«من ثلاثية الفساد الى قضايا المجتمع المدني» هو احدث كتب المفكر والكاتب السوري الدكتور طيب تيزيني وقد صدر عن دار جفرا للدراسات والنشر في سوريا ليدشن مايبدو انه سلسلة جديدة من الدراسات تزمع الدار اصدارها تحت عنوان «قضايا في الفكر العربي المعاصر». يقع الكتاب في 220 صفحة من القطع المتوسط، ويجمع بين دفتيه مقالات ودراسات حديثة سبق للكاتب ان نشر بعضها في الدوريات السورية والعربية. وقد استهل الكتاب بكلمات تمهيدية قالت ان الفصول التي يتضمنها تأتي بمثابة شاهد على مرحلة امتدت من النصف الثاني لعام 2000 الى اوائل النصف الثاني لعام 2001 تقريبا، وهي اتسمت ـ وفي المقام الاول ـ بحيوية ثقافية وسياسية ثقافية مثيرة لنهم مؤرخ الثقافة والسياسة المنظر لهما في الفكر السوري المعاصر، وكذلك لنهم المثقف والسياسي كليهما، كما لفئات اخرى متعددة في المجتمع السوري، ويضاف الى ذلك سمة اخرى للفصول المذكورة وهي ان انتاجها ـ في الصيغة التي انبسط فيها ـ جاء في وهج حوارات ومناقشات ومناظرات تحددت في مرجعيات متعددة، بالاعتبارات المعرفية والايديولوجية والسياسية، اي في صيغة سجال مفتوح تم على صفحات من الصحافة والدوريات المحلية والعربية. وقد اضفى على ذلك اهمية تاريخية خاصة كونه جاء في مرحلة انتقالية جديدة في سوريا افصحت عن نفسها على نحو معقد ومركب ومفتوح. وفي ضوء ذلك الظرف التاريخي ومن موقعه، فان الكاتب يتوقع للقاريء ان يرى في الفصول المعينة وثيقة تاريخية سواء اوّلت على نحو او آخر، هذا مع الاشارة الى انها في رأينا ـ اي رأي الكاتب ـ اكثر من ذلك. وفي كل الاحوال نريد لهذه الفصول ان تكون حافزا على القرار العقلاني والوطني الديمقراطي بين كل من يعلن انتماءه لهذا البلد ـ سوريا ـ ويحمل في الآن ذاته ـ هم الكفاح من اجل تقدمه. انقسم الكتاب الى ثلاثة اقسام رئيسية تضمن كل قسم منها مجموعة من الفصول التي تتناول احدى القضايا المثارة، من مختلف جوانبها. القسم الاول وحمل عنوان «في شرط الحوار وتحرير العقل الاسير» وجاءت فصوله بعناوين فرعية منها «من هنا نبدأ: حوار ديمقراطي عقلاني مفتوح» ـ «الى من هم ضمير الوطن ورهانة الكتب» ـ اسئلة حول الخطوط الحمراء ـ العرب بين التخلف والتخليف ـ الواقع العربي وتحديات الالف الثالثة على هامش الدخول في القرن الواحد والعشرين ـ الفكر العربي في مواجهة اللجنة الغربية الجديدة، المثقف العربي تحت عبء الواقع ومراوغة الضمير. ينطلق د. تيزيني في ذلك القسم بالآثار، الى ان اهم «درس» تقدمه التحولات العظمى التي تمخض العالم الراهن عنها مع لواحقها وعقابيلها يتمثل في ان كل شيء دون استثناء يمكن ان يتفكك ويتصدع ان لم يستجد. عاجلا ام آجلا لاحتياجات التغيير والتجديد واعادة البناء على نحو نقدي صارم. فالعولمة الجديدة، انطلقت من الرماد الملتهب الذي خلفته عملية تفكيك المنظومة الاشتراكية وحرب الخليج الثانية باتجاه العمل على اختراق العالم وتحويله «قرية كونية امريكية» مما يؤدي الى حلول «مبدأ جديد» يحكم العالم ويتمثل فيما يلي: ابتلاع الطبيعة والبشر في سبيل هضمهم وتمثلهم ومن ثم تقيئهم سلعا! ولمواجهة هذه «الحالة التاريخية» ومخاطرها واضرارها وشرورها على العالم بعامة وعلى العرب بخاصة، فان تيزيني يرى ان الفكر العربي المعاصر الذي هو سليل مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية لم يعد قادرا على الاستمرار في صيغته السابقة، خصوصا ما قبل بداية التسعينيات من القرن العشرين، ولابد من اعادة بناء بنية الفكر العربي عبر العناصر والمشكلات والاشكاليات المكونة لها وعلى صعيد البنية والاستراتيجية والمنهجية والطرائق، فالعرب يعيشون راهنا ـ يضيف د. تيزيني ـ ربما في المرحلة الاكثر خطورة ورهافة واحتمالا للخروج من التاريخ. وهذا التهديد يشمل العرب جميعا دون استثناء ابدا .. فجميعهم مستهدفون من قبل «النظام العولمي الامبريالي الصهيوني». وتبعا لذلك فان تيزيني يرى ان الدفاع عن «الهوية الوطنية العربية» في مواجهة هذه «الحالة» انما يبدأ بحوار ديمقراطي عقلاني مفتوح بين الكل ومع الكل ممن يحمل هاجس هذا الوطن، بحوار هو بمثابة المقدمة والمتن والنتائج لفعل عربي يكبر بقدر نسائه ورجاله، وبقدر ما يتجه الجسم الاعظم من الامة صوبه، وتلك هي احدى المقدمات الكبرى لمشروع عربي جديد. وهنا يركز د. تيزيني على اخطر مظاهر العجز العربي مشيرا الى انه في الوقت الذي تتعاظم فيه عملية افقار الطبقات الدنيا والفئات الوسطى ضمن الوطن العربي وتتسارع وتائر تهميش الناس فيه اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وتتدفق معه وسائل الترويض الاعلامي السيكولوجي وتزداد المديونية للبلدان الرأسمالية والامبريالية وتتضاعف وتائر نهب الثروات الداخلية من قبل فئات يتجه جشعها باتجاه اعلانها ان الوطن «برسم التسليم»، في هذا الوقت نفسه نلاحظ ان المشروع الصهيوني الامريكي والامبريالي العولمي يحقق من المنجزات والمكاسب ما يجعلنا نستعيد وبقلق وتأمل عميقين، المقولة المدوية التي اطلقها المفكر النهضوي العربي نجيب عازوري عام 1905: هناك حركتان اثنتان في العالم ستتصارعان ولا يمكن ان تتعايشا، كما ان معظم مصائر العالم ستتحدد من خلال نتائج تصارعهما، وهما الحركة العربية القومية والحركة اليهودية الصهيونية! واذا كان الصراع يميل الآن لعالم الصهيونية فان ذلك راجع لغياب الديمقراطية والعلمانية في المجتمع العربي، وهما الشرطان الجوهريان اللذان يرى د. تيزيني انهما السبيل لانجاز حالة نهوض عربي يعيد الداخل العربي على نمو استراتيجي معمق يلبي شروط المقولة التي اطلقها عازوري. وفي هذا الاطار ـ العولمة، اسرائيل، السلام، المفاوضات، امريكا، النهب، الانتهازية الخ ـ تدور طروحات ومعالجات د. تيزيني لمجمل فصول القسم الاول فتهيأ فيها الى التأكيد على ضرورة اعادة بناء ادواتنا المعرفية والايديولوجية التي درجنا على توظيفها ـ غالبا ـ على نحو ميكانيكي او تقديسي او ساذج او تجريدي، وذلك وفق مقتضيات المنهج العلمي المفتوح. فلعبة التاريخ ـ دهاءه حسب تعبير هيجل ـ هي في انهيار البناء العربي واعادة بنائه من جهة، والنضال، من جهة ثانية. بلورة الرهان التاريخي على الحامل الاجتماعي للمشروع العربي المضاد ضرورة لمشروع الصهيوني الامريكي الاستيطاني الامبريالي اي الكتلة التاريخية النهضوية العربية الآخذة في الافصاح عن نفسها ضمن جموع الفقراء والمفقرين العرب. ولا يكون اخيرا الا تحصيل حاصل ان يقال بان الديمقراطية والعقلانية والتنوير تمثل احد المداخل الكبرى الى ذلك الفعل التاريخي العربي. القسم الثاني: من الكتاب جاء تحت عنوان «اشكاليات من الداخل والاسئلة الجديدة» وضم ثلاثة فصول هي ثلاثية الفساد في اسبابه وآلياته ونتائجه ـ مرحلة معقدة واستحقاقات كبيرة ـ الجامعات .. الى متى هكذا؟ ابرز ما جاء في هذا القسم هو سعي الكاتب الى توصيف وتحليل وشرح الفساد الذي راح ينهش في الجسد العربي مع هزيمة يوليو 1967 باعتباره احد نتائج هذه الهزيمة وما تلاها من معضلات اقتصادية في اعقاب ظهور النفط السياسي وتشكل سيولة نقدية هائلة ساهمت في الفساد والافساد واحدثت في المجتمع العربي تدميرا اخلاقيا ونفسيا وجنسيا وثقافيا هائلا حيث برزت نخب مالية وسياسية في الوطن العربي راحت تلتهم الاخضر واليابس، وتكدس الثروة بشكل متصاعد، في حين راحت الجماهير الكبرى تعيش حالة متسارعة من الافقار والاذلال والتهميش. وبعد ايراد اسباب الفساد ـ الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والاعلامية ـ يتحدث الكاتب عن آليات الفساد التي تظهر عبر طريقتين هما التربية المباشرة و «التربية غير المباشرة» والتي تتم دون معرفة الناس بها. يضيف اليهما من ثم آلية عظمى هي تجويع الناس لجعلهم حطاما لاهثا وراء اللقمة والدفء او دبوسا يقدم خدماته لمن يطلبها. هذه الوقائع ـ في ا طار الدولة الامنية المفروضة من الداخل والحالة الامريكية الصهيونية الضاغطة في الخارج ـ جعلت الوطن العربي في حالة «حطام» مفتوح ووضعته بالتالي في مواجهة خيارين لا ثالث لهما: اما الانصياع لاملاءات النظام الاخطبوطي ـ الامريكي العولمي ـ سياسيا واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً ولاملاءات المشروع الصهيوني المتواشج معه، واما الخيار الوطني القومي الديمقراطي النهضوي. ويرى د. تيزيني ان مشروع النهوض العربي هو الخيار الوحيد الذي يعيد للوطن والجماهير قدرتهما الهائلة في البناء والتغيير. القسم الثالث: من الكتاب جاء تحت عنوان «الوعي الشقي وأوهام الانفلات من التاريخ» وضم فصولاً سبعة هي: الخطاب السياسي بين الواقع والممكن في سوريا ـ ملاحظات اولية حول بعض المسائل الراهنة في سوريا، دولة القانون والمؤسسات وحرية التعبير بداية قبل كل بداية ـ من الدولة الوطنية الى المجتمع المدني ـ ملاحظات منهجية نظرية حول مسألة راهنة ـ اضواء جديدة على معضلة راهنة ـ المثقف السوري بين الشفافية الاخلاقية والتأهيل الاكاديمي ـ اشكالية «المجتمع المدني» في الثقافة السورية الراهنة. ويرى الكاتب ان الباحث قد يتردد حيال الكتابة عن سوريا الراهنة ومرد ذلك انها تمر حاليا بمرحلة انتقالية ومن خصائص مراحل الانتقال انها شائكة ومعقدة ومركبة فعلى امتداد عدد غير ضئيل من السنين هيمن نمط من الاجهزة الاخطبوطية على الحياة السياسية والتعليمية والحزبية والثقافية وغيرها، بحيث تم ابتلاع المجتمع العام والمظاهر الاولية للمجتمع المدني، اضافة الى تضخم الدولة التي ـ والحال كذلك ـ ارغمت على اخلاء الساحة لما نصطلح على تسميته تجاوزا بـ «الدولة الامينة» مقابل «أمن الدولة». تأسيا على تلك المقولة يناقش د. تيزيني ويفسر ويحلل من وجهة نظره احدى ابرز القضايا في الساحة السياسية السورية وهي قضية او مسألة المجتمع المدني التي استقطبت خلال اكثر من عام اي منذ وفاة الرئيس حافظ الاسد منتصف العام 2000 الماضي وحتى منتصف العام 2001 الحالي اهتمام مختلف التيارات السياسية والاجتماعية والحزبية في سوريا بين مؤيد لها دون تحفظ ومعارض لها دون تحفظ كذلك. ومما يخلص اليه د. تيزيني قوله ان الدعوى الى المجتمع المؤسساتي (المدني) ان لم تعترف بالدعوة الى تأسيس دولة متينة متماسكة قوية قانونية تفرض نفسها على الجميع فانها تتحول الى عملية مرهقة جديدة. فبناء الدولة الوطنية القانونية المتينة والتي تتمتع بسيادة كلية في البلد أمر يمثل ـ راهنا ـ المدخل الى الاجابة عن اشكالية المرحلة الانتقالية، فقيام الدولة الوطنية هو بمثابة الخطوة الكبرى التي تقود الى المجتمع المدني. غزوان عمر