تُشكّل المرأة أهم وابرز عناصر الاعلان في وقتنا الحالي، فبها ومن خلالها، يروج المعلنون لشتى أنواع البضائع والمنتجات، بما في ذلك، منتجات الغناء الحديث المتوالدة بكثافة هائلة هذه الايام، فالمرأة الراقصة وشبه العارية، باتت اهم عناصر ظاهرة «الفيديو كليب» مهما كان المضمون الذي تقدمه الاغنية!! والمرأة كانت ولا تزال الموضوع الاثير والحار لكافة ضروب وأجناس الفن التشكيلي من نحت ورسم وتصوير وحفر مطبوع، وهي ايضا موضوع رئيسي وعذب، لفن التصوير الضوئي وغيره من الفنون البصرية القديمة والجديدة، وباعتقادي ستبقى المرأة الشغل الشاغل للمبدعين، على اختلاف وسائل تعبيرهم، لما يتمتع به جسدها من جماليات تتفنن هي نفسها في اخراجها والتدليل عليها، معتمدة على جيش كبير من الخبراء والاختصاصيين العاملين على خدمتها، عبر ميادين الازياء والماكياج والاكسسوارات وكل ما يتعلق بعملية تجميلها وتزيينها واناقتها. وكما يبدو، ستبقى المرأة محور اهتمام كل هؤلاء مجتمعين، ما دامت هي صانعة الحياة وأهم مرتكزاتها، وانبل رموزها، واجمل كائناتها، بل هي وجه الحياة الساحر الذي لا يذبل ولا يشيخ ولا يمر عليه خريف. ولأن المرأة تحمل النقيضين، فهي غواية وهداية، العشيقة والام، الحبيبة والاخت، الروح الطاهرة النبيلة، الحنونة، الطيبة، المناضلة، الصابرة، والروح الخبيثة والغانية، الفاتنة، الماكرة، و اللعوب.. لأن المرأة هي الحياة بكل تلاوينها البيضاء والسوداء، فهي توظف في كل مجال، ولأكثر من هدف وغاية مباشرة وغير مباشرة!! ولأن المرأة عماد البيت وربته، فقد توجه الاعلان التجاري والاستهلاكي اليها، في غالبية ما يروج له، من مواد استهلاكية متعددة اوجه الاستعمال، اذ ان كل شيء يجب ان يمر عبرها الى باقي افراد الاسرة والى البيت نفسه، ولأن الاعلان الحديث يدار من قبل فنانين وتقنيين وعلماء نفس واختصاصيين اجتماعيين واقتصاديين وحتى سياسيين، فقد تلونت صيغة الاعلان الواحد للمنتوج التجاري الواحد، وذلك حسب المجتمع الموجه اليه. ففي الاعلان الموجه الى المجتمعات المنفتحة، نجد المرأة التي تقدم الاعلان، خفيفة الثياب، قصيرتها، بارزة المفاتن مكشوفتها، وفي النسخة الموجهة الى مجتمعات محافظة، محتشمة الثياب، بل قد ترتدي نفس ثياب المرأة التي تتوجه اليها، بغية التقرب منها ونيل ثقتها، وتاليا اقناعها بجودة ومزايا المنتج الذي تروج له من خلال الاعلان!! ولشدة اعتماد الاعلان المعاصر على المرأة في تمرير اهدافه وغاياته فهناك من يرى ان الاعلان ـ امرأة، ومن هؤلاء الكاتب «محمد سيف حيدر النقيد» الذي يرى ان جسد المرأة او الانثى هو اقوى الوسائل الاستقطابية على الاطلاق، فقد وظفه المعلنون بكل الطرائق والاساليب المتاحة من اجل «غواية» المتلقي ـ ايا كان ـ واستخدام وعيه اللاشعوري في انهاكه، ومن ثم تنويمه مرئيا، مرتكزين في ذلك على قدرة ذلك الجسد على الايحاء وتجسيد اللذة في اكثر الابعاد اتساعا للمنطق الابيقوري. ويؤكد انه بهذه الطريقة تمت «جنسنة الاعلانات» وتم تقديم الجسد الانثوي طُعما جنسيا لترصيع 90% من الاعلانات التجارية، وتأتي اهمية الجسد الانثوي كاداة اعلانية فائقة القدرة على الاقناع، كما يفهم من كلام الباحث النفسي «جلين ويلسون» لكون النساء «اكثر تعبيرية» مقارنة بالرجال!! كما ان المرأة غالبا ما تكون اكثر اقترانا بالسلعة المعلن عنها، وذلك لوجود علاقة وثيقة «بين الاعلان» وصناعة السلع الاستهلاكية والدور الاقتصادي للمرأة المستهلكة، لأنها تشكل النسبة الغالبة من المستهلكين. من هنا فقد تفنن المعلنون في تقديم جسد المرأة، عبر قطوعات فنية مدروسة ومحسوبة بدقة كتكوين ودلالة ولحظة تعبير، تصيدها الفنان الضوئي بمساعدة محرضات عديدة، أبرزها وأهمها، موهبة المرأة الموديل ـ او المرأة الوسيلة، وما تتمتع به من جمال الوجه او الجسد، هذا الجمال الذي أكده وابرزه المزين المختص، وكرسه الفنان ـ المصور، ثم ابدع في اخراجه الفنان التشكيلي فالتقني المختص والمنوطة به عملية تحويله الى ملصق او لوحة او فيلم متحرك. وهكذا تماهت جهود هؤلاء وتضافرت في انجاز الاعلان، وتماهت في الوقت نفسه، غواية الجسد الانثوي بجمالية الفن، وكل ذلك في سبيل خدمة السلعة التجارية او الفنية او السياسية او الاجتماعية.. الخ وتاليا خدمة صاحبها، ولهذا اصبحت صناعة الاعلان في وقتنا الحالي علما وفنا وخبرة وتقنية عالية مرتكزها الاساسي جسد المرأة وتضاريسه، ذلك لأن القائمين على صناعة الاعلان، ادركوا، ومنذ البداية، ان هذا الجسد، وهذه التضاريس، اهم وسيلة جذب لعين المتلقي، بما في ذلك عين المرأة نفسها.. وصدق من قال: «الاعلان.. امرأة»!! محمود شاهين