نعوم شومسكي هو من مواليد فيلادلفيا عام 1928. وهو عالم لسانيات شهير، بالاضافة الى كونه مفكراً سياسياً يحظى بشهرة عالمية بسبب مواقفه النزيهة حيال عدد من قضايا العالم وفي مقدمتها القضية الفلسطينية حيث شجب باستمرار السياسة العدوانية الاسرائيلية، على الرغم من انه يهودي مما جلب عليه سخط المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة الامريكية. يدرس نعوم شومسكي في عدد من الجامعات الامريكية، كما انه عضو الاكاديمية الامريكية للفنون والعلوم. سبق له ونشر حوالي ثلاثين كتابا من بينها «خبايا سياسة العم سام» و«مسئوليات المثقفين» و«النظام الدولي، القديم والجديد»... الخ. كل كتاب من كتب نعوم شومسكي هو حدث بحد ذاته. وهذا الكتاب الجديد الصادر في شهر نوفمبر 2001 يناقش موضوعا حساسا ذا صلة مباشرة بأحد اكبر الاحداث منذ سقوط جدار برلين عام 1989.. أي تدمير برجي مركز التجارة الدولية في نيويورك وتوجيه ضربة قوية لمبنى وزارة الدفاع الامريكية «البنتاجون» يوم الحادي عشر من شهر سبتمبر الماضي. ويأتي هذا الكتاب بصيغة حوارات اجراها مؤخرا عدد من ممثلي الصحف وقنوات التلفزة ومحطات الاذاعة مع شومسكي حول موضوع رئيسي هو «الارهاب» وحيث اجاب على اسئلة دقيقة مثل: «هل السياسة الامريكية هي السبب في الهجمات الارهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة يوم الحادي عشر من شهر سبتمبر الماضي؟!». ما يؤكده شومسكي هو ان هذه الضربات لم تكن بمثابة «نتائج مباشرة» للسياسة الامريكية.. ولكن شومسكي يؤكد بالمقابل بأن أولئك الذين قاموا بها اي هم ينتمون الى الشبكة التي تجد جذورها في «جيوش المرتزقة» التي تم تنظيمها وتسليمها بشكل رئيسي من قبل اجهزة الاستخبارات الامريكية وجهات اخرى.. وتتم الاشارة في هذا السياق الى الدور الذي لعبه «زبيجنيو بريجنسكي مستشار الامن القومي الامريكي في ظل ادارة الرئيس جيمي كارتر.. وحيث زعم اي بريجنسكي بأنه كان وراء مبادرات دعم سري كبير للمجاهدين الافغان من اجل النضال ضد حكومة افغانستان آنذاك وذلك بقصد جر الروس الى ما أسماه بـ «الفخ الافغاني» ثم جاء انهيار الشيوعية لتختل المعادلة كلها. وفي البداية هل يمكن المقارنة بين سقوط جدار برلين عام 1989 وبين نتائج اعتداءات 11 سبتمبر 2001 على امريكا؟ وذلك من حيث النتائج المترتبة على الصعيد الجيو سياسي العالمي؟ على مثل هذا التساؤل يؤكد شومسكي بأن سقوط جدار برلين قد غير فعليا من «المشهد الجيو سياسي» العالمي، ولكن الاعتداءات الرهيبة يوم 11 سبتمبر فيها شيء جديد تماما في تاريخ العالم».. وذلك لان الولايات المتحدة تتعرض وللمرة الأولى منذ عام 1812 إلى هجوم فوق أراضيها. ويخالف شومسكي في هذا السياق الآراء التي تقيم بعض التناظر بين هذه الأحداث الاخيرة وما جرى أثناء هجوم اليابانيين على قاعدة «بيرل هاربور» الامريكية يوم السابع من ديسمبر 1941 في جزيرة «هاواي» بالمحيط الهادئ.. ذلك ان هذه الجزيرة الصغيرة لم تكن أرضا وطنية أمريكية وانما مجرد «مستعمرة». بل ويذكر شومسكي هنا بما قامت به أمريكا خلال مئات السنوات «ضد سكان امريكا الاصليين»، وبـ «احتلالها نصف المكسيك» وبممارسة العنف في «جميع المناطق المحيطة بها» وحيث احتلت «هاواي» و«الفلبين». كما يؤكد شومسكي ايضا على «لجوء أمريكا الى القوة في اغلبية مناطق العالم، وخاصة خلال القرن التاسع عشر». وضمن هذا المنطق يرى بأن اعتداءات 11 سبتمبر 2001 قد شكلت «تبدلا مشهودا» إذ و«للمرة الاولى ترتد البنادق في الاتجاه المعاكس». ومن هنا يتم وصف تلك الاعتداءات ـ بأنها مثلت «شيئا جديدا في تاريخ العالم». ويقيم شومسكي، ضمن الاطارنفسه، مقارنة لما حدث مع التاريخ الاوروبي ذاته. إذ واذا كانت أوروبا قد شهدت دمارا كبيرا بفعل حروب داخلية من بينها حربين كونيتين. ولكن القوى الاستعمارية لم تكن عمليا عرضة لهجومات من ضحاياها السابقين. فالهند لم تهاجم بريطانيا والكونغو لم تستهدف بلجيكا أو اثيوبيا ايطاليا ... الخ. «من هنا ليس من المدهش بالنتيجة واقع احساس أوروبا بصدمة عنيفة بسبب الجرائم الارهابية ليوم 11 سبتمبر 2001» كما يقول نعوم شومسكي ثم يضيف: «من جديد أكرر القول بأن هذه الجرائم كانت لا سابق لها، ولكن ليس بسبب مستوى تنفيذها» ثم يختتم تحليله هذا بالقول: «لا أحد يستطيع القول بدقة عما ستتركه ـ الاعتداءات ـ من آثار. لكن ما هو واضح هو انها تشكل شيئا جديدا تماما». وعلى السؤال التالي: «هل العرب، الاصوليون بالتعريف بالضرورة، هم الاعداء الجدد للغرب؟» أجاب شومسكي: «بالتأكيد كلا. ثم ليس هناك أي انسان يتمتع بالحد الادنى من العقلانية يمكنه أن يعرف العرب بأنهم أصوليون. كما ان الولايات المتحدة والغرب عامة ليس لديهم اعتراض حيال الاصولية الدينية بالمعنى العقائدي. ذلك ان الولايات المتحدة تمثل في الواقع احدى الثقافات الأكثر تدينا، والأكثر تطرفا والاكثر أصولية، ولكن ليس كدولة وانما كثقافة شعبية، ثم يستطرد شومسكي في شرح واقع انه في الولايات المتحدة والغرب تتأسس العلاقات على قاعدة «الخدمات المقدمة للسلطة» وليس على أساس العقيدة الدينية. وبهذا المعنى يناقض «نعوم شومسكي» بشكل كامل الاطروحة التي بنى عليها المفكر السياسي الامريكي صموئيل هنتنجتون كتابه «تصادم الحضارات» والذي تم نشره قبل عدة سنوات وأثار ضجة كبيرة حيث ركز مؤلفه على أفق «التصادم» بين الحضارتين، الاسلامية والغربية. ويتطرق شومسكي في هذا الكتاب ايضا للطريقة التي تعاملت فيها وسائل الاعلام مع احداث 11 سبتمبر 2001، وخاصة فيما يتعلق بامكانية اقامة نوع من التوازي بين الموقف من هذه الاحداث وبين الموقف أثناء حرب الخليج؟! ويؤكد شومسكي بهذا الصدد على ان المعلومات التي قدمتها وسائل الاعلام الامريكية «لم تكن موحدة» بالمقدار الذي بدا ان الاوروبيين يتصورونه، إذ انهم اكتفوا بصحيفة «نيويورك تايمز» وبالقنوات التلفزيونية ومحطات الاذاعة الوطنية الامريكية. ويشير شومسكي بهذا الصدد الى مقال نشرته «النيويورك تايمز» نفسها في أواخر شهر سبتمبر 2001 وقيل فيه بأن «المواقف التي تم اتخاذها في نيويورك كانت مختلفة» عن تلك التي نقلتها الصحيفة. ويؤكد ايضا بان «التايم» قد كشفت في الوقت نفسه بأن «طبول الحرب لا تكاد تسمع في شوارع نيويورك» وبأن النداءات من أجل السلام «تتجاوز كثيرا طلبات العقاب» ولكن شومسكي يؤكد في الوقت نفسه وجود «رغبة شبه عامة، نحس بها جميعا برؤية المسئولين عن هذا الفعل رهن الاعتقال والعقاب إذا أمكن الوصول اليهم. ولكن يبدو لي أيضا بأن هناك نفورا من خيار اللجوء إلى هجوم اعمى يؤدي الى قتل عدد كبير من الابرياء على حد تعبيره. لكن هذا الموقف «المتميز» يحتاج الى فترة من الوقت كي يتبلور.. ذلك لان احدى السمات الاساسية للموقف الذي تتخذه وسائل الاعلام الكبرى والنخب المثقفة عامة تتمثل اثناء الازمات بالتلاحم على موقف السلطة و«حث المواطنين على التعبئة» لنصرة القضية المشتركة، وهذا ما اثبتته وسائل الاعلام الامريكية اثناء حرب كوسوفو الاخيرة وقصف صربيا وقبلها اثناء حرب الخليج. ثم ان شومسكي يؤكد على مدى تحليلاته على عدم فهم الامريكيين والاوروبيين ايضا لما يكتسي أهمية حاسمة لدى النخب في الشرق الاوسط والشارع ايضا. ويضرب على ذلك مثالاً «اختلاف السياسة الامريكية حيال الاحتلال العسكري تبعا للقوة التي قامت بها واذا كانت العراق او اسرائيل». واذا كان يتم «التعتيم» بأكبر درجة ممكنة عما تقترفه اسرائيل من قمع وبطش فانه يتم التركيز في وسائل اعلام امريكية، بل من قبل دوائر رسمية، على «كرم» الاقتراحات الاسرائيلية الخاصة بنزاع الشرق الاوسط خلال صيف عام 2000 في كامب ديفيد. ان الحكومة الامريكية مثل اخرى، تخضع لارادة دوائر هامة في السلطة». يقدم شومسكي على مدى الحوارات الثمانية التي يتضمنها هذا الكتاب رؤيته للعديد من القضايا التي شغلت اهتمامه باستمرار في الفكر والاقتصاد والسياسة وذلك على ضوء الهجمات الرهيبة يوم 11 سبتمبر الماضي على نيويورك وواشنطن. انه يتحدث حدث بكثير من الوضوح والدقة والحرية، كما فعل دائما، مما جعل منه أحد أشهر المثقفين الاحياء في العالم اليوم، وهذا ما عبر عنه ناشر هذا الكتاب بالقول: «ان صوت شومسكي هو صوت اخر لامريكا، وصوت لابد منه اليوم».