ساد، المعروف بـ «المركيز دو ساد» هو «دوناثان الفونس ساد» سليل اسرة ارستقراطية فرنسية عريقة من النبلاء والذي ينتمي من ناحية امه الى أحد فروع اسرة «البوربون» التي حكمت فرنسا لمدة طويلة، ولد في باريس عام 1740 تابع دراساته بنجاح وانخرط في صفوف الجيش وشارك بدور اثناء الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789.. ولكن الأهم من هذا كله امضى ثلاثين عاما من حياته من سجن الى حجز حيث امضى السنوات الاخيرة من حياته في «مصحة عقلية» بضاحية «شارونتون» القريبة من باريس. «السادية» صفة تحيل الى المركيز دو ساد.. وتشير الى العنف والقسوة والتلذذ في تعذيب الاخر.. وهكذا كانت صورة المركيز اثناء حياته كما يقدمها مؤلف هذاالكتاب اذ انه كان واثناء حياته «يجسد الشر المطلق» لا سيما وانه كان «غريبا» الى درجة كبيرة عن الحقيقة الرومانسية التي كانت احدى ثمرات عصر التنوير بصيغة ما، وبقيت اعمال المركيز دو ساد من كتابات فلسفية وروائية ومسرحية مجهولة الى حد كبير حتى القرن العشرين. بل ان اغلبية النصوص التي كتبها لم تعرف طريقها الى الطباعة قبل القرن الماضي وذلك لانها بدت غير «متلائمة» مع اخلاقيات الحقبة البورجوازية التي رافقت الثورة الصناعية الاولى.. ويرى المؤلف بأن تلك الاخلاقيات منعت اكتشاف البعد الحقيقي للعمل. ويعود الفضل في اكتشاف الارث الفكري والادبي للمركيز دو ساد الى الحركة السريالية في الادب التي شهدتها بدايات القرن العشرين من حيث ان اندريه بروتون والشاعر ابولينير ابديا اعجابهما الشديد بمدى «تحرر المخيلة» الذي يبدو في كتابات المركيز. واعتبارا من هذا «الاكتشاف» اصبح المركيز دوساد منارة ادبية وفكرية للكثير من كتاب القرن العشرين، بينما استمرت في المخيلة الشعبية عامة صورة «الرجل الشرير» ورمز «السادية» المرعب، ولعل استمرار هذه الصورة في «المخيلة الجماعية» يجعل من الصعوبة بمكان الكتابة عن «المركيز» دون ان يواجه ذلك الذي يقوم باتهامات كثيرة ليس «الانحراف الاخلاقي» اقلها قسوة.. ومع ذلك دخل مؤلف هذا الكتاب، جان بول بريجيللي «هذه المغامرة ليقدم كتابا متزنا شرح فيه حياة «دو ساد» والاسطورة التي تم نسجها حوله ضمن الشروط التاريخية التي عرفتها الفترة التي عاش فيها والفترات اللاحقة. ان الحقيقة التاريخية الاساسية حول حياة المركيز دو ساد هو انه قد امضى ثلاثين عاما من حياته «منفيا» من قبل المجتمع الذي عاش فيه، انه لم يكن انسانا مجرما أو قاتلا، انما كان «كتلة من جهنم وسط مشهد عصر التنوير»، كما يصفه المؤلف الذي يرى به احد افضل الذين كتبوا عن «وحشية» البشر. وما نعرفه عن حياة «المركيز دو ساد» في هذا الكتاب هو انه امضى طفولة مدللة في قصور اسرته حيث نال تربية دينية صارمة. وقد اظهر منذ بلوغه سن العاشرة ميلا واضحا للمسرح. لكنه توجه منذ سن مبكرة نحو الجيش حيث غدا ضابطا وشارك في «حرب السنوات السبع» تزوج من الآنسة دو مونتروي، ابنة الاسرة الثرية لكنه دخل السجن بعد اربعة اشهر فقط من زواجه بها حيث ان والدتها «حماته» كانت قد ساهمت كثيرا في ايداعه السجن وبقائه طويلا فيه على قاعدة «عداوة تقليدية» منذ البداية، ولقد ساهم «دو ساد» في العديد من عمليات الشغب مما استدعى ايضا ملاحقته باستمرار، بل واعادته من ايطاليا عندما هرب اليها عام 1772. وقد امضى الفترة الاخيرة من حياته في المصحة العقلية «بشارنتون» حيث عاد الى اهتماماته الاولى الخاصة بالمسرح اذ شكل فرقة مسرحية داخل المصحة.. وقدم فيها عدة عروض مسرحية.. وفي كل الحالات لا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول بأن «المركيز دو ساد» كان بمثابة «كبش فداء» للانظمة السياسية المتعاقبة التي ارادت ان تؤكد عزمها على ممارسة سياسة تقوم على «الحزم الاخلاقي» في مواجهة افكار مثل تلك التي كان يقول بها. ان البعد الاساسي الذي يتم التركيز عليه في شخصية المركيز دو ساد هو التراث الفلسفي اذ يبدو مؤلف هذا الكتاب «فيلسوفا قبل اي شيء اخر.. وهذا ما يبدو بوضوح من خلال «الحوار» الذي كتبه بين احد القساوسة واحد المرضى. لكن هذا البعد الفلسفي ظل مطموسا بفعل «المنع» الذي فرضته السلطة البورجوازية الصاعدة، ثم ان هذا البعد الفلسفي يظهر ايضا بوضوح في مختلف رواياته واعماله المسرحية التي كان العنف والتدمير الذي يواجهه «الضحايا» فيها انما هو نوع من الرمز لرغبة تدمير القيم الاجتماعية السائدة. وفي المحصلة يبدو «المركيز دو ساد» من حيث المصير الشخصي الذي عرفه، وقوة الفكر الفلسفي الذي بدا في كتاباته ورواياته، انما كان بمثابة شخصية متميزة عن عصره.. وشخصية متميزة بـ «ساديتها» ايضا. ومن القصر الى السجن والمصحات العقلية