بمجرد رؤية روز ماري هيوز التعابير على وجه شريك حياتها بوبي أدركت أن ثمة أمراً على غير ما يرام، وعندما تنبهت لوجود القسيس بجواره شعرت بأن الأمر خطير. وروز ماري التي كانت آنذاك في الحادية والعشرين من عمرها كانت موجودة بالمستشفى بعد ان تم نقلها قبل يومين سابقين اثر تعرضها لمخاض مبكر. فقد كانت الشابة البريطانية حاملاً بتوأمين لكن موعد ولادتها المفترض كان بعد عشرة اسابيع تالية، ولحسن حظها ان الأطباء استطاعوا تأخير الولادة بأدوية معينة. وأثناء وجودها بالمستشفى كان شريك حياتها بوبي ملروني وعائلتها يتكفلان برعاية ابنتها ماريا ذات العشرة أشهر. وتتذكر روز ماري كيف حضنها بوبي حينما أبلغها القسيس بنبأ وفاة ابنتها الوحيدة ماريا. كاد قلب روز ماري ينفطر سيما وأنها كادت تفقد جنينيها التوأم في الاسبوع ذاته الذي فقدت فيه ابنتها الأمر الذي أشعرها بظلم الظروف. وتوالت الأنباء وعرفت بعد ذلك ان طفلتها فارقت الحياة في منزل العائلة الواقع في ليفربول وان شقيقتها المراهقة بريدجيت هي من اكتشف أمر وفاتها. في ذلك اليوم كان بوبي وشقيقتها بريدجيت يتعاونان في رعاية الطفلة الصغيرة. وكان مايكل شقيق روز ماري يصعد الدرج حينما سمع صرخة مروعة من بريدجيت التي كانت حينذاك في الرابعة عشرة من عمرها ثم رأى بعد ذلك بوبي بمظهر بائس حزين يجرى وهو ينزل على السلم حاملا بذراعيه ابنته ماريا. كان وجه الطفلة ضاربا للون البنفسجي واطرافها متصلبة، وقد اكد الاطباء بعد ذلك ان الطفلة وقعت ضحية عارض الوفاة المفاجئة في المهد. وبالرغم من حالتها المرضية أصرت روز ماري المفجوعة على حضور جنازة ابنتها في أحد أيام شهر يوليو العام 1981 وتقول روز ماري ان ذاك اليوم مضى بسرعة وانها عندما جاءت اللحظة التي شعرت فيها برغبة في التحدث عن الأمر كانت شقيقتها بريدجيت قد غادرت في رحلة الى ايرلندا ولذا فان الموضوع بدا وكأنه قد أغلق. بعد ستة أسابيع لاحقة ولد التوأمان مايكل وستيفن قبل ثلاثة أسابيع من موعد ولادتهما المفترض. وبمجيء المزيد من الاطفال جاء المزيد من المآسي فقد قتل شريك حياتها بوبي في صيف العام 1986 أثناء وجوده في رحلة قطار بعد ان اصطدم رأسه بجسر عندما كان مخرجا رأسه من النافذة فلقى مصرعه على الفور. وعقب تسعة أشهر لاحقة توفى ابنها الأصغر بول جراء اصابته بالتهاب رئوي وذلك قبل بضعة أشهر من الاحتفال بعيد ميلاده الثالث. ولكن فقط بعد وفاة «شون» ابن شقيقتها بريدجيت في العام 1993 في ظروف مشابهة لوفاة طفلتها الأولى ماريا، بدأت الشكوك تتسلل الى نفسها. وقد كان شون يبلغ 18 شهرا من عمره وبدا وكأن التاريخ يعيد نفسه. ظنت روز ماري في باديء الأمر أن شيئا ما في جينات العائلة هو المسئول عن تكرار حادثتي الوفاة في المهد. بيد أن الحقيقة كانت مروعة اكثر عن ذلك. فبريدجيت التي ظلت تتلقى علاجا نفسيا طيلة حياتها تقريبا هي التي أطبقت بيديها على عنق صغيرها شون. وقد تم اكتشاف جثته عندما وصلت أماندا أخت بريدجيت غير الشقيقة للمنزل عائدة من المدرسة ووجدته ميتا في كرسيه الهزاز. طلبت بريدجيت من أماندا ان تترك شون لحاله الى حين عودة والده ألان كينت من عمله. ووصل الأخير ليجد بانتظاره منظر ابنه الفاقد للحياة وبريدجيت جالسة بجواره في حالة صدمة. استدعى ألان الشرطة وتم اعتقال بريدجيت وفي محكمة مانشستر اعترفت بريدجيت في العام 1993 بخنقها لابنها وأقرت بذنبها بجريمة القتل وأمر القاضي باحتجازها في مستشفى للأمراض العقلية لفترة غير محددة. على مدى الأعوام الستة التالية كانت روز ماري وشقيقها مايكل لا ينقطعان عن زيارة بريدجيت فقد كانت روز ماري التي تبلغ الان الحادية والاربعين من عمرها تشعر بالشفقة على شقيقتها المريضة نفسيا والتي بررت قيامها بخنق طفلها لعدم وعيها بما كانت تفعله. لكن الشكوك بدأت تدخل رأسها ومعها بدأت تسترجع ومضات من الايام والظروف التي احاطت وفاة ابنتها ماريا. واحيانا كانت بريدجيت تردد بأنها ملامة على وفاة ماريا وعندما تسألها روز ماري عن مقصدها تجيب بالقول بأنها شعرت بأنها مسئولة عن ذلك كون الطفلة كانت في رعايتها. وهذا الأمر جعل روز ماري تتساءل لكنها افترضت صحة تشخيص الأطباء الذين أرجعوا سبب الوفاة لعارض الوفاة المفاجئة في المهد، فلو كانت هناك على حد قولها أية ظروف مشتبه فيها لكان الاطباء والشرطة قد عرفوا وهو التبرير الذي كان يجعلها تطرد تلك الفكرة من رأسها. وفي العام 1999 سمعت روز ماري النبأ الذي كانت في سرها تخشاه. فقد تلقت مكالمة هاتفية من الأخصائية الاجتماعية التي كانت تشرف على حالة بريدجيت تقول فيها بأن لدى بريدجيت شيئاً ما تريد ان تبوح به لها. وعندما وصلت الى وحدة العلاج النفسي ورأت ممرضة وحارس أمن الى جانب الأخصائية الاجتماعية هناك ادركت على الفور ما ستخبرها به بريدجيت. جلست روز ماري مقابل بريدجيت فقالت الاخيرة: «هل تتذكرين عندما أقمت معك بالمنزل في ليفربول وكنت اشترك مع ماريا بالغرفة؟ لقد رأيت دويبات بيضاء على وجهها وأردت ان تذهب الى مكان أفضل ولذا فإنني خنقتها بوسادة». ثم اضافت انها ادركت أنها كانت تهلوس وارادت ان تحضن روز ماري لكنها دفعتها وشعرت بأنها مخدرة وهو الشعور الذي لازمها منذ ذاك الحين. غادرت روز ماري تلك الغرفة الى الأبد ولم تشأ منذ ذلك الحين ان تقع عيناها على أختها. واليوم لاتزال روز ماري في حالة صدمة وتقول بأنها تدرك ان شقيقتها مريضة وكانت تسمع انها مصابة بعارض مانشوزن الذي هو شكل من اشكال الشيزوفرينيا او الفصام يشعر المريض فيه برغبة في ايذاء الآخرين كوسيلة للفت الانتباه الى نفسه، لكنها في نهاية الأمر قتلت طفلين بريئين وهو ما لا يمكن ان تغفره لها. في سبتمبر من العام ذاته ذهبت روز ماري الى محكمة ليفربول بصحبة شقيقها مايكل لسماع بريدجيت وهي تقر بذنبها بجريمة قتل ماريا على أساس المسئولية غير الكاملة، وتم اخضاعها مجددا لفترة إقامة غير محددة في المستشفى ولكن القاضي أصدر أمر تقييد كي لا تكون حرة في الذهاب والمجيء كيلا يتسبب مرضها أن تتصرف كما فعلت في السابق. والان تقول روز ماري انها كانت تفضل لو ان بريدجيت احتفظت بسرها لنفسها وكتمت شعورها بالذنب، فأعظم عقاب لها هو أن تدفن هذا الشعور بالذنب في نفسها وتحمله معها طيلة حياتها، لكنها مضطرة على حد قولها الان للتعايش مع حقيقة ان شقيقتها قتلت ابنتها، وهي الحقيقة التي لم تستطع الى الان التكيف معها، اذ لا يمر يوم دون ان تفكر في طفلتها الجميلة ماريا لويز، حتى انها لاتزال ترى كوابيس في منامها وتنهض من نومها مجهشة بالبكاء. وأسوأ ما في الأمر كما تقول هو ادراكها بأنها لو اكتشفت امر بريدجيت باكرا لكان من الممكن انقاذ حياة ابنها شون. ولا غرابة في ان يكون معظم تفكير روز ماري منحصرا في عبارات تبدأ بكلمة «لو» فلو كانت ماريا على قيد الحياة لاحتفلت مؤخرا بعيد ميلادها الحادي والعشرين، ولو.... ولو.... ولو... ورغم انها انجبت خمسة صبيان الا انها لم تستطع ان تنسى ماريا كونها الابنة الوحيدة التي انجبتها. وعزاء روز ماري الوحيد الان هو أن حفيدتها الاولى من ابنها ستيفن هي بنت تشبه الى حد كبير ماريا ما يجعلها تجد نفسها تبكي عندما تحتضنها وتسترجع شريط الذكريات. وجدران منزلها الذي تعيش فيه مع ابنيها الاصغرين لاتزال تزينها صور العزيزة ماريا. وفي بعد رهيب آخر لهذه القصة المأساوية تكشف روز ماري انه عندما كانت بريدجيت في السابعة عشرة من عمرها انجبت طفلة اسمتها بولين لكن روز ماري لم تشعر بأي احساس انتماء لها بسبب ما فعلته بريدجيت بابنتها وعرضت الطفلة الصغيرة للتبني. وتقول ماري روز ان بولين هي في الثامنة عشرة من عمرها الان وانها قد تحاول العثور على عائلتها الحقيقية مضيفة انها تود مقابلتها لكنها تتساءل ان كانت ستجد القدرة على اخبارها بحقيقة امها. ابتسام أحمد


