في محاولتها ترويج حربها الشرسة ضد خصومها لم تأت أمريكا بجديد حينما أطلقت عليها حرب الإرهاب، فالحرب وفق القاموس التقليدي تشكل إحدى ذراري الإرهاب فما تعريفها سوى ظاهرة استخدام العنف والإكراه لحسم خلاف حول مصالح أو مطالب أو عمل عنف لإخضاع الخصوم، فهل بعد ذلك للإرهاب من ممارسة؟ دول عديدة ومفكرون وسياسيون كثر سبقوا أمريكا من قبل إلى محاولة تجميل هذا العنف ووجد عديدون في عبارة الألماني كلاوزفتر مظلة جذابة للقتل تحتها إذ اعتبر ذلك الرجل الحرب «امتداداً لممارسة السياسة بوسائل أخرى». لم يقل عنيفة! كل الذين جنحوا إلى ممارسة هذه اللعبة الدموية لتوسيع نفوذهم أو إشباع طموحاتهم غير المشروعة على جماجم الآخرين لم يعترفوا بأنها لعبة قذرة، على نقيض ذلك لجأ هؤلاء إلى رفع شعارات حاولوا صقلها وذرائع عمدوا أن تكون براقة فاستباحوا ثروات غيرهم باسم الفتوحات ونشر الوعي. أبناء الضحايا لم تنطل عليهم الأحابيل فصنفوا تلك الفتوحات حروباً استعمارية ونهضوا في مقابلها بحروب أسموها حرب الاستقلال أو حرب التحرير. في سياق هذه المواجهة تعرف العالم على أشكال من التسميات الجديدة للحرب، فبالإضافة إلى الحرب التقليدية استحدث مقاتلون حرب العصابات ويعتبر الفيتناميون أفضل من مارس هذا الضرب من الحروب. وضمن محاولات ترويجها أطلق اليساريون تعريف الحرب الثورية ولا يزال تشي جيفارا يُجسّد رمزاً لقادة هذه الحرب، ومضى الماركسيون خاصة أبعد من ذلك في الفرز بين الحروب فاستحدثوا كذلك تعريف الحرب العادلة. المسلمون يؤمنون بالحرب المقدسة فلديهم تسليم بالجهاد من أجل نشر الدين وحمايته، وهم عرفوا في ظل الإسلام كذلك تعريفاتهم الخاصة بهم مثل الغزوات وحرب الردة وتعرضوا للحروب الصليبية في القرن الحادي عشر. حين تضخمت الآلة العسكرية وأصبحت فنون القتال علوماً تدرس في أكاديميات خاصة ابتكر الخبراء مفاهيم جديدة لإصباغ مسحة منطقية على عملية التقتيل والتدمير الجماعي مثل الحرب التكتيكية والحرب الوقائية حتى تبدو عقلانية في مواجهة الحرب الهجومية. العالم كان مسرحاً لحروب موسعة لكنه اعترف بحربين كبريين انفجرت الأولى في 28 يونيو 1914 إثر اغتيال طالب صربي ولي عهد النمسا في مدينة سراييفو، وانفجرت الثانية في الفاتح من سبتمبر 1939 عندما عبرت القوات النازية الحدود البولونية. من بين أنقاض الأولى برزت عُصبة الأمم ومن تحت رماد الثانية قامت الأمم المتحدة. مرات عدة كان العالم على حافة حرب عالمية ثالثة كما حدث في أزمة خليج الخنازير في مطلع ستينيات القرن الماضي وعندما أعلنت أمريكا حربها على الإرهاب مثلاً لا حصراً. أقطار عديدة تعرضت للحرب الأهلية وهي مواجهة يلجأ اليها فريق لرد الظلم عنه أو انتزاع حقوق. ربما هذا أجمل تزويق لاسوأ ممارسة في حق الوطن لدوافع مختلفة. أمريكا عرفت هذا النوع من الحروب واسبانيا وكل العرب يعرفون الحرب اللبنانية والسودان يعايش أطول حرب اهلية في أفريقيا. هناك دول خبرت أشكالاً مماثلة من الحروب مثل حرب الطحين في فرنسا التي اندلعت في العام 1885 واعتبرها مؤرخون مقدمة الثورة الفرنسية التي انفجرت بعد 4 سنوات. ربما كانت هذه أفضل من حرب الأفيون التي فتحت بها بريطانيا أسواق الصين أمام الغرب بعد إذلالها في العام 1842. ثمة حروب اكتسبت شهرتها من قبائل خاضتها مثل حرب البوير في جنوب أفريقيا أو أمكنة دارت حولها مثل حرب السويس ومن زمانها كحرب رمضان أو مداها الزمني مثل حرب الأيام الستة، وكلها تنطوي على مخاتلة في سياق التجميل فالأخيرة مثلاً محاولة لتفادي الاعتراف بالهزيمة وقطع نصف المشوار لجهة هذا الاعتراف بإطلاق «النكسة» عليها. بعد انقسام العالم إلى قطبين ألف العالم حرباً نادرة أسماها المنظرون الحرب الباردة وفي أتونها عرفنا حرب الجواسيس وحرب الأسعار والحرب الاقتصادية. مع تطور كل طراز جديد من السلاح تتجمل الممارسة بدثار جديد مثل حرب الدبابات والحرب الجوية وحرب الاستنزاف، العالم يحبس أنفاسه خوفا من نشوب حرب كيمائية أو بيولوجية أو نووية. البعض يشط في تجميل ممارسة التدمير والتضليل فيزعم أن هناك حرباً من أجل السلام. ولكل عصر حربه، القرن الجديد بدأ بأكذوبة حرب الإرهاب ولن تكون الكذبة الوحيدة فيه فالأصل المجمع عليه من الجميع أن الحرب خدعة.