في حوار أجراه المحرر الثقافي بمجلة «صالون» ترد الكاتبة الهندية ارونداتي روي على التهم التي وجهت اليها في أعقاب صدور رواية «إله الاشياء الصغيرة» التي حقت انتشارا واسعا بعدما ترجمت الى عدة لغات، وتتحدث عن طريقتها في الكتابة فهي لا تعيد قراءة ما كتبته، وربما خطر لنا ان نسامحها على ادعائها انها لا تعيد قراءة الاشياء التي تكتبها، فمن حسن حظ هذا العالم ان تولد فيه مواهب بهذا الحجم تكتب بعفوية ورمزية وغنائية. وبدون هذه المنمنمة المصغرة التي تصيبك بالتشويش الذهني كيف سيتأتى لك ان تعرف شيئا عن الهند الحديثة؟ وبدون هذا الصدق وتلك القدرة الابداعية التي تشتمل عليها روايتها «إله الاشياء الصغيرة» لا يمكننا ان نتصور العالم من حولنا. وعلى الرغم من ذلك فليس أمامنا الا ان نسأل مؤلفتها عن موقف هذا العالم منها. ـ بعد نشرك رواية «إله الاشياء الصغيرة» توجهت أنظار العالم الى الهند في اثناء احتفالها بالعيد الوطني الخمسين، وفي الوقت ذاته توجهت اليك والى هذا العمل الروائي كما توجه الناس اليك بالسؤال التالي.. ما معنى ان تكوني في هذه اللحظة روائية هندية؟ وما معنى ان تكوني هندية؟ هل يجد الكاتب الاجابة عن هذا السؤال في رواية إله الاشياء الصغيرة؟ ـ أتصور ان القصة تشبه سطح الماء، وان بامكانك ان تغرف منه الكمية التي تريدها، ان قوته تكمن في كونه مهذارا، لكن هذه الفكرة تجعلني أثور، أشعر بالانفعال، فما الذي نعنيه عندما نسأل «ما معنى ان تكون هندياً؟» وما «هي الهند؟» و«من هو الهندي؟».. هل سأل أحد ما من قبل «ما معنى ان تكون أمريكيا؟».. «ما معنى ان تكون بريطانياً؟».. لا أعتقد انه سؤال يستحق بالضرورة ان يطرح، أتصور ان السؤال الذي يجب ان يطرح هو «ما معنى ان تكون انساناً؟». إنني لا أشعر بالارتياح للحاجة الى التعريف ببلادنا لأنها أكبر من ذلك! كيف يمكنك ان تعرف بالهند؟ فهي بلد لا يشتمل على لغة أو ثقافة واحدة أو دين واحد ولا يوجد فيها أسلوب واحد للحياة، بالتأكيد لا توجد طريقة يمكن للمرء من خلالها ان يقول «هذه هي الهند» أو «هذا هو ما يعنيه ان تكون هندياً».. إن العالم بأكمله يريد منك ان تعطيه صورة واضحة ومع ذلك فهو ليس بالأمر السهل. لا أعتقد انه بامكان فيلم سينمائي أو كتاب ان يتضمن ما يعنيه ان تكون هنديا. بالطبع فإن كل كتّاب الرواية يسعون الى كتابة ما يمكنه ان يضفي معنى على عوالمهم كأن يلجأوا الى المزاعم بشأن الاشياء التي تأثروا بها ودفعتهم الى الكتابة، أما أنا فلن أدافع حتى عن روايتي، فعندما أكتب ألقي بأسلحتي وأعطي القاريء الكتاب ليقرأه. ـ أنت تواجهين في الهند تهمة الاساءة الى الثقافة التقليدية بسبب النهاية الغريبة لروايتك إله الاشياء الصغيرة، الأمر الذي يعيد الى الأذهان الجدل الذي ثار حول العديد من كتّاب العالم الثالث للسبب نفسه؟ ـ مقارنتي بهؤلاء الكتاب ما هي الا رد فعل اعتباطي، واعتقد بأن النقاد يواجهون دائما مشكلة لدى ظهور أي كاتب جديد لأنهم يريدون ان يوجد له هوية فيقارنونه بالآخرين، كما ان القراء بدورهم يفترضون أشياء مثل تأثره بكتاب آخرين فيظلمونه. ـ هذه المقارنات تأتي من الحاجة الى القياس والتناظر، الى شيء مجازي يفهم من خلاله القاريء العمل؟ ـ على الرغم من انني أتفهم هذه الحاجة، الا انني وفي الوقت ذاته لا أفهم القراء في افتراضهم ان الكتاب الهنود ما هم الا كتاب للواقعية السحرية، وفجأة أصبح أنا واحدة فقط لأن هذا الكاتب أو ذاك من الكتاب الهنود ينتمون الى تيار الواقعية السحرية. ان الناس لا يقرأونك جيدا احيانا بسبب هذه المقارنة، فعندما يستغرق كوشما في خيالاته أو يراقب راهيل بفضول أي شيء أو تحلم أمو في الرواية فإن هؤلاء ليسوا أنا المؤلفة التي تعبر عن نفسها بـ «واقعية سحرية».. لا، ان ما أكتب عنه هو ما تمر به هذه الشخصيات من تجارب. هذه الصور تحركها الشخصيات ولا أحركها أنا على الاطلاق بافتعالي هذا السحر! ان ما أكتبه هو الواقعية في الحقيقة. والحقيقة انني قورنت بكتاب كثيرين منهم ماركيز وجويس وفوكنر الذي كثيرا ما يقارنونني به رغم اني لم أقرأ له من قبل! ولهذا لا يمكنني أن أتكلم عنه. لكنني قرأت لكتاب آخرين من الجنوب الامريكي من أمثال مارك توين وهاربر اس.لي.. واعتقد بوجود عناصر روائية مشتركة بين ما كتبه هو وما كتبته أنا، هذه المقارنة ليست اعتباطية كما ان من الطبيعي ان يقتسم الكتاب من خارج المناطق الحضرية نفس العناصر البيئية الطبيعية التي لا دخل للانسان في صنعها والتي تؤثر فيها عوامل طبيعية كالرياح والانهار والمطر. اعتقد بأن العلاقات الانسانية والتقسيمات بين البشر هي الأكثر وحشية ومباشرة اذا ما قورنت بما يحدث في المدن حيث تقبع الاشياء خلف الجدران تحت غطاء المدنية. ـ لقد وجهت اليك تهمة الاساءة الى الموروث الثقافي من قبل محام يقيم في ولاية كيرالا المكان نفسه الذي تقع فيه أحداث روايتك.. هل هذا هو ما تعنيه بقولك «التقسيمات بين البشر هي الأكثر وحشية ومباشرة في المناطق غير الحضرية؟» وكيف تواجهين هذه الاشكالية لاسيما وانها قد حدثت في المكان ذاته الذي استوحيت منه موضوع روايتك؟ ـ عندما وجهت لي الاتهامات في المرة الأولى أحسست بالضيق، والواقع ان أول مرة وجهت اليّ فيها هذه التهم كانت أثناء جولتي الترويجية للرواية في الولايات المتحدة، ولم يخبرني أحد بهذا في ذلك الوقت لأنهم كانوا يخشون ان يسبب لي ذلك الضيق في هذه الاثناء.. أعتقد بأنني الآن أدرك ما هو الأدب، ان هذا هو في الواقع الغبار المتطاير الذي يصيبك عندما تكتب الأدب ومن المهم بالنسبة لي ان أناقش هذه المسألة ضمن نطاق عملي، ان أطرح وجهة نظري وان تتاح لي حرية التعبير عنها، هذا كما أتصور أهم من الاحتفال باصدار كتاب أو الذهاب في جولة ترويجية، هذا هو المحك الحقيقي وهذه هي حدود عملي بغض النظر عما يريد ان يقوله الآخرون كما ان ذلك لا يخيفني فأنا قادرة على التصدي لهذه الاشكاليات والى توفير العدالة لنفسي واقل ما يمكنني قوله هو انه ليس من العدل ان يقوم الشخص الذي يوجه اليك تهمة الاساءة الى ثقافتك بتصوير الغلاف والصفحات الاخيرة فقط من روايتك لعرضه على المحكمة. لقد تعاملت الصحافة المحلية في كيرالا مع هذا الحدث بشكل وحشي الى حد انه كان قد تسبب لوالدتي في حالة من عدم الشعور بالابتهاج الذي توقعت ان يحدثه النجاح الكبير الذي حققه العمل على المستوى العالمي وبدلا من ذلك كان مصدراً للتوتر إلا ان الانسان وعلى الرغم من ذلك لا يمكنه التنصل من مسئوليته عن عمله. ـ عندما بدأت بقراءة الرواية احتجت الى بعض الوقت للتعرف على بطلها او بطلتها وبعد ذلك بدأت في التعرف على المكان وكان هو بالفعل، الهند وبالتحديد ولاية كيرالا. ـ هذا يبدو ممتعا ومشوقاً، اما الكتابة عن شخصية رئيسية فلا اعتقد بوجود ما يجبرك على الكتابة عن بطل واحد معين، والحقيقة انني اتصور بأن الشخصيات الرئيسية هي كل واحد من هؤلاء امو وبيبي كوشما وفيلونا واستا وراهيل كل هذه الشخصيات رئيسية. ـ من الاشياء الرئيسية النزعة الغنائية لقد اعترفت شيترا بانيرجي ديفا كرولي الكاتبة الامريكية ذات الاصول الهندية بأنها تكتب بالتناغم مع الموسيقى الهندية؟ وفي بعض الاحيان تصر على قراءة اعمالها بصوت مرتفع امام الآخرين على صوت الموسيقى التي كما تقول تلهب لديها الحساسية الموسيقية، هل هذه هي نفس توجهاتك؟ ـ انا لا استمع الى الموسيقى عندما اكتب والكتابة بالنسبة لي اقرب الى التصميم لقد درست الهندسة المعمارية والكتابة كما اتصورها تشبه فن العمارة، ففي فن البناء هناك بواعث محركة على التصميم تأخذ في الظهور مرات ومرات وتجعلك تعيد تصميم النماذج التي كنت قد انتهيت من تصميمها، هذه البواعث تساعدك على الشعور بالارتياح والشيء نفسه موجود في الكتابة ومن وجهة نظري فإن الطريقة التي تعمل بواسطتها الكلمات والترقيم والفقرات الضرورية جداً بالنسبة لي التصميم الكتابي للغة ضروري ايضا ولهذا ترى كلمات وافكار استا وراهيل التوأمين تبدو راقصة على الورق.. لقد كنت مهتمة بهذا ولهذا فأنت ترى كلماتي مجزأة وفي بعض الاحيان مدمجة في بعضها فكلمة «اليتر» تنقسم الى «لي» و«تر» وآنأول الى «آن» و«أول» وهكذا. اما التكرار فأنا احبه واستخدمه لانه يشعرني بالامان ان الكلمات والعبارات المكررة تحدث هزة كهذه التي تحدثها التهويدات واغاني الاطفال الرقيقة انها تعمل على امتصاص الصدمة التي تحدثها موضوعات كالموت والدمار والرعب والفوضى والاهتزاز العاطفي. ـ ما هو تعليقك على ردود الافعال التي تفسر استخدامك لهذه التقنية على انه تعمد؟ ـ اللغة هي الشيء الوحيد الذي لا افكر فيه على الاطلاق، والواقع انني لا اكتب بهذا الوعي ولا اعيد كتابة عملي وفي هذه الرواية لم اغير سوى صفحتين تقريبا. انني نادرا ما اكتب مرة ثانية وهذه هي قناعتي الشخصية، كما ان كتابة هذه الرواية كانت عفوية وممتعة اكثر امتاعاً من كتابة السيناريو، وانا مؤمنة بأن هناك كتاباً أنانيون وكتاباً شديدو السخاء والكتاب الأنانيون يتركونك لتعيش في حدود العمل بعد قراءتهم اما الكتاب الاكثر سخاء فيتركونك لتعيش في حدود العالم الذي تنطلق منه تجاربهم الروائية. ان استحضار صورة للعالم او نقلها للآخرين تشبه كتابة رسالة الى من تحب وهناك خيط رفيع يفصل ما بين قراءة الرواية وبين كتابتها فعندما اقرأ كتابا اعتبره هدية يقدمها لي الكاتب بينما اذا كتبته فإنني انا من يقدم هذه الهدية للآخرين ومن حق الآخرين ان يفعلوا بها ما يريدونه. ـ هذه اول رواية تكتبينها فكيف كانت البداية؟ ـ لو ان احداً اخبرني من قبل بأنني سأكتب هذه الرواية لما صدقته، لقد كتبتها بلا ترتيب فلم اكتبها بشكل منظم بمعنى انني بدأت بالفصل الاول ثم الفصل الاخير، لقد بدأت بفكرة واحدة هي «بليموث ذات الزرقة السماوية وفي داخلها توأم واجواء ماركسية تحيط بها» ومن هنا تطورت الاحداث وبدأ نسيجها اللغوي في التكون جملة جملة. ـ وكيف وصلت الى السلسلة من الافكار التي شكلت الجزء الاخير من الرواية؟ ـ لقد جاءت هكذا فمثلا عندما بدأت بكتابة هذه الرواية لم اكن اعرف ان احداثها ستقع في يوم واحد لقد بدأت بالتلاعب بالوقت وبعد ذلك ادركت ان الاطفال في بعض المشاهد يكبرون احيانا واحيانا اخرى لا يكون الامر بهذه الصورة فبدأت لدى فكرة النظر الى المشاهد كأوقات مختلفة تنعكس من خلال الزمن على انها لحظات يعاد بناؤها ان لحظات مثل تلك اللحظات التي يعيد فيها استا تصفيف شعره بنفس طريقة الفيس بريسلي او تبدأ فيها علاقة الحب بين أمو وفيلونا هذه اللحظات التي نعيش معها في حياتنا تعني اشياء اخرى غير تلك الاشياء التي ندركها ظاهريا انها لحظات تشكل الجوهر الاساسي للشعور بالسعادة. ـ على الغلاف الخارجي للرواية كتبت هذه العبارة «درست فن العمارة وكتبت سيناريوهين لفيلمين لكن هناك مصادر تقول انك ايضا مدربة ايروبكس» فلماذا وكيف قررت ان تكتبي الرواية؟ ـ منذ طفولتي كنت احلم بأن اصبح كاتبة، لكنني لم افكر في هذا جدياً فلم تكن قد توفرت لي الامكانيات المادية ثم بدأت بعد ذلك بكتابة السيناريوهات للسينما وهكذا بدأ مشواري في عالم الكتابة. وعلى الرغم من ذلك فقد كانت فكرة الكتابة الروائية تراودني حتى عندما كنت اعمل في مجال الهندسة المعمارية والرياضة وبغض النظر عما كنت افعله او فعلته فقد سيطرت عليّ هذه الفكرة وهذا هو بالضبط ما حدث عندما بدأت بكتابة «إله الاشياء الصغيرة» لقد عملت لفترة طويلة من الوقت وعندما جمعت ما يكفيني ماديا تركت العمل وغامرت بالتفرغ للكتابة الامر الذي استغرق حوالي اربع سنوات ونصف تملكني خلالها هاجس الكتابة واستمتعت بها تماما كما لو انني كنت اعمل في الهندسة المعمارية، لم اضيع وقتي في مجرد الحلم بأن اصبح كاتبة روائية لا، فحكمتي في الحياة هي ألا اخاف من الفشل حتى لو لم ينجح هذا العمل فهو نفسه بالنسبة لي. انني اتوقف دائما لأفكر فيما يمكنني ان افعله ثم افعله بعد ذلك. بعد رواية «إله الاشياء الصغيرة» لم يكف الناس عن سؤالي عما اذا كنت سأكرر التجربة واكتب عملا بالمستوى نفسه، إلا انني ارغب في التغيير، في التطور ولا اعتقد بضرورة ان اكتب عملاً آخر فقط لانني كاتبة، لا اعتقد بأن اياً منا سيكتب رواية اذا لم تكن لديه رواية ليكتبها وإلا فمن الافضل له ان يسكت. مريم جمعة فرج