ما رأيك في ان تستيقظ في الساعة السادسة صباحاً وتغادر فراشك لتبدأ البحث عن أسد؟ هذا ما يفعله سياح السفاري وعشاق البراري الافريقية، وهذا ما يقصدون افريقيا جنوب الصحراء لاجله، ففيما تبدأ اولى خيوط الفجر الافريقي تظهر في اطراف السماء، يكون هؤلاء متأكدين من ان الاسود تهيم في مكان ما بالقرب منهم. يمتلك ستيفانو شيلي معسكراً صغيراً معزولاً وسط سهل ليكيبيا في كينيا ويعرف ستيفانو ومساعده فرانسيس المساحة التي تبلغ 60 ميلاً مربعاً حول المعسكر وهي ملكية خاصة للاول وكأنها ساحة الدار عندهما. في المعسكر تكون على بعد 40 ميلاً فقط شمال خط الاستواء وعلى ارتفاع 6000 قدم عن سطح البحر على حافة الوادي المتصدع العظيم، لتمتد السهوب العشبية طويلة وعريضة امام عينيك الى ما لا نهاية. واسود ليكيبيا اقل اعتيادا على السواح من الاسود في محميات افريقية اخرى شهيرة فهى «خجولة» وتبقى داخل العرين الذي تحيطه بمزيد من التراب، لكن ان كان الوقت وقت صيد، فستضمن ان التجربة التي ستراها ستبقى في الذاكرة طويلاً بالتأكيد. يأخذ ستيفانو نزلاء مخيمه في سيارته اللاندروفر، على وعد ان يريهم الاسود جهاراً نهاراً، وبعد حوالي 45 دقيقة يصبح شبه متأكد من ان الاوان قد آن، هكذا تراه قد اوقف المحرك ومد رأسه خارج النافذة ليقول «اصغ!» حينها كان الصوت المسموع هو صوت طائر يقبع بين اعضاء شجرة قريبة لكن لحظة، هاهو، ويأتي صوت الزئير العميق المديد الصادر عن اسد فتي. كما ان فرانسيس يأخذ معه اينما ذهب جهاز استقبال لاسلكي صغير، وفي تلك اللحظة بدرت على اللاسلكي اشارة واهية، فقد قامت احدى الجامعات الامريكية بهدف بحث علمي تجريه على اسود ليكيبيا بوسم سبعة من اسود المنطقة الثلاثين بعلامات الكترونية على اطواق صغيرة تحيط برقابها. والنتيجة لحسن حظ السواح ان البحث عن الاسود وملاحقتها لمشاهدتها اصبحت مهمة اسهل بعض الشيء، وبدا لمن في السيارة ان عرين الاسود يقع وسط أجمة من اشجار النخيل والاكاسيا الشائكة. ويناور ستيفانو بسيارته بطيئا حول العرين، فوق ارض وعرة جعلت السيارة تتقافز، وتتمايل كأنها قارب صغير في بحر هائج. وبعد ساعة ونصف الساعة من السير يتوجه ستيفانو نحو نبع وسط تلك السهول ومع ان الاشارة على اللاسلكي بدأت تضعف، إلا انه قال قول العارفين: «الوقت مناسب جدا لرؤيتها، فهي على الاغلب ستخرج من العرين لتستمتع بشمس النهار وتشرب، لكني اعتقد انها تحاول ان تبتعد عن انظارنا فهي ترانا الآن بالتأكيد وقد تكون على مرمى حجر منا الآن. وفعلا لم تمض لحظات حتى انطلق صوت الزئير المخيف الذي جعل ركاب السيارة يعتقدون ان الاسد فوقهم لقربه. الاشارة قريبة جداً وستيفانو اوقف المحرك فيما بدأت الاعصاب تتوتر وتتحفز مع ارتفاع حدة التوقعات. ويقول ستيفانو لصحبه مازحاً: انظروا تحت الاشجار وبين الحشائش فهي قريبة جداً منا، كل ما آمله هو الا تكون الاسود متهورة اليوم، فليست هناك طريق مدقوقة بالقرب منا والهرب لن يكون سريعاً ابداً في حال الطواريء! ثم تعود السيارة للتقدم شيئا فشيئا، وتصل نحو بضع شجرات زيتون، حيث عاد الزئير يرتفع من جديد وتأخذ المناظير بالانزلاق من الايادي التي رطبها العرق حينما القلوب تدق بقوة. وفجأة يقول ستيفانو: هناك! أسد الى يمينكم، لكن الاسد ظهر وراءه، انثيان ثم ثلاثة ذكور فتية وستة اشبال وهي تعبر الارض الموحلة من امام السيارة، كانت البطون ممتلئة من صيد قريب، واقتربت الاسود من الجمع حتى اصبح بالامكان شم رائحة جلودها وبقايا اللحم والدم عليها. وفيما اخذ البعض يشرب من برك ماء المطر الذي هطل قبل يومين، وقف البعض ساهماً فيما اكبرهم اخذ يحدق بالسيارة وركابها هازاً رأسه بإنكار لظهورهم في هذا المكان، ولكنه عاد ومضى مبتعداً وهو يتهادى ببطء وبدا وكأنه على استعداد ليتسامح مع هذا الانتهاك الوقح من قبل غرباء لارضه. ولم يقطع وجوم القوم وصمتهم الذي ربما طال او قصر بعد غياب الاسود سوى قول ستيفانو!! ربما يكون فطورهم حمار وحشي او غيره. لم تتجاوز فترة ظهور الاسود سوى دقائق بدت قصيرة جدا مقارنة بساعات التوتر التي سبقتها انتظاراً لها، لكنها دقائق ليست كالدقائق فأي مرأى يمكن له ان يهز الاعصاب على هذا النحو؟ ان افريقيا تترك في الذهن والنفس ذكرى تطول. شيء شبيه بالحلم ان تلمح الزرافات وهي تهز اذيالها خلفها بحركة ايقاعية متناغمة فيما تذرع السهوب. والعين التي اعتادت على المدينة وجدرانها القريبة سرعان ما تتأقلم وتصبح اكثر حدة لتكتشف حمير الوحش التي تموه نفسها في السافانا أو القرود التي تختبيء بين الاغصان او طيور الكركي وهي تعبر السماء الزرقاء او الفهود التي تتمطى فوق فروع الاشجار الكبيرة، في مثل هذه اللحظات لا تكون ارحال السفاري سياحة مثل اي سياحة. ترجمة : جلال الخليل عن «اسكواير»
