بابتسامته الوادعة استقبلني الفنان الكبير دريد لحام في مكتبه الأنيق الكامن في حي أبو رمانة بالعاصمة السورية دمشق، وما إن جلست وبدأت عيناي تجوب أرجاء المكان حتى أدهشني العدد الكثير من الجوائز وشهادات التقدير التي تزين أرجاءه، فسألت ما هو شعورك وأنت تجلس بينها ؟ فأجاب: هذا عمري أعلقه على الجدران. فقلت وهل كانت بداياتك تشي بهذا النجاح؟ صمت قليلا ومد لي بعض الأوراق المعنونة بـ «تداعيات» وقال اقرئي عن بداياتي إن شئت، قرأت التداعيات أثناء انشغاله بالرد على الهاتف الذي كان يرن بين الحين والآخر، وقد أذهلتني بصدقها وعدم تنكرها للبيئة الفقيرة التي نشأ فيها الفنان وسأورد هنا بعض المقاطع: كانت الغرفة الوحيدة التي نعيش فيها من أكثر بقاع العالم كثافة سكانية، كنا عشرة أطفال ست إناث وأربعة ذكور كان الفجر قد طلع عندما أفقت لأرفع رأسي بصعوبة وسط زحام الرؤوس، لأجد والدتي مازالت وراء آلة الخياطة، تخيط ثيابا لأحد تجار الملابس لقاء سبعة قروش ونصف عن كل ثوب، لكي تساعد أبي الذي كان يملك دكانا صغيرا في زاوية مهملة من حي الأمين لم تكن تكفي لإطعامنا، يومها كنت في السابعة وحين أصبحت في العاشرة قررت أن أعمل وأساعد بمصروف العائلة يتابع الفنان دريد الكتابة عن ظروف تعلمه فيذكر: درست في مدرسة حي الأمين الخيرية «المحسنية» وكنت أول من نال شهادة البروفة من بين اخوتي مع أنني كنت الأصغر من بين الذكور، واجتمعت العائلة وقررت التضحية من أجلي، الكل يعمل لكي أواصل تعليمي، فزت بمنحة دراسية في الجامعة لحساب دار المعلمين العليا مع راتب قدره مئة وسبع وثلاثون ليرة، فاطمأنت العائلة للمورد الجديد وبدأ أخي جواد بمتابعة دراسته أما عن بداية ظهوره على المسرح فقال: أصبحت طالبا في الجامعة وقد اكتمل نموي إلى مئة وخمس وستين سنتمترا، أما بالعرض فلم يكن لي ظل يتبعني على الأرض حتى في عز الظهر، ورغم حرارة الصيف لم أكن لأتخلى عن لبس جاكيت البالة لأخفي رقع البنطال، وبالمختصر لم يكن عندي من المؤهلات الجمالية أو المادية ما يسمح لي أن أتجرأ وأعشق، فعشقت الفن وكان أول دور لي على مسرح الجامعة، دور فتاة استشهد والدها في فلسطين، لم تكن الطالبات وكان عددهن قليل في ذلك الوقت ترضين بالوقوف على خشبة المسرح، وكنت الفتاة الوحيدة التي قبلت اختراق التقاليد كان ذلك عام 1954 بعد هذه البدايات الشاقة تخرج دريد من الجامعة عام 1958، وعمل لفترة قصيرة في مجال التدريس، لكنه منذ أوائل الستينيات تفرغ بكليته للفن، ولم تكن بداية الرحلة هنا بأقل مشقة من سابقاتها إلى أن استطاع أن يثبت وجوده في التلفزيون والسينما والمسرح، ويتحول إلى نجم من أهم نجوم الكوميديا على امتداد الوطن العربي، وفي عام 1999 منح لقب سفير اليونيسيف في كافة بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبقي أن أذكر قبل أن أورد تفاصيل الحوار أن الفنان دريد لحام من مواليد دمشق عام 1934، أب لثلاثة أولاد وجد لسبعة أحفاد. ـ بدأت هاوياً ثم احترفت الفن وصولا إلى النجومية، فهل تنظر بعين الرضا إلى الأدوار التي أديتها في بداية المشوار؟ ـ رغم أنني أصلا خريج كلية الكيمياء من جامعة دمشق، لكني كنت أعشق الفنون ولها وهبت حياتي، وقد بني أدائي في مجالها سنة بعد سنة وتجربة بعد الأخرى، لذلك إذا نظرت إلى الأدوار القديمة التي مثلتها من منظور خبرتي الحالية، قد أنظر إليها بعدم الرضا، لكن إذا عاد بي الزمان إلى الوراء وأعدت هذه الأدوار فإني سأعيدها بالطريقة نفسها التي صقلتني وعلمتني. ـ شخصية غوار التي رافقت مشوارك الفني مرت بتحولات عدة، فكيف ولدت هذه الشخصية وكيف تطورت؟ ـ عندما بدأت بالتمثيل كان أول ظهور لي على شاشة التلفزيون عام 1960 بشخصية كارلوس، وكانت مختلفة تماما عن غوار، انها شخصية بمواصفات إسبانية لكنها لم تعجب الجمهور، واكتشفت بسرعة حينها أن الناس يتعاطفون مع تراثهم وبيئتهم والشخصيات التي تنبع من حياتهم، ولأنني من حواري دمشق القديمة فقد اهتديت إلى شخصية غوار كموديل أولا (الطربوش والقبقاب والشروال) وبدأت هذه الشخصية تختزن أفكارا ومعرفة، و في المراحل الأولى من عمرها كانت شخصية لمجرد الإضحاك، لكنها وبعد نكسة الخامس من يونيو باتت تعبر عن وجدان الشعب العربي، ومن هنا بدأ التحول في هذه الشخصية وكانت أولى تعبيرات تحولها على خشبة المسرح في «ضيعة تشرين».؟ ـ ولماذا أطلقت إلى الوجود شخصية أبو الهنا؟ ـ غوار شخصية ذات مواصفات وملامح خاصة، لكن أبو الهنا هو كل إنسان في كل شارع في كل مدينة عربية، إنه هذا الإنسان العربي المقموع الشقي الذي يحلم أحلاما صغيرة ومع ذلك تصارد أحلامه. ـ دخلت مجال الإخراج السينمائي وكان لعملك هنا خصوصية الأسلوب والتناول، فماذا تحدثنا عن هذه التجربة؟ ـ حين أحسست أني امتلكت الخبرة الكافية كي اعتمد على نفسي في فن الإخراج بدأت بفيلم «الحدود» ثم «التقرير» وبعدهما «الكفرون» وهذه الأفلام قوبلت جميعا بكثير من الرضا من الناس أو فلنقل من عشاق السينما. الفن هو حالة وتعبيرات خاصة جدا، وإن كان تذوقه عاما، وأنا سواء كنت ممثلا أو مخرجا أتعامل مع الفن بأبسط أشكاله، لأني مقتنع أنه كلما كان الفن بسيطا كلما وصل إلى مجموعة أعرض من الناس، لذلك فأنا أهتم بالنص والأداء أكثر من اهتمامي بجماليات الكادر ولا أحب أن يتحرك الممثل في كرت بوستال كبعض المخرجين. ـ أخيرا بعد كل هذا المشوار الطويل ماذا تقول وأنت تقف أمام عمل جديد؟ ـ كل عمل جديد يمنحنا خبرة جديدة وفهما جديدا ويدخلنا في مرحلة جديدة من مراحل التطور، لذلك أقول انه بالرغم من سنواتي الواحدة والأربعين التي قضيتها في مجال الفنون كلها أعتبر نفسي أنني مازلت في الخطوة الأولى. دمشق ـ تهامة الجندي