتاب فهي خبيرة في مجال تصوير نطاق التمزق الاجتماعي والثقافي لان انجازها بطبيعته يكمن في قدرتها على اكتشاف هذا الخلل من خلال رصد مساحة الاضطراب الذي يسود حياة عائلة هندية واحدة، فرواية سيرة حياة عائلة كوشما المنمنمة في حجمها هي بكل المقاييس رواية تاريخ البلد نفسه الذي تقول عنه روي انه لا يفارقه سوء الطالع، البلد الذي تبدو فيه أزمتك الشخصية اصغر بفعل الازمة الانسانية الاكبر التي تعاني منها الأمة. تبدأ الرواية بعودة راهيل كوشما الى منزلها في ولاية كيرالا الواقعة في جنوب غربي الهند بعد 23 عاماً من رحيل قريبتها صوفي المبكر في حادث غرق ورغبتها في لقاء شقيقها التوأم، استا، الذي كان قد ارسل هو الآخر الى مكان بعيد في اعقاب الكارثة التي تعرضت لها الاسرة. على الرغم من انها تنجح في العودة الى اهلها إلا ان الصورة الداخلية المكونة للمشهد الحياتي اليومي في كيرالا تبدو محرضة على نحو غير عادي «الجدران المصنوعة من الآجر تكسوها الطحالب الخضراء وعروق الفلفل تتسلق اعمدة الكهرباء والزواحف البرية تندفع خارجة من اكوام الحجر الاحمر المسامي والغربان السوداء تحلق فوق ثمار المانجو البراقة والرياح الموسمية تكاد تقتلع نوافذ البيوت، وتحمل معها جيوشا من الحشرات التي تحاصرك في كل مكان، كما لو انها هواجس مسائية غريبة. هذه الاجواء الحبلى برائحة الانفجار تتخلل السرد والعائلة الثرية التي تعود اليها راهيل تفقد الجزء الاكبر من ارستقراطيتها فيموت افرادها ويهاجر اشخاص مثل العم الماركسي الى الغرب ولا تبقى إلا العمة الكبرى بيبي كوشما التي تتحول من مهنتها القروية الزراعية الى الاستمتاع بالنمط العصري الحديث للحياة. تاريخ كل افراد العائلة الذي ترصده روي بدقة يبدو كما لو انه احد اهم العناصر التي اضافت الى رصيدها الروائى بدءاً بتاريخ بيبي كوشما الذي يطفو اخيرا على السطح بما في ذلك علاقة الحب غير المتكافئة التي كانت تربطها براهب من اتباع القديس بنيدكيت الى تاريخ الجدة امو عالمة الحشرات المغمورة الى فيلوتا الموهوبة المحكوم عليها بالاخفاق كل هذا التاريخ تقوم روي باستعراضه بشكل كافٍ من دون ان تترك قارئها قادراً حتى على إلقاء اللوم على اسوأ شخوصها او محاسبته على هفواته الشنيعة، احيانا، فأنت ترى عيوبها واحلامها تستطيع ان تراها بشكل بسيط، لا في نطاق تاريخها الشخصي، بل ايضا ضمن نطاق موقعها في المجتمع الهندي الكبير وفي هذه الاثناء تنتقل بك روي الى الامام والى الخلف في اطار زمني محدد تقع فيه احداث روايتها هو احد فصول السنة «الصيف» محكمة بذلك قبضتها على عناصر السرد وعلى الرغم من شعور القاريء احيانا بافلات هذه العناصر وجموحها إلا ان تعقيد هذه الفسيفساء المركبة من عناصر مختلفة يبدو كما لو انه تقنية متعمدة لرسم صور متغيرة مختلفة الالوان. ولغة روي هي الاخرى تبدو مظهرة للاجزاء مفصصة، لكنها قادرة في الوقت ذاته على الاحتفاظ بالعلاقات الصحيحة بين بعضها بعضا، فالمؤلفة من جانبها لا تبدو مترددة في اللجوء الى لغة غير عادية لم يألفها القاريء كلما احست بأن العادية لن تسعفها فكلمة مثل نايت ميرز اي كوابيس تتحول الى «افتر ميرز» وبدلة العم تشاتشو البدين تصبح اقل قابلية للانفجار في اثناء مقابلته لراهيل للمرة الاولى بعد غيابها عن كيرالا والبيت يرتدي سقفه الثرثاء الشديد الانحدار الذي يبدو وكأنهم يخربونه من اذنيه ليشبه القبعة الخفيفة واكياس البلاستيك تتطاير عبر مياه النهر كما لو انها زهور شبه استوائية محلقة في الهواء. مما لاشك فيه ان روي تتعمد وان بشكل عفوي لغتها المازحة المتلاعب بها على نحو ما يفعل لاعب الشطرنج المبتهج هذه الاغاني المقفاة المجلجلة، والخروج على قواعد الوزن الشعري والحروف الكبيرة المبعثرة وبعض شخصياتها التي لا يجد القاريء بداً من تقبلها كما هي وعلى الرغم من ذلك فإن روي لا تبدو متأثرة باحد او بشيء سوى صوتها القصصي ورؤيتها الشخصية اللذين لابد وان يعثر عليهما في النهاية مفلترين مرشحين بعناية كما هي وجهة نظر بطلتها راهيل التي يضفي خيالها الخصب لمسة سحرية تطفو على السطح. على الرغم من اختيارها موضوعا رئيسيا تقليديا كتلك الموضوعات التي يمكن للمرء ان يجدها في السيناريوهات إلا ان روي وبذكاء تستطيع ان تمتع القاريء بلغتها وبتقنياتها الروائية، التي يمكن للقاريء ان يكتشف من خلالها وجهات نظر الآخرين وبواسطة شيء كهذه القدرة الاستثنائية على اقتحام العوالم الطفولية والبوح بمكنوناتها بلغة شديدة الواقعية مناسبة تروى بصيغة الغائب او التجربة كما عاشها راهيل واستا عندما تطلب امها من راهيل ان تتوقف. في اثناء القيام بمراسم دفن صوفي حط وطواط على رأس احد المشيعين فتوقف الجميع عن الغناء للحظات قليلة؟ ما الذي حدث؟ ومما لاشك فيه ان لغة روي على هذا النحو يمكن سماعها بوضوح، كما يمكنها ان تسيطر على تفكير ومشاعر شخصياتها سواء كانت طفولية او لاناس اكبر سناً كهؤلاء النساء اللاتي يعشن في كيرالا ويتوفر لديهن قدر اكبر من الحرية لاشك في انه كان لها التأثير الواضح في تحريض روي على الكتابة وعلى الحرص على تنمية الجانب الانساني في شخصيتها. من ناحية عملية يمكن القول بأن احداث رواية «إله الاشياء الصغيرة» تبدأ بمجيء صوفي مول الفتاة الصغيرة ذات الثمانية اعوام الى قرية ايمنم مسقط رأس والدها بولاية كيرالا الهندية المعروفة قبل سنة 1950 بولاية ملبار ومن ناحية اخرى يمكنك الزعم بأن احداثها قد بدأت بالفعل قبل آلاف السنين، وقبل هذا التاريخ القريب المحدد بالخضوع لسيطرة الماركسيين وحتى قبل الاحتلال البريطاني للهند وقبل وصول فاسكو دي جاما وانتشار المسيحية، قبل هذا بكثير، إلا ان روي وعلى نحو شديد الذكاء استطاعت ان تستغل كل هذه العناصر دفعة واحدة للخروج بتداعيات جديدة ذات علاقة قوية بالواقع الذي نعيشه او تعيشه الهند في اواخر التسعينيات او مطلع القرن الحادي والعشرين رغم انها تفتح روايتها بسلسلة من الذكريات التي لا تستطيع راهيل العائدة الى اسرتها السيطرة عليها «في سنة 1969 وفي ولاية كيرالا تجنح بهم السيارة التي كان يقودها والدها بفعل الفوضى التي تحدثها مظاهرة في الطريق ينظمها العمال الماركسيون ويروح ضحيتها الأب ولا يبقى غير راهيل واخوها التوأم استا وذكرياتهما هذه التي تقدمها روي بلغة قريبة من لغة ماركيز او لغة وليام فوكنر في واقعيتها وسحرها. على الرغم مما تتميز به مقالاتها من ميل الى التشاؤم احيانا إلا ان بإمكان المرء ان يفهم ذلك على انه من الامور البديهية طالما ان الاشياء تظهر امامنا بهذا الشكل خاصة عندما يتصدى المرء لمناقشة القضايا المثيرة للجدل إلا ان روي باعتبارها ناشطة في مجال التنمية والقضايا الاجتماعية تقدم للقاريء وفي سلسلة من هذه المقالات صورة واقعية ربما لا ينجح الآخرون في تقديمها لتخلص من خلالها وجهة نظر انسانية في المشكلات الاكثر تعقيداً التي نعيشها في عالمنا اليوم وهي مشكلات لاتقتصر على دولة كالهند مثلا بل انها تتعداها الى كل مكان في هذا العالم الذي تحيط بنا فيه اشياء، السدود ومياه الانهار والتجارب النووية وغيرها. في احد اهم اصداراتها في هذا المجال تتحدث روي في «ضريبة الحياة» عن الغطرسة التي تواجه بها الحكومات مشكلات البيئة والسكان، وفي اطار حملتها تلك تتصدى لمناقشة احدى المشكلات في وادي نارمادا حيث تعتزم الحكومة الهندية اقامة سد على منطقة يعيش فيها اكثر من 25 مليون نسمة، وهو المشروع الذي يعود بالفائدة على سكان المدن القريبة في الوقت الذي يتم اجلاء هؤلاء السكان القرويين. كتاب روي الجديد «سياسات القوة» الصادر في سبتمبر الماضي يستمد عنوانه من احد مقالاتها المتطرفة لنقد السياسة الاقتصادية العالمية لاسيما في جوانبها المتعلقة بالعولمة والخصخصة والكتاب مؤلف من ثلاثة مقالات تنتقد في احدها سياسة الشركات الامريكية العملاقة ومواقف الحكومة الهندية من مشروعاتها التي تعمق الفجوة الاقتصادية في المجتمع الهندي، والكتاب في حد ذاته يبدو استكمالاً لما بدأته من قبل في ضريبة الحياة. وكغيرها من المقالات فإن هذه المجموعة تسلط الضوء على ما تسميه دور الكاتب او الكاتب الناشط في المجتمع المتمثل في نقده لسياسات التنمية والتجارة والاقتصاد العالمية.