يعتبر كتاب «معجم البلدان» أهم مصنف في تراث الأدب الجغرافي العربي، وقد كتب كثير من الباحثين المستشرقين حوله، حتى قال أحد المستشرقين: «لعله لم يتمتع جغرافي عربي بعدد من الدراسات، مثل الذي أفرد لياقوت الحموي». بدأ «ياقوت» بنسخ الكتب ليتكسب منها، واستمر يعمل في التجارة، بما فيها تجارة الكتب، زادت ثقافته العلمية، حتى علت مكانته واشتهر أمره، فسعى الى تغيير اسمه الى «يعقوب» تخلصا من اسم «ياقوت» الذي يطلق على الرقيق، لكن الناس لم يألفوا اسمه الجديد، وظلوا يدعونه باسمه الاول «ياقوت». قدم «ياقوت» الى «حلب» حيث أكمل في تلك الفترة مسودة كتابه «معجم البلدان» الذي أهداه الى «الوزير القفطي» اعترافا بفضله عليه، ولم يلبث «ياقوت» أن توفي في «حلب» وهو في الخمسين من عمره، وكان ذلك سنة 626هـ الموافق 1229 ميلادية. يقع كتاب «معجم البلدان» في خمسة مجلدات، في طبعة «بيروت» المتداولة، ويشتمل على مقدمة وخمسة أبواب. وهو بعامة يغطي اسماء البلدان والجبال والأودية والقيعان والقرى والأوطان والبحار والأنهار، وغيرها من المعالم البارزة في العالم المعروف آنذاك، وبخاصة العالم الاسلامي. وقد تضمنت المقدمة نقاطا رئيسية أهمها: أولا: دواعي تأليف الكتاب، وتتلخص فيما جاء في القرآن الكريم، من حث البشر على السير في الارض والتفكير في عاقبة من عمروها قبلهم، وحاجة المسلمين الى معرفة احوال أمصارهم وفتوحها، ووصف جغرافيتها، والالمام بأماكن الزيارة والحج والغزوات والمواقع التي يرد ذكرها في كتب السيرة والتاريخ والأدب. ثانيا: مصادر المعجم: وتضم عرضا موجزا قيما لحركة التأليف الجغرافي لدى علماء العرب المسلمين، بالاضافة الى الفوائد التي حصل عليها من دواوين العرب والمحدثين وتواريخ أهل الأدب. ثالثا: منهج تأليف المعجم من حيث حرصه على توخي الدقة في الوصف، وضبط الأسماء، ومواقع الامكنة، منعا للبس والتحريف، وتنبيه القارئ الى ما يرد في الكتاب أحيانا من أساطير اوردها على علاتها حتى يقف الناس على ما قيل فيها وبذلك حفظ لنا «معجم البلدان» بعض ما كان لدى عدد من الأمم والشعوب من أساطير تهم الباحثين في علم الميثولوجيا. رابعا: تضم المقدمة، معلومات مفيدة بالنسبة لسيرة «ياقوت» الذاتية ورأيه في عدد من قضايا العلم والادب، والجهود المضنية التي بذلها طوال حياته لجمع مادة معجمه ليفيد به الناس. اما الباب الأول والثاني من الكتاب، فتنحصر فوائدهما في الوقوف على تطور مفهوم الجغرافيا الوصفية، وعلاقة المعلومات الفلكية بها. في حين افرد «ياقوت» الباب الثالث لشرح معاني المصطلحات الفنية الواردة في المعجم، كالبريد والفرسخ والميل والاقليم والسكة بمعنى الطريق وغيرها. وخصص الباب الرابع لاقوال الفقهاء في اراضي الفيء والغنيمة. وقد التزم «ياقوت الحموي» طريقة علمية دقيقة في كتابه، تتماشى مع الروح الواضحة في مقدمته، وتبدأ هذه الطريقة بذكر الاسماء الواردة فيه على حروف المعجم. مع التأكيد على كتابة شكل تلك الاسماء بالحروف خوفا من الالتباس ثم يعرض بايجاز سبب التسمية، واشتقاقها اللغوي، ويحدد مواقع البلدان وظروف فتحها، ويخلص الى التنويه بأسماء المشهورين المنسوبين اليها. وبذلك يكون «معجم البلدان» اشبه ما يكون بالموسوعة الجغرافية والتأريخية واللغوية والادبية، بحيث جاء هذا المعجم، أوفى واشمل عمل عربي من نوعه. وقد حرص المؤلف في أثناء اعداد وجمع مواد المعجم، ان يراعي اصولا علمية لعل من أولها: الاعتماد على مصادر موثوق بها، كما استفاد من المعاينة والمشاهدة الشخصية التي اكتسبها من تجاربه واسفاره التي امتدت من «النيل» الى «جيحون» وتتمثل اولى الملامح لمن يقرأ «معجم البلدان» في الاحساس الواقعي الذي يحسه بوحدة العالم الاسلامي الكبري، على الرغم من وجود الكيانات السياسية الكثيرة، كما انه حين يتحدث عن الثغور والبلدان الواقعة على الحدود الشمالية للدول الاسلامية، يقدم معلومات قيمة عن نظام الدفاع عن تلك الحدود زمن الدولة العباسية، كما يتضمن اشارات اقتصادية كثيرة وقيمة من بينها الاقطاعات التي منحت لبعض الاشخاص، كما يورد معلومات عن الثروة الزراعية والحيوانية والمعدنية، وبعض الصناعات للبلد الذي يذكره، ولا ينسى التجارة الداخلية بين اقطار الدولة الاسلامية، كما تصادفنا ملامح اجتماعية عدة مهمة من أهمها ظاهرة الهجرة السكانية من جزيرة العرب. إعداد ـ محمد سطام الفهد