الطاهر بن جلون في نص كتابه الجديد بالفرنسية: «تلك العتمة الباهرة» وبين الامانة في استدعاء الحروف والالفاظ، وفي الحفاظ على روحه الاصلية ونبضه المنكه بخصوصية عاصية، تتحرك، وترتكز ترجمة بسام حجار للكتاب الصادر عن «دار الساقي»، والتي جاءت لتصون تلك الشاعرية، قلبا وقالبا، خاصة في استدعاءاتها الحرفية واللفظية المحلية. مسرح النص قبر مظلم وهل من قبور غير مظلمة في هذا العالم، وهذه الفانية؟ وحده القبر في كتاب بن جلون يشق فسحة نور، فهو سجن اكثر مما هو بقبر. في داخله شخصيات تتنافر في طباعها، لكنها «ترتاح» وتتناغم عندما تدرك ان عتمة السجن توحدها، او لعلها، بشكل ادق، توحد عتمتها، ويساعدها في هذا قدر مشترك، وعهد طويل جامع، بحيث سقطت العتمة عن العتمة التي كانت وصارت «نورا نسبيا». يتجلى هذا في تلك الفسحة في مابين الشخصيات الضحايا، سجناء الحفرة الأزلية «مبدئيا» لكل منها خصوصية، وهواجسها، واحباطاتها، وضروب استسلامها، وانواع من الهروب نحو تصوف قد يطيب الخواطر، ويخفف قساوة الواقع، بحسب الكاتب، صاحب السيرة ـ الكارثة. لكن من أين فسحة النور تلك؟ تعتقد بعض الآراء الناقدة انها تمثلت في حادثة الكلب الذي جيء به حبيسا الى زنزانتهم لانه عض يد صاحبه من الاعيان، كذلك الصدفة التي اوقعت بيمامة في زنزانتهم، والتي عاشت معهم ردحا من الوقت، وحملوها رسائل شفهية الى الاهل والاقارب، كانتا الحادثتين الطريتين الوحيدتين في حياة سجنهما البائسة. زمن السجن الطويل، بما هو حياة اخرى وكثيفة على هامش حياتهم الاصلية، كتب فيه الطاهر بن جلون بلغة ساخنة، فاقدة الرجاء مستوحشة، وبلسان الاسير ـ الراوي الذي الف عتمته بعد الافراج عنه بأمر من الملك، وبقي يحن اليها ويفضل الحياة ساكنة غامضة على تلك الضاجة التي خرج اليها، لقد هوى الى الابد في العتمة الخالصة، وغدت كل اشكال النور وحياته ملتبسة وغير واضحة، حين يعاود صاغرا تقبيل يد والده المعطر بعطر نسائي، والسعي الى أمه التي برح السرطان ايامها، فتسأله ان لم يكن سجن «تزمامارت» موجودا في يوم من الايام فيقول: هذا ما يقال، ولكن ما الفرق صحيح انه لم يوجد يوما، ولارغبة لي على الاطلاق في الذهاب الى هناك للتثبت من الامر، يبدو ان دغلا من شجر السنديان العتيق قد انتقل وغطى الحفرة الكبيرة، ويقال حتى ان البلدة نفسها ستغير اسمها، ويقال.. ويقال. ملمح الشبه الوحيد، بين الراوي الذي كره والده وانكره الاب بدوره، هو احتراف كل منهما رغبة الروي والقص، الاول لزملاء وحدته وسجنه، والثاني للملك الذي لم يدخر في سبيله ايا من الحكايات الا حكاها، تلك حال النفوس المستوحدة التي ترى الى الاخر، كل من وجهة نظرها، عبر السعي الى اسعاده بوسائل مختلفة، وان بانت الوسائل، لغايات مختلفة ومتناقضة حد الموت. هذا الموت هو الذي اعطى الامل بالدفن خارج السجن فحين يسعى الى احدهم، يسمح حراس السجن بدفنه خارجا، ثم يلقى عليه الكلس الذي يذيب الجثة بعد ان يصلي عليها السجناء من اجل وداع الميت، ولراحة نفسه. لكن حتى الفرحة هذه لم تستكمل فسحتها بسبب اجراء تأديبي جديد عقابا لاحدهم الذي قضم بعض العشب اثناء تأبين زميله الراحل. العقاب يتولى طوال احداث، وينسحب على كاملها، وتشمل مختلف ضروب العذاب الممكنة الاجسام داخل الحفرة الضيقة، وعلى امر أيامها التي ليس فيها الا الليل يليه ليل اخر متواصل ومتصل وسط كابوس اسود يطبق على سجناء «تزمامارت» المتهمين بمحاولة قتل الملك في ذكرى ميلاده في «قصر الصخيرات» الصيفي، والتي تساقط فيها العشرات تحت وابل الرصاص، كالذباب. مرة اخرى تتوقف الآراء الناقدة، ليشير اصحابها الى السجين الناجي في تلك الواقعة ـ المذبحة، يروي في «تلك العتمة الباهرة» ما آلت اليه نجاته الهشة، ليقع في الاسر الادهى من الموت والاشد قسوة، وهو تحت الحاح السؤال لثمانية عشر عاماً قضاها في حفرة رهيبة، حول مغزى انضوائه في حركة العصيان على الملك ومحاولة قتله في القصر الصيفي مع تلامذة ضباط اخرين، وحول ما اذا كانت رغبته بالقتل ترمي في جوهرها الى موت الملك ام الى موت والد الأسير، ذلك الوالد الذي لم يدرك يوم معنى ان تكون له اسرة، او الشعور بالمسئولية تجاه اولاده الكثر. الذكريات المتداعية على لسان السجين، تنحاز في محصلتها الاخيرة، وبشكل واضح الى رغبة دفينة في قتل والده في ذلك القصر الصيفي، من اشتعال السرد بذكر مساؤى ذلك الوالد، وبالتنصل التام من اطلاق النار على الملك او المشاركة في تلك الحادثة، التي اقحم بها، والتي اسفرت عن الموت لكل من شارك في ذلك العصيان. اما بالنسبة للاب، يقول هؤلاء فإن الحقد مقيم والكراهية واضحة في السرد حيال الوالد الذي كان: «غندور مراكش» محترف الاغواء الدنجواني، ذاكرة الشعر الشعبي الحية، الرجل الذي طالما كان سبب عذاب امي، ذلك الذي لايفكر الا بمتعته الشخصية، صائغ المدينة، التواق بحنين الى بلاد الباشا الكلاوي. الرجل الذي قد لا يتعرف الى احد اولاده اذا صادفه في الشارع، والذي كان يلقب بـ «العالم» او «الاستاذ» لم يكن في حقيقة الامر، سوى مهرج الملك، في نظر امي ماعاد ذلك الرجل موجودا، قررت ان تواصل العيش وكأنه ميت، وكفت حتى عن ذكر اسمه، اما نحن، فقد كان محظورا علينا حتى الاشارة، مجرد الاشارة، الى ذلك الاب الغائب، ذلك الرجل الذي يبذل من الاهتمام في تنسيق الوان بلغته وجلبابه، اكثر مما يبذل في متابعة دراسة آخر ابنائه المتعثرة، كان هاجسه ان يخدم الملك، ان يلبث عند قدميه، رهن اشارته، الا يغمض عينيه قبله، ان يسرد له القصص، ويضحكه حين يكون قانطا، ان يعثر على العبارات الملائمة، وان يضع لكل مقام مقاله، ان يرضى بالا تكون له حياة خاصة به، وان يكون على الدوام طوع مزاجه، وقبل كل شيء الا يفقد ابدا حس الدعابة. هذا الوصف المسهب لعلاقة التبعية لوالد السجين بالملك يبين مدى الخسران الكامل في ابوته، ويرجح محاولة قتل الاب المتهالك في حضرة الملك في قصره، وهو يعود الى هذا النوع من الوصف في مواضع اخرى في النص، مبينا حالات للوالد اكثر سوءا ومنها علاقته الجائرة بالام، التي غدت ابا واما في آن، نتيجة غيابه «الباهر». شاكر وهبي