في عصر التقنية الرقمية الذي نعيشه اليوم في شتى مظاهر الحياة المدنية، لم تعد اجهزة الكمبيوتر ملفتة للنظر، بل واصبحت مبتذلة وباعثة على الملل بسبب اشكالها ووظائفها المستنسخة التي تلاحقنا في كل مكان في عملنا، ومنازلنا، وحتى المتاجر التي نتسوق منها، لكن الامر ليس كذلك في مختبر التصميم الصناعي بشركة ابل كمبيوتر بوادي السليكون، حيث يستعيد الكمبيوتر الآن امجاده الماضية، هنا في هذا المختبر «يتجلى جوهر الروعة الحاسوبية متجسداً في كمبيوتر مكتبي خرافي، لم يسبق لاحد ان شاهد ما يضاهيه في اي مكان آخر من العالم. كما يقول العقل المبدع والمدير التنفيذي للشركة ستيف جوبس. انه كمبيوتر «آيماك» الجديد الخلف الذي طال انتظاره بعد جهاز ابل السابق الذي حقق اعلى نسبة مبيعات وبث الحياة في مبيعات الشركة للمستهلكين وأوما الى ان المدير والشريك المؤسس للشركة عاد للساحة التقنية اقوى من اي وقت مضى. ويقول جوبس «ان كمبيوتر ايماك الجديد هذا هو افضل شيء صنعناه منذ تأسيس شركتنا». بالطبع المتحدث ستيف جوبس وهو يقول الشيء نفسه لدى اطلاق كل منتج جديد، فالحياة المهنية بالنسبة له ثورة متواصلة، لكن حتى عندما يكون خاطئا فإن الشيء المؤكد ان كل ما يصنعه جويس وآبل سرعان ما يقلده الآخرون في بقية عالم الكمبيوتر. وفضلا عن ذلك، فإن جوبس هذه المرة حقاً يعني ما يقول. هذه المرة نحن بحاجة الى ثورة، هذه المرة صناعة الكمبيوتر في سقوط حر، وجميع مصنفي الكمبيوترات المكتبية والمحمولة ينهشون في لحم بعضهم البعض في سباق محموم لتخفيض الاسعار للصمود في وجه عاصفة الركود التقني بامتلاك ارخص جهاز في السوق. لكن شركة ابل خارج هذه اللعبة ذلك ان جوبس يراهن على ان اقصى ما يريده المستهلكون في التقنية هو التحكم بحياتهم الرقمية، واي سبيل الى ذلك افضل من امتلاك كمبيوتر يكون الاروع شكلاً والابسط استخداماً والافضل هندسة بين جميع منافسيه في الساحة، لقد هاون الوقت بهذه الثورة كما يقول جوبس، فنحن نتخبط وسط سيل من الكاميرات الرقمية وكاميرات الفيديو ومسجلات «إم. بي. 3» التي يزداد استخدامها تعقيداً جيلاً بعد جيل. والجهاز الذي سوف يربطنا بأدواتنا التقنية لابد ان يكون محوراً رقمياً، كمبيوتراً مصمماً لتبسيط حياتنا، ويقول جوبس ان هذا ما تعنى به آبل، دوناً عن الآخرين في عالم الكمبيوتر. لكن ما هي القنبلة الرقمية التي ستفجرها آبل لتضمن بقاءها في سوق التكنولوجيا المتدهورة والتي تناضل الشركة منذ عودة جوبس عام 1997 للحفاظ على حصتها الصغيرة فيها، جوبس وبقية القائمين على الشركة يعلقون آمالاً كبيرة جدا على جهاز ايماك الجديد الذي يكشف النقاب عنه هذا الاسبوع في مؤتمر ماك السنوي بسان فرانسيسكو، ومثل العديد من كمبيوترات اليوم، فإن ايماك الجديد مبني حول شاشة عرض مسطحة، لكن بدلاً من احتلال حيز سطح المكتب الثمين كما تفعل شاشات العرض المسطحة القياسية، فإن شاشة «ايماك» تطفو في الهواء معلقة بعنق انبوبي ممفصل من الكروم، كما انها محاطة بإطار بلاستيكي نصف شفافه يجعلك ترغب بجذبه نحوك او تنحيته جانباً. ويقول جوناثان ايف، مدير مختبر التصميم الصناعي بالشركة انه صممم الجهاز الجديد بحيث يبعث فيك الرغبة في لمس رغبة يتلمس السطح المثير للفضول لشاشة العرض. تنثني العنق الكرمية ذات المفاصل والمحافظة على زاوية الشاشة، وهي متصلة بالكمبيوتر الذي يتخذ شكل نصف كرة قطرها 264 سنتيمترا فقط. لكن هل يستطيع هذا الجهاز ان يجعل خطوط ابل تحلق عاليا من جديد؟ جهاز «ايماك» الاصلي الذي اطلق في مايو 1998 كان بمثابة الشرارة التي رفعت قيمة اسهم آبل بنسبة 400 بالمئة في العامين التاليين حيث بيع منه اكثر من ستة ملايين قطعة، والآن وقد انخفضت اسهم آبل مجدداً الى الحضيض وراحت متاجر التجزئة تصرخ بتذمر مطالبة بشيء جديد لتنشيط المبيعات، بحاجة لقنبلة تنشل الشركة من اوحالها. الوضع الراهن لايزال بعيداً عن نذر الكارثة، فشركة آبل تملك اكثر من اربعة مليارات دولار في البنك ـ وهي كافية للصمود حتى انقضاء فترة الركود ـ كما ان ديونها قليلة نسبياً والاهم من ذلك ان لها ملايين من المستخدمين الاوفياء الى حد التعصب والذين يرفضون استبدال اجهزة ماك بأي نوع آخر من الكمبيوترات. لكن العائدات السنوية لـ «آبل» انخفضت من ثمانية مليارات الى اقل من ستة مليارات، ولاتزال الشركة تخسر من حصتها في السوق امام زحف عملاق ميكروسوفت ـ انتل الذي بات يهيمن على العالم من اقصاه الى ادناه، اذ لا تتعدى الآن حصة ماك نسبة 4 بالمئة من الكمبيوترات المباعة حديثا في الولايات المتحدة و3 بالمئة في السوق الخارجية ومع ايقاف دعوى المطالبة بسحب الثقة من مايكروسوفت واطلاق نظام تشغيل «وندوز اكس بي» الذي غدا اكفأ وابسط من اي وقت مضى، فإن رهانات المستقبل بالنسبة لآبل تقوم الآن على جهاز ايماك الجديد الذي قد يكون بمثابة شريان الحياة في هذه الظروف الخانقة. ترجمة: علي محمد عن «تايم»