عندما نتأمل التاريخ نجد أن انتشار الاسلام في البلاد التي تسمى الآن العالم العربي، والعالم الاسلامي، انما كان بتأثير أفراد من المسلمين، تجارا أو شيوخ طرق، ونحوهم، ممن هاجروا من بلادهم الى تلك البلاد في آسيا وأفريقيا، واختلطوا بالناس في بلاد الهجرة، وتعاملوا معهم، فأحبوهم لحسن أخلاقهم واخلاصهم، وأحبوا دينهم الذي غرس فيهم هذه الفضائل، فدخلوا في هذا الدين أفواجا وفرادى. وحتى في البلاد التي دخلتها الجيوش الاسلامية فاتحة، انما كان قصدها بالفتح ازاحة العوائق المادية من طريق الاسلام، حتى تبلغ دعوته للشعوب ليمكنهم أن يختاروا لأنفسهم، وقد اختارت الشعوب هذا الدين راضية مختارة، حتى كان ولاة بني أمية في مصر يفرضون الجزية على من أسلم من المصريين لكثرة الداخلين في الاسلام، حتى أبطل ذلك عمر بن عبد العزيز، وقال مقولته الشهيرة لواليه: «ان الله بعث محمدا هاديا، ولم يبعثه جابيا». ونظرا لانتشار الاسلام في مختلف بقاع العالم وازدياد اعداد المهاجرين الى البلاد الأخرى، فان العديد من المنتمين له والذين يعيشون في تلك الدول أصبحوا يواجهون مشكلات تختلف في معظمها عن تلك التي يواجهها المسلمون داخل ديارهم الأصلية، الأمر الذي دفع هؤلاء منذ أن بدأوا يعودون الى ذاتهم ويشعرون بهويتهم، يعقدون الندوات والحلقات للبحث عن حلول لمشكلات حياتهم المتصلة بالدين في ضوء الشريعة الاسلامية من هنا جاءت أهمية كتاب «في فقه الأقليات المسلمة» للدكتور يوسف القرضاوي ليعطي جانبا مهما حيث يقسم المسلمون من حيث الأوطان التي يعيشون فيها الى قسمين الأول منها يعيش داخل المجتمعات الاسلامية أو البلاد الاسلامية، وهي البلاد التي بها أغلبية سكانها مسلمون معلنون باسلامهم، على الأقل في اقامة الشعائر الدينية مثل الأذان والصلاة والصيام وتلاوة القرآن واقامة المساجد والسماح بالحج ونحو ذلك، ويمارسون أحوالهم الشخصية من الزواج والطلاق ونحوهما وفق أحكام دينهم. والقسم الثاني هو الذي يعيش خارج المجتمعات الاسلامية، وهو نوعان الأول من أهل البلاد الأصليين، الذين أسلموا من قديم ولكنهم يعتبرون أقلية بالنسبة لمواطنيهم الآخرين من غير المسلمين، وقد تكون هذه الأقلية كبيرة مثل الأقلية المسلمة الهندية، فانها تبلغ نحو 150 مليون مسلم، وقد تكون أقل من ذلك، حتى أن بعض الأقليات لا تبلغ أكثر من عدة ألوف، ومن هؤلاء عدة ملايين في أمريكا الشمالية معظمهم من المسلمين الذين جيء بهم من أفريقيا، واقتيدوا قسرا على أنهم رقيق، وهم أحرار من أبناء أحرار، ومنهم عدة ملايين في أوروبا الشرقية كما في بلغاريا وغيرها. والنوع الثاني من المهاجرين الذين قدموا من البلاد الاسلامية للبلاد غير الاسلامية للعمل فيها أو للهجرة أو للدراسة، أو لغير ذلك من الأسباب المشروعة، وحصلوا على اقامة قانونية بهذه البلاد، وبعضهم حصل على جنسيتها وأصبح له حق المواطنة والانتخابات وغير ذلك مما تقره دساتير هذه الأقطار. لقد مرت الأقليات المسلمة في صلتها بالاسلام فكرا وشعورا وسلوكا بمراحل متفاوتة وخصوصا فئات المهاجرين من أوطان الاسلام الأصلية. في المرحلة الأولى كانت (ضياعا) بمعنى الكلمة،لم يكن هناك وعي ولا حتى احساس كاف بالانتماء الاسلامي أو الهوية الاسلامية، وقد بدأ ذلك من بعد الحرب العالمية الأولى حيث هزمت دولة الخلافة، وانتصر الحلفاء وتألق العالم الغربي بحضارته، وانسحب العالم الاسلامي ليدخل تحت سلطان الاستعمار الذي لم يكن قد دخل بلدانه من قبل. وقد كانت الأقليات الاسلامية في ذلك الوقت تمثل صنفين من المسلمين هما أهل البلاد الأصليين والمهاجرين الجدد في العالم الاسلامي أما أهل البلاد الأصليون فكان معظمهم في أوروبا الشرقية وفي داخل روسيا تحت مطارق الحكم الشيوعي، ومنهم أهل البوسنة والهرسك وكوسوفو ومقدونيا والبانيا وبلغاريا، فهؤلاء قد عزلوا عن الاسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا وثقافة. كما عزلوا عن سائر الأمة الاسلامية فأصبح هؤلاء جاهلين بالاسلام من ناحية الفكر بعيدين عن الاسلام من ناحية السلوك. كان هذا هو وضع الأقليات المسلمة من أهل البلاد الأصليين أما وضع المهاجرين من البلاد العربية والاسلامية، فقد كانوا قليلين في أول الأمر وكان معظم المهاجرين من اناس لم يكن تدينهم راسخا، وكانوا يبحثون عن الرزق وعن المال وأما هذا العالم فلم يكونوا يعرفون عنه شيئا، وقد هاجروا من بلاد ضعف شأن الاسلام فيها فكان وضعهم الخاص ووضع قومهم العام مع ظهور العالم الغربي في أوج قوته وانتصاره يجعل هؤلاء لا يفكرون في هويتهم ومتطلبات دينهم، فكانت النتيجة أنه ضاع الجيل الأول والثاني من هؤلاء وخصوصا الجيل الأول، فقد ذاب تماما في المجتمع الجديد اذ لم يكن له من عقيدته ووعيه عاصم يعصمه من الذوبان.ومن أبرز ما يتجلى ذلك في المهاجرين الأوائل الى استراليا وقد كانوا من الأفغان وأكثرهم من الأميين، فبنى الجيل الأول منهم مساجد، ولكنهم تزوجوا استراليات ونشأ أولادهم على دين أمهاتهم، وبعد ذلك رأينا المساجد هناك مجرد أبنية فقط، ولا يوجد من يعمرها بالصلاة والعبادة. وكذلك في أمريكا الجنوبية وخصوصا في الأرجنتين، فقد فني الجيل الأول في أهل البلاد، رأينا منهم من اعتنق المسيحية علنا مثل كارلوس منعم الذي كان رئيسا لجمهورية الأرجنتين وأصله مسلم كما هو واضح من أسمه. ثم بدأ المهاجرون الأوائل ينفضون غبار الغفلة عن أعينهم، ويشعرون بالحنين الى أصلهم، وبالهوية الدينية لهم، وبأن لهم عقيدة تخصهم ورسالة تميزهم، اخذوا يتصلون بالمسلمين داخل العالم الاسلامي، يطلبون منهم المساعدة في بناء المساجد وارسال العلماء والدعاة. وربما كان هذا التنبيه الجديد ثمرة لعناصر جديدة لحقت بالمهاجرين القدامى وهي عناصر ربما دفعها الى الهجرة الاضطهاد في وطنهم الأصلي، فهاجرت بدينها الى تلك البلاد لتبذر فيها بذورا جديدة وبهذا بدأ عصر جديد للأقليات الاسلامية ولاسيما المهاجرة ، تطور هذا العصر من مرحلة الى مرحلة أخرى ومن درجة الى درجة أقوى حتى انتهى الى ما نراه اليوم في أوروبا والأمريكتين واستراليا وبلاد الشرق الأقصى وأفريقيا. ان هذه الأقليات بنوعيها الأصلي والمهاجر لها مشكلات كثيرة تشكو منها بعضها سياسي من جراء هضم الأكثرية لحقوقها وعدم رعايتها لخصوصيتها الدينية وبعضها اقتصادي، فكثيرا ما تكون تلك الأقلية من الفقراء وذوي الدخل المحدود الذي تتحكم في مقدراتهم واقواتهم الأغلبية المتحكمة وبعضها ثقافي من هيمنة ثقافة الأكثرية على التعليم والاعلام ومراكز التوجيه والحياة العامة متجاهلين ثقافة المسلمين التي تميزهم وتعبر عن عقائدهم وقيمتهم وهويتهم الخاصة. وكثير من مشكلات المسلمين لها طابع فقهي وذلك ناشئ من رغبة الأقليات المسلمة في تلك البلاد في التمسك بهويتها الدينية وعقائدها الاسلامية وشعائرها التعبدية وأحكامها الشرعية في الزواج والطلاق وشئون الأسرة ومعرفة الحلال والحرام في أ مور المطعومات والمشروبات والملبوسات وسائر المعاملات وشتى العلاقات بين الناس وخصوصا غير المسلمين هل ينعزلون عنهم أو يندمجون فيهم والى أي حد يجوز الاندماج. الكويت ـ أنور الياسين