«العصا لمن عصى» عبارة مأثورة أحفظها من أيام «الكتاب» حيث كنا نجلس على الأرض أمام «عصا» طويلة في يد شيخنا. ولا يهمنا هنا معنى الشدة والحزم، أو التهديد والقهر، في العبارة، وإنما يهمنا أنها تضم كلمتين متشابهتين في النطق، ولكنهما مختلفتان في المعنى، وهما الاسم «عصا» والفعل «عصى». و«عصا» أداة للتوكؤ أو الضرب، تتخذ من الخشب وغيره. والكلمة اسم مقصور، من الفعل «عصا يعصو»، وهو فعل معتل الآخر بألف أصلها واو. وفي معناه نقول: عصا الشرطي اللص أي ضربه بالعصا. وعصا الرجل القوم، أي جمعهم على خير أو شر. ولذلك يقال: سميت العصا عصا لأن اليد والأصابع تجتمع عليها. ومثنى «عصا»: «عصوان»، والجمع «عصى وعصى» (بكسر العين وضمها). ومن قديم كان للعصا شأن مهم عند العرب، ولذلك يزخر التراث بأقوال وأمثال وأشعار وطرائف تتصل بها. في القرآن الكريم، وردت «العصا» مفردة تسع مرات، وجمعا مرتين، ومن ذلك :«قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى». وقد صارت عبارة «عصا موسى» رمزا للقول أو الفعل الحاسم الذي يجب ما قبله ويدحضه. ومن العبارات التي تستعمل فيها العصا، يقال: «شق العصا» ومعناها خالف جماعته. و«انشقت عصا القوم» أي وقع الخلاف بينهم، و«شق عصا الطاعة»، أي عصى أمر آمره وتمرد. ويقال: «قرع له العصا» أي نبهه. كما يقال: «فلان لا تقرع له العصا» و«إن العصا قرعت لذي الحلم» ويضرب للمحنك المجرب الحكيم، وأصل المثل انه لما شاخ عامر بن الظرب العدواني، ضعف عقله، فقال لابنته: إذا أنكرت من عقلي شيئا عند الحكم فاقرعي لي الترس بالعصا لأنتبه، فكانت تفعل ذلك. ومن الأقوال أيضا: «قشر له العصا» أي أبدى له ما في ضميره. كما يقال: «لا تدخلن بين العصا ولحائها»، ويضرب للأخوين المتصافيين لا يحسن أن يدخل الإنسان بينهما بشر. ويقال: «قرعه بعصا الملامة» أي بالغ في عذله ولومه. ويقال: «رفع الرجل عصاه» أي سار ورحل. و«ألقى عصاه» أي بلغ موضعه. و«ألقى عصا الترحال» أي أقام وترك الأسفار. كما يقال: «لا تلقين عصاك دون المطلب» أي لا تسترح قبل أن تحقق مطلبك. وفي الرمز بالعصا إلى الشدة والحزم، يقال: «لا ترفع عصاك عن أهلك» وهو حث على مداومة مراقبة الأهل وتحذيرهم. كا يقال: «إذا ذكرت الذئب فأعد له العصا» وهو حث على حسن الاستعداد للأمور وعدم الغفلة. ويقال: «الناس عبيد العصا» أي يهابون من آذاهم. و«هم عبيد العصا» أي مستذلون. ويتصل بذلك قولهم شعرا: العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة ويوصف الرجل الرقيق اللين بأنه «لين العصا». وفي ضده يقال: صلب العصا. ويقال لمن يفعل الشيء بطريقة مدهشة دون عناء: «فعله بعصا سحرية». ومن بديع الأمثال قولهم: «إن العصا من العصية». والعصية تصغير العصا، وهو مثل يقال للأمر الصغير يتولد منه الأمر الكبير الخطير، وقد استعمله أحد الشعراء في معنى أن الصغير لا يخرج عن صفات الأصل أي الكبير الذي جاء منه، فقال: كيف تأتيك بخير بيضة من بيض حية أشبه الفرخ أباه والعصا منها العصية