كان لدى أمريكا على الدوام عطش لا يروى ولا تنقع له غلة للنفط. ولكن بعد سقوط برجي مركز التجارة العالمي، فإن ذلك العطش اتخذ منحى مختلفاً تماماً، ولا يختلف اثنان في الدوائر الأمريكية المعنية على ان الولايات التحدة ملزمة بتخفيض اعتمادها على الواردات النفطية من الخارج وهو ما يعني ايجاد احتياطيات جديدة في الأراضي الأمريكية. وبراري ألاسكا العذراء تعتبر آخر وأفضل أمل لها. وحتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كانت الإدارة الأمريكية الجديدة تخطط لفتح المحمية الوطنية للحياة البرية القطبية أمام أعمال التنقيب عن النفط. وبالمقابل، فإن نشطاء البيئة يعدون أنفسهم لمعركة أخرى في حرب استمرت 30 عاماً حتى الآن. وطوال هذه الفترة، قاموا بتذكير السياسيين ومسئولي صناعة النفط بأن هذه المحمية هي واحدة من أروع الأمثلة على البرية الباقية على كوكبنا بوجود أعظم تنوّع للحياة البرية في أي محمية قطبية على الاطلاق. ثم جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وتغيّر اتجاد الجدل الدائر كلياً. فالنفط أصبح أولاً وقبل كل شيء مسألة تتعلق بالأمن القومي، وهنا نهاية الجدل. ولكن السؤال هنا هو: هل يؤدي التنقيب في المحمية القطبية حقاً الى تخفيض الاعتماد الأمريكي على النفط الأجنبي؟ المسألة في النهاية، مسألة تتعلق بمقدار النفط الموجود في باطن الأرض هناك، ومدى سرعة استخراجه. ولا أحد يعرف الإجابات عن الأسئلة الجوهرية في هذا المجال، ولكن الدلائل الجيولوجية توحي بأن الولايات المتحدة ربما تكون ممن يعد فراخه قبل أن تفقس. فهناك خطر كبير يتمثل في امكانية أن يكون مؤيدو التنقيب مبالغين في عرض وجهة نظرهم. يعود اهتمام صناعة النفط بألاسكا الى عام 1968، عندما اكتشفت شركتا «بريتش بتروليوم» و«أتلانتيك ريتشفيلد» حقل «برودهو باي» النفطي العملاق على الساحل الشمالي للولاية. ويعتبر حقل برودهو باي» الذي يحتوي على أكثر من 12 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج باستخدام تقنية الانتاج الحالية، أكبر حقل نفطي على الاطلاق يتم اكتشافه في أمريكا الشمالية. واكتشف التنقيب اللاحق في المنطقة المحيطة وجود ستة مليارات برميل أخرى من النفط القابل للاستخراح في 30 حقلاً أصغر. وللمقارنة، فإن أكبر حقل نفطي بريطاني وهو حقل «فورتيز» كان يحتوي في الاصل على حوالي 3 مليارات برميل من النفط. طوال الثلاثين عاماً الماضية، كانت منطقة شمالي ألاسكا المنطقة الرئيسية المنتجة للنفط في الولايات المتحدة، حيث كانت تسهم بحوالي 25% من الانتاج المحلي ـ مليوني برميل في اليوم في أوج الانتاج في الثمانينيات. غير أن «برودهو باي» يشهد تراجعاً في الانتاج منذ عام 1988 كما أن المحاولات التي استهدفت في العثور على حقل عملاق آخر، لكي يحل محله قد باءت بالفشل حتى الآن. وتعلّق صناعة النفط الأمريكية آمالها على رقعة من البرية تقع على بعد 100 كيلومتر الى الشرق من برودهو باي. ولكن بموجب القانون الحالي، فإنه لا يمكن المساس بهذه المنطقة. ففي عام 1980، ضم الكونجرس الأمريكي المنطقة الى محمية برية تبلغ مساحتها 77 ألف كيلومتر مربع. وفي حين سمح المشرعون بإمكانية اجراء تنقيب مستقبلي عن النفط في السهل الساحلي، إلا أن ذلك سيتطلب قراراً من الكونجرس لكي يحدث. وما أن تولت إدارة بوش السلطة حتى بدأت التحرك لفتح الملاذ القطبي أمام التنقيب عن النفط. وفي السابع عشر من يوليو العام الماضي، صادقت لجنة الموارد في مجلس النواب على مشروع قانون يقضي بالبدء في التنقيب. وإذا تم تمرير هذا المشروع وتحوّل الى قانون فإنه سيسمح بعملية تنقيب واسعة النطاق عن النفط في قطعة أرض من السهل الساحلي تبلغ مساتها 6 آلاف كيلومتر مربع. وانطلاقاً من إدراكهم لضراوة المقاومة التي سيجدونها من لوبي نشطاء البيئة، بدأ المؤيديون باللعب بورقة الأمن القومي. وقال عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية ألاسكا فرانك ميركويسكي، وهو مناصر قديم للوبي الطاقة إنّ «المحمية القطبية تلعب دوراً حاسماً في تخفيض اعتمادنا الخطير على الطاقة الأجنبية». وزعم أن المحمية القطبية قد تحتوي على كمية أكبر من النفط مما يحتويه حقل برودهو باي، وهو ما يكفي ليحل محل الواردات الأمريكية من النفط من السعودية لمدة 30 عاماً. قد يعطي التنقيب نتائج جيدة في المحمية القطبية، ولكنها لن تروي عطش الأمريكيين للنفط المستورد. وبحسب جهاز البحوث في الكونجرس، فإن المحمية قد تصبح جاهزة للانتاج الفعلي في عام 2008 على أقل تقدير، وستنتج في أقصى تقدير 14 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2015. وبحلول ذلك، ستستهلك الولايات المتحدة 24 مليون برميل من النفط يومياً وفقاً لتقديرات وردت في تقرير الطاقة الوطني لنائب الرئيس ديك تشيني. وبعبارة أخرى، فإن المحمية القطبية ستغطي 6% فقط من المتطلبات الأمريكية إذا استمر الأمريكيون باستهلاك النفط بالمعدل الحالي. وهذا غطاء هش جداً للأمن القومي الأمريكي، حسبما يرى المراقبون. ضرار عمير


